fbpx

المشاهد نت

حروب ماليزيا.. دروس ملهمة لخروج اليمن من مأزق الصراع

تزامن استقلال ماليزيا مع تحرر اليمن من حكم الأئمة في الشمال وطرد بريطانيا من الجنوب

تعز – لمياء الشرعبي

تُعرف ماليزيا بدولة التنوع التي تحتضن الكثير من الأجناس والثقافات والديانات، وتقدم نموذجًا ملهمًا للعالم في تجربتها الاستثمارية والحداثية بعمرها الذي لم يتجاوز الستين عامًا، فقد مرت ماليزيا بسلسلة طويلة من الحروب التاريخية والغزوات الأجنبية، خلال موروث طويل يتجاوز قرنًا وأكثر، أدى إلى تمزق كيانات الدولة واقتصادها.

تتشابه ماليزيا مع اليمن في ارتباطها بصراع تاريخي طويل، فقد مرت اليمن أيضًا بحروب تاريخية طويلة، وتعود حرب الحوثي إلى امتداد الإمامة التي تواجدت في اليمن منذ أكثر من 1200 عام، بالإضافة إلى الصراع الأهلي الذي أخذ عمرًا طويلًا من التاريخ اليمني، والاستعمار البريطاني الذي يعد الحلقة الأقوى في التشابه بين اليمن وماليزيا، كما تتشابه اليمن مع ماليزيا بظواهر العنصرية والطائفية والعرقية التي أوجدتها الحروب الطويلة.

كان الاحتلال البريطاني آخر استعمار لماليزيا، والذي أسهم بشكل كبير في تعزيز سياسات التمييز العنصري، وارتفاع معدل البطالة والكساد الاقتصادي، وجعل أغلب السكان الماليزيين محرومين من التعليم والعائد المادي.

وخلال تلك الحقبة تداخلت حروب أخرى زادت من شتات ماليزيا، بدأت في الغزو الياباني، ثم تدحرجت لتصل بماليزيا إلى فجوة الحرب الأهلية التي تمثلت بتمرد الحزب الشيوعي الذي ضم حرب عصابات داخلية، كما أن عدم الاستقلال أدخل شعب ماليزيا ضمن تاريخ مبكر من التشرد، وفقدان الهوية القومية والوطنية.

وأثناء الاحتلال قامت بريطانيا بتقسيم السكان إلى ملايو وماليزيين آخرين، الملاي هم السكان الأصليين، يقيمون في الريف، ويعملون في الزراعة، بينما الماليزيون كانوا يعملون في كافة قطاعات الأعمال في المدن، الأمر الذي زاد شعب الملايو مظلومية، وأرسى عنصرية الأقلية على الأكثرية (السكان الأصليين).

قام شعب الملايو (ماليزيا حاليًا) بعدة محاولات لنيل الاستقلال، وبعد معارضات طويلة بين السلطات المحلية والبريطانيين، تلاها استمرار للغزاة ودخول ماليزيا خطًا جديدًا للتحول لساحة معركة بين البريطانيين واليابانيين، تمكن بعدها الحزب الشيوعي من طرد اليابان، بالإضافة إلى بقاء 70٪ من اقتصاد البلاد في أيدي الأجانب الذين جلبتهم بريطانيا.

 وفي مرحلة ما قبل الاستقلال البريطاني، تولى تونكو عبدالرحمن رئاسة الوزراء، بعد أن أصبح المفوض السامي البريطاني رئيسًا للدولة، وتشكلت فيدرالية ماليزيا، وأصبح شعب ماليزيا يتمتع بحكم ذاتي للمرة الأولى، ليصبح تونكو عبدالرحمن الملقب بـ “أبي الاستقلال”، المحرر الأول الذي أكسب ماليزيا الاستقلال.

تتشابه ماليزيا مع اليمن في أهمية الموقع الاستراتيجي، تطل الأولى على مضيق ملقا، وهو المضيق الذي تمر عبره السفن التجارية، ويعتبر واحدًا من أهم الممرات البحرية الرئيسية في العالم، بينما تطل اليمن على مضيق باب المندب، وهو ثالث أهم مضيق بحري في العالم، وتمر عبره السفن التجارية الواصلة ما بين الشرق والغرب، ما جعل اليمن ساحة للصراع المحلي والإقليمي والدولي على مر التاريخ.

أثار تونكو عبدالرحمن، أثناء مناداته للاستقلال، بلبلة وجدلًا واسعين بين شعب الملايو، وواجه معارضة كبيرة أغلبها أثارها السلاطين الذين كانوا يحكمون الولايات، وكانوا على استعداد كامل للقبول بالمفوض السامي حاكمًا عليهم في مقابل بقائهم في مناصبهم، الأمر الذي جعل الملايويين ينقسمون إلى قسمين، قسم مع رغبة الحكام، وأكثرهم من الإقطاعيين، وقسم مع الاستقلال وتونكو عبدالرحمن، لكن في الأخير أرسلت الحكومة الماليزية، بأمر من رئيس وزرائها “تونكو”، وفدًا إلى بريطانيا للمطالبة بالاستقلال، الأمر الذي جعل السلاطين المعارضين يشعرون بالخجل، وتفاديًا للوقوع في نقطة حرجة، قام سلاطين الولايات، تحت الضغط القومي، بإرسال وفد آخر إلى بريطانيا للمطالبة بالاستقلال، اندمج الوفدان ليصبحوا وفدًا واحدًا يمثل الحكومة الماليزية أمام البريطانيين.

عُقد مؤتمر فيدرالي ملايا في لندن عام 1956م، بين الوفد الماليزي وبريطانيا، رفضت فيه بريطانيا منح ماليزيا الاستقلال، ولكن بعد إصرار الوفد وتوحد صفهم، نالت ماليزيا استقلالها في 13 أغسطس 1957م.

اليمن وماليزيا.. نقاط مشتركة

تدخل اليمن السنة الثامنة من عمر الحرب، وخلال هذه السنوات أقيمت العديد من المفاوضات بين الحكومة المعترف بها دوليًا، والحوثي المدعوم من إيران، انطلقت أول المفاوضات في جنيف، في يونيو 2015م، بعد اندلاع حرب اليمن بثلاثة أشهر، والتي انتهت بالفشل، توالت المفاوضات اليمنية بين الحوثيين والحكومة، برعاية أممية وخليجية، كانت أبرز المفاوضات فيها مفاوضات الكويت التي أخذت لقب أطول مفاوضات، ثم مفاوضات جنيف الثالثة المندرجة تحت اتفاقية ستوكهولم، وآخرها المشاورات اليمنية التي أقامها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، والتي رفض الحوثي فيها الحضور نهائيًا، وانتهت جميع المشاورات بخروقات وفشل من قبل الحوثيين وأطراف الحرب، وذلك لتحول الصراع في اليمن لصراع إقليمي تندرج ضمنه مصالح دولية وإقليمية، أهمها الملف النووي، والمفاوضات السعودية في طهران، والحرب الروسية الأوكرانية، كما أن عودة الأمم المتحدة إلى المفاوضات النووية في فيينا، جعل ارتباط الملف النووي باليمن في أعين جلية، برزت في تزامن التنازلات التي قدمتها الولايات المتحدة لإيران، عندما قامت برفع العقوبات التجارية عنها برفع الحوثيين من قائمة الإرهاب في اليمن.

الحرب الأهلية في ماليزيا

بعد استقلال ماليزيا، دخلت مرحلة الحرب الأهلية، سميت بالطوارئ الملاويوية، وكانت حرب عصابات أثارها التمرد الشيوعي الملايوي، بدأت عام 1945م، وتوصلت إلى اتفاقية سلام بحلول 1954م، لكن التمرد الشيوعي والحرب الأهلية بدآ عام 1968م، وانتهيا في 1989م، بعد اتفاقية سلام بين الحزب الشيوعي الملايوي والحكومة الماليزية.

وحسب تقارير دولية، خلال صراع الطوارئ الملايوية قتلت قوات الأمن 6710 مقاتلا من جيش تحرير مورو الإسلامية، وأسرت 1287، بينما استسلم 2702 أثناء الصراع، وقام حوالي 500 آخرين بذلك في نهايته، قُتل 1345 جنديًا وشرطيًا من الملايو، بالإضافة إلى 519 من أفراد الكومنولث، قُتل 2478 مدنيًا، وسجل 810 آخرين في عداد المفقودين، وعلى مدى الحرب قامت السلطات البريطانية بترحيل حوالي 30 ألفًا، معظمهم من أصل صيني، إلى البر الرئيسي للصين.

وتزامن استقلال ماليزيا مع تحرر اليمن من الإمامة والاستعمار البريطاني، فيما يبقى الاختلاف في من حكموا الدولتين، فقد استطاع رؤساء وزراء ماليزيا إحداث نقلة نوعية أسهمت بحل معضلة ماليزيا عبر خطوات تأسيسية استهدفت البنية التحتية وتمكين الشباب والسكان غير المتعلمين، وأسهم مهاتير محمد، رئيس الوزراء الماليزي، بإرساء منهجية الحداثة بشكل جعل ماليزيا نموذجًا ملهمًا للعالم.

بينما في اليمن حدث العكس، فالنظام السابق لعلي عبدالله صالح، الذي حكم اليمن مدة 33 عامًا، لم يقدم بناء محكمًا للشعب اليمني وللاقتصاد اليمني، بل أسهم في بقاء الشعب تحت خط الفقر والجهل، ما جعل من السهل اختراق الدولة اليمنية في انقلاب 2014م من قبل الحوثيين، وحسب الفلسفة السياسية “تقاس قوة الدول بمدى قوة اقتصادها ورفاهية شعبها”، لذا فإن البنية التحتية الهشة للدولة اليمنية، وعدم تمكين المواطنين اقتصاديًا وعلميًا، جعل من اليمن دولة من السهل إحداث أية فوضى بين شعبها.

الديانات في ماليزيا

كانت ماليزيا قديمًا واحدة من أهم الدول التي تعتبر محطة لتجار الحرير والتوابل والذهب والفلفل والقصدير، الأمر الذي جعل التجار يتوافدون إليها من جميع أنحاء العالم، في مطلع القرن الرابع، كان معظم السكان يمارسون الديانة البوذية والهندوسية نتيجة للتأثر بتجار الهنود، وكانت تسيطر عليها الكثير من الممالك المحلية الصغيرة، وفي حلول القرن السابع الميلادي، سيطرت مملكة سريفيجايا على أهم المضائق البحرية لماليزيا، وهما مضيق مالاكا ومضيق سوندا، كانت المضائق منفذًا للبضائع التي تمر بين الصين والهند والجزيرة العربية وأجزاء أخرى من العالم.

سقطت سريفيجانا بيد الغزاة عام 1288م، وفي 1402م تأسست “سلطنة ملقا”، كأول دولة قوية في ماليزيا الحديثة، على يد سليل العائلة المالكة لسريفيجايا، باراميسوارا، وقد تحول باراميسوارا من الهندوسية إلى الإسلام، وطبق الدين الإسلامي في سلطنة ملقا بأكملها، وفي 1511م، استولى البرتغاليون على “ملقا” لتستمر ماليزيا كمحطة إغراء دائم للغزاة.

بعد أن سيطر البرتغاليون على ملقا، فر الحكام المحليون إلى الجنوب، وأسسوا عاصمة جديدة في جوهر لاما، في الشمال كانت هناك سلطنة آتشيه، وقد اتحدت مع جوهر لإعانة البرتغاليين على السيطرة على جزيرة الملايو، وأدخل البرتغاليون معهم المذهب الكاثوليكي.

في 1641م، انتشرت المسيحية على المذهب البروتستانتية على يد الهولنديين، كما تحالفت سلطنة جوهر مع شركة الهند الشرقية الهولندية لطرد البرتغاليين من ملقا، لتحويل التجارة من مدينة ملقا إلى منافذها الخاصة، وفي 1824م منحت المعاهدة الإنجلوهولندية، شركة الهند الشرقية البريطانية، سيطرة اقتصادية على ماليزيا، وتمت السيطرة المباشرة عام 1857م، لتصبح ماليزيا في التاريخ من أهم الدول التي تحوي جميع المذاهب والديانات، وتتنوع الأجناس البشرية في ماليزيا، وتختلف في عقائدها وعاداتها وتقاليدها، ويشكل نحو 55٪ من السكان الأصليين الذين يطلق عليهم الملايو، وتمنح الحكومة الأولوية لهم، كما يذكر التاريخ أن “الحضارمة” اليمنيين من الجنسيات العربية التي اختلطت مع شعب الملايو، وقد كان اليمنيون أول من أدخلوا الإسلام إلى ماليزيا، يأتي بعدهم الصينيون الذين يشكلون نسبة 33٪ من السكان، وتشكل الجنسيات الأخرى نحو 12٪ من إجمالي عدد السكان، ويعتبر الإسلام هو الدين الرسمي لماليزيا.

الأهمية الجغرافية لماليزيا واليمن

تقع ماليزيا في جنوب شرق آسيا، وتمتاز بموقع استراتيجي مطل على الطرق البحرية، جعلها نقطة التقاء للتجار الصينيين والهنود والعرب والكثير من تجار العالم الذين تمركزوا في ماليزيا، وأثروا في ثقافتها، وقد دفعت ماليزيا ثمن جغرافيتها المتميزة بتاريخ عريق من الاحتلالات التي مزقت كيانها ووحدتها، وجعلتها محطة مغرية للأطماع الأجنبية.

تنقسم ماليزيا إلى 13 ولاية وثلاثة أقاليم اتحادية، وتنقسم أراضيها إلى قسمين، ماليزيا الغربية، وتسمى الملايو، وتمتد بين المحيط الهندي غربًا وبحر الصين شرقًا، وتقسم إلى 11 إقليمًا وولايتين فيدراليتين، أما ماليزيا الشرقية فتمثل الجزء الشمالي من جزيرة بورنيو، وتشكل ولايتي صباح وسرواك، وتنقسم إلى إقليمين وولاية واحدة.

تحد ماليزيا تايلاند من الشمال، وإندونيسيا وسنغافورة من الجنوب، عاصمتها كوالالمبور، ومساحتها 329.75كم2،

وتتشابه ماليزيا مع اليمن في أهمية موقعها الاستراتيجي، حيث تطل الأولى على مضيق ملقا، وهو المضيق الذي تمر عبره السفن التجارية، ويعتبر واحدًا من أهم الممرات البحرية الرئيسية في العالم، بينما تطل اليمن على مضيق باب المندب، وهو ثالث أهم مضيق بحري في العالم، وتمر عبره السفن التجارية الواصلة ما بين الشرق والغرب، ما زاد أهميته الاستراتيجية التي جعلت اليمن ساحة للصراع المحلي والإقليمي والدولي على مر التاريخ.

نشأة وجذور الاستعمار البريطاني

بدأ التاريخ الماليزي في أواخر القرن الرابع عشر، عند حقبة جديدة لسلطنة ملقا التي كونت سوقًا تجاريًا كبيرًا ومزدهرًا، أوصل التجار الأوروبيين إلى مضيق ملقا، وفي 1601م، وصلت أولى الحملات البريطانية بعد وصول الهولنديين بقليل، حينها كان الهولنديون أكبر القوات في المنطقة، ما جعل بريطانيا تنسحب.

في القرن الثامن عشر الميلادي، قامت شركة الهند الشرقية البريطانية بالسيطرة على معظم مناطق الهند والمحيط الهندي، وأخذ النفوذ التجاري في أرخبيل الملايو يزداد قوة حتى احتل البريطانيون سنغافورة عام 1819م، وبالتزامن مع إخفاق هولندا، سعى البريطانيون لتشكيل خطاهم في ماليزيا، وأصبحت بريطانيا القوة الكبرى في المنطقة، بعدها اعتمدوا تقديم حوافز للهولنديين بدلًا من استخدام القوة، ليتمكنوا من السيطرة على ملقا، وبعد التوقيع على المعاهدة البريطانية الهولندية، عام 1824م، قسمت أرخبيل الملايو إلى قسمين، حيث تولى البريطانيون القسم الشمالي، بينما تولى الهولنديون جنوبه.

استعمرت بريطانيا ماليزيا عام 1824م، وأثناء مرحلة الاستعمار، كانت ماليزيا مقسمة إلى مستعمرات يحكم كل منها سلطان له مستشار بريطاني يتبع عمليًا السلطات البريطانية، وقد لعبت بريطانيا على سياسة ممنهجة استغلت بها منافذ ماليزيا الاقتصادية، مع السماح بالحكم الفردي لسلاطين المناطق، كصورة ظاهرية فقط.

كان الاقتصاد هو رغبة بريطانيا، وبالتالي لم تسعَ لمصادرة السلاطين حكم مناطقهم، بل جعلتهم مجرد ديكور ودمى تحركهم حسب رغبتها كي تضمن سكوت الشعب وولاءه، بدأ النفوذ البريطاني يمتد في كافة ولايات ماليزيا، ووقعوا معاهدات مع السلاطين المحليين، ليبقوا الأمور تحت سيطرتهم، بعد فترة لقيت السلطات البريطانية معارضات من الطبقات الحاكمة لولايات ماليزيا، عارضوا السيطرة السياسة التي تسعى لها بريطانيا، وحدثت اضطرابات كثيرة في ولاية بيراق، واغتيل أول مستشار بريطاني عام 1875م، وارتفعت نسبة مجاعة شعب ماليزيا بسبب الاضطرابات واحتكار الاقتصاد بأيدي البريطانيين، وبحلول عام 1894م، تمكن البريطانيون من إخماد الاضطرابات، وفرضت القوانين البريطانية ضرائب على مالكي الأرض تزيد حسب مقدار منتجاتها، حدثت معارضات وانتفاضات ضد بريطانيا عام 1915م في ولاية كلنتان.

مقاومة القوات البريطانية

انطلقت مقاومات كثيرة ضد البريطانيين، ولكنها ووجهت بالقمع، وفي بداية القرن العشرين انتعشت تجارة المطاط، كما كان التطور التقني أكثر بروزًا، ما شجع الكثير للسفر إلى ماليزيا بحثًا عن فرص عمل.

تأثرت ماليزيا بالحركات السياسية، لذلك قام المصلحون الثوريون بحركات تصحيحية، ما شكل تهديدًا على الجيش البريطاني، وتصاعدت الحركات في سنغافورة والهند والصين، وتشكل على إثرها الحزب الشيوعي عام 1930م، بعد محاولة بريطانيا جعل الإدارة لامركزية في ماليزيا، نشب اختلاف حول نظرية اللامركزية، ما أدى إلى القتال بين المواطنين، وأسس الملايويون تنظيمات سياسية في العاصمة كوالالمبور، عام 1939م، بهدف طرد الاستعمار البريطاني، وبدأت اليابان في غزو ماليزيا عام 1941م، وبعد سيطرة القوات اليابانية على الأراضي الماليزية، انسحبت القوات البريطانية.

الغزو الياباني عثرة أخرى في ماليزيا

أثناء مرحلة الاستعمار البريطاني، غزت اليابان ماليزيا، كانت تلك الحرب ضمن حرب المحيط الهادئ التي شنت هجماتها الأولية على الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ، تلت تلك الهجمات الاستيلاء على الفيليبين، وقطع خطوط الاتصال الأمريكية، تطلبت الخطة الجنوبية لليابان الهجوم أيضًا على الملايو، الأمر الذي وسع فجوة الصراعات، وزاد من حدة التمزق الذي كان أثره بالغًا على شعب الملايو.

بدأ الاحتلال بنشوب معركة دموية بين اليابانيين والهنود التابعيين لبريطانيا، في ليل 8 ديسمبر 1941م، انتصر اليابانيون في هذه المعركة، ووصف المؤرخون المعركة بأنها معركة وحشية، كانت ضمن بدايات حرب المحيط الهادئ، في الصباح انتشر الجيش الياباني ليسيطر على مطارات مدن الملايو، في الشهر ذاته سقطت عدة ولايات في أيادي اليابانيين.

استمر اليابانيون في التقدم، وواجهوا مقاومة عنيفة من قبل البريطانيين، أسفر عنها معركة “كامبار” التي استمرت ثلاثة أيام، قبل أن يجبر البريطانيين على الانسحاب مرة أخرى، واستمر تقدم الجيش الياباني وانسحاب بريطانيا حتى 31 يناير 1942م، حينها سقطت ملايو بالكامل بأيدي اليابانيين، ودخل شعب الملايو مرحلة جديدة من الاحتلال أدت إلى نقل ولايات شمال الملايو إلى تايلاند، ووضعهم تحت السيطرة التايلاندية، ونقل جيش ملايو، كما ترأس المدنيون اليابانيون والتايلانديون الخدمة المدنية والشرطة في الملايو أثناء الاحتلال، بقيت الكثير من القواعد المشابهة للإدارة البريطانية مع تعيين العديد من الموظفين، أما السلاطين الذين يحكمون ولايات ماليزيا، فقد سمحت لهم الإدارة اليابانية في البداية بالمكوث كحكام اسميين، مع تسرب نوايا بإقصائهم بشكل كامل في نهاية المطاف.

فقد شعب الملايو الأصليون أملهم في التحرير بعد تاريخ طويل من الحروب، ولكن الاحتلال الياباني الذي استمر حتى عام 1945م، كان له أثر إيجابي في نفوس الماليزيين، حيث أشعل فيهم الروح الوطنية، وعزز لديهم الانتماء القومي، وبعد دحر اليابانيين من ماليزيا، حاولت بريطانيا أن تعود للسيطرة، لكنها واجهت عقبات كثيرة أخفقت بها، حيث كان شعب الملايو قد أنشأوا “منظمة اتحاد الملايو الوطنية”، لأجل تحرير الملايو من البريطانيين.

بعد انسحاب اليابان، في 1945م، دخلت ماليزيا في اضطرابات اقتصادية، حاول الحزب الشيوعي استغلال الوضع في محاولة الاستيلاء على السلطة بالوسائل الدستورية، وذلك للدور الذي قام به في دحر اليابان، لتعاصر ماليزيا موجة جديدة من الحروب، وهي الحرب الأهلية، حيث قام الشيوعيون بمهاجمة المناجم ومصانع المطاط التي يعمل بها المجموعات الشعبية الفقيرة، وأرادوا بهذا إرغام الشعب على الإضراب والوقوف ضد البريطانيين، كي تتفرغ السلطة، وفي 1948م، أعلنت الحكومة حالة طوارئ في ملايو البريطانية، بعد أن بدأت عصابات جيش التحرير الوطني الملايوي التابعة للحزب الشيوعي، بقتل عمال المزارع، ومهاجمة القرى المرتبطة بصناعة مزارع المطاط بعنف ووحشية أدت إلى خسائر بشرية ومادية.

إقرأ أيضاً  عن "فاطمة مثنى" وطموحها الفني

وردًا على جيش التحرير الوطني، أطلقت حكومة بريطانيا الاستعمارية سلسلة من الهجمات العسكرية المضادة، وأقيمت قوات طوعية إضافية لحماية المدن والمزارع، وقدم برنامج إصلاح أرض لمنح المستوطنين الذين لا يملكون أرضًا استحقاقًا للأراضي التي بنيت منازلهم عليها، كما بنت الحكومة المحلية قرى جديدة لحماية العمال من الغارات الليلية التي يشنها جيش التحرير الوطني الملايوي.

استمر النزاع مع الشيوعين لسنين إضافية، حشدت الحكومة كافة الإمكانيات لمحاربتهم، ونقلت القوات المسلحة من العديد من الأقطار الإفريقية الخاضعة للسيادة البريطانية، كما أرسلت كل من أستراليا ونيوزيلندا مساعدات عسكرية، وفي 1954م، كان الحزب الشيوعي الملايوي جاهزًا للتفاوض من أجل السلام، وجدد الشيوعيون التمرد ضد الحكومة الماليزية عام 1967م، واستمرت المرحلة الثانية من التمرد حتى العام 1989م.

عودة بريطانيا

بعد أن تمكن الشيوعيون وجبهة المناهضة الوطنية من دحر اليابانيين عام 1945م، عادت بريطانيا متمثلة بالمندوب البريطاني، وبعد مفاوضات ورفض من حكام الولايات، استطاع المندوب البريطاني التفاوض مع ولايات الملايو وبعض المقاطعات التي يحكمها السلاطين، حيث عرض عليهم المندوب البريطاني تجميع ولايات ماليزيا تحت دولة واحدة تضمن صلاحيات واسعة لكل حكام الولايات، كما عرض عليهم امتيازات مغرية مقابل التنازل عن بعض الأمور للدولة، فقد كانت ماليزيا عبارة عن ولايات متفرقة.

استمر العمل السياسي لبريطانيا في اتحاد الملايو (ماليزيا) حتى عام 1948م، تم التوصل إلى اتفاقية أعلنوا بها اتحاد ماليزيا لكل الولايات الغربية، عدا الولايات الشرقية التي تضم صباح وسرواك حاليًا، وضعت اتفاقية اتحاد الملايو بوصفها اتفاقية لنظام المناطق التي سكنها الملايو، وضمانًا لسلطة الحكام، وتحقيقًا للمصالح البريطانية، ووفاءً بوعودها ورعايتها لأغلب الذين عملوا معها في الحقبة الاستعمارية، وتضمنت الاتفاقية تأسيس مجلس لحكام الولايات مع رئيس منتخب، ولكل ولاية مجلس تنفيذي خاص بها للتعامل مع الشؤون التي لا ترتبط بالدولة.

والعام 1954م، أعدت لجنة مشكَّلة من قبل الحكومة البريطانية لإعداد ودراسة الدستور الماليزي، استمرت مناقشة اللجنة ما يقارب ثلاث سنوات، بين حكومة بريطانيا وبين لجنة منظمة الملايو الوطنية المتحدة (حزب آمنو)، وهو الذي لايزال يحكم حتى اليوم، وبين الجمعية الصينية الماليزية (MCA) والمؤتمر الماليزي الهندي (MIC)، جرت الموافقة على غالبية مقترحات الحكام وزعماء الولايات، وتم وضع الدستور الجديد لماليزيا في 3 أغسطس 1957م، وهو العيد الوطني الذي يحتفل به الماليزيون.

التمييز العنصري في ماليزيا

تشتهر ماليزيا بالتنوع العرقي وتعدد الأجناس، نظرًا لأن تاريخها يعتبر محطة للتجار الذين قدموا من بلدان مختلفة واستوطنوا فيها، وفي مرحلة الاحتلال البريطاني، أسهم البريطانيون في نشر العنصرية العرقية، وحين استقر اقتصاد ماليزيا في أيدي البريطانيين بالتعاون مع الصين والأجانب، كانوا يصدرون القصدير والذهب من شبه جزيرة الملايو التي كانت تشكل 46٪ من اقتصاد ماليزيا.

جلبت شركة الهند الشرقية التي كان اقتصادها تحت سيطرة بريطانيا، العمال من الهند والصين وإندونيسيا، وكانوا يعملون في قطاع الأعمال بالمدن، بينما بقي سكان الملايو الأصليون في الريف، وحصرت أعمالهم في الزراعة، الأمر الذي شكل عنصرية الأقلية العاملة على الأكثرية، وهم سكان الملايو الأصليون، كانت أشكال العنصرية العرقية تعود نحو الأفضلية في التعليم وفي العمل، وكان سكان الملايو يشكلون نسبة كبيرة من الأمية التعليمية، وترتبط أعمالهم بشكل عام بالحرف البسيطة.

تتشابه ماليزيا في هذه النقطة مع اليمن في ظهور ممارسات التمييز العنصري، ومن بينها عنصرية الأقلية الهاشميين على الأكثرية سكان اليمن الأصليين، فمنذ دخلت الهاشمية الزيدية إلى اليمن قبل 1200 سنة، تبنت العنصرية كأساس لحكر السلطة في السلالة الهاشمية التي تصور نفسها أنها “سلالة إلهية” كلفها الله بالحكم. إذ يشيع الهاشميون، المتمثلون بجماعة الحوثي اليوم، لقب أسياد، ويعتبرون أنهم أسياد على الشعب اليمني، وينبغي لبقية الفئات من الشعب أن تنحني لهم.

تتفق ممارسة العنصرية التي كانت في ماليزيا مع العنصرية في اليمن بكونها جاءت عبر استيلاء جماعة قليلة على المنطقة، وممارسة العنصرية على السكان الأصليين، وتختلف بكون العنصرية العرقية في اليمن هي عنصرية مذهبية قائمة على إدعاء حق إلهي وحكم ثيوقراطي على الشعب.

مرحلة المطالبة بالاستقلال

في فترة مطالبة ماليزيا بالاستقلال من بريطانيا، كانت بريطانيا آنذاك واقعة في مأزق كبير من الناحية السياسية والأمنية في الحرب الباردة، ولذلك كانت تحتاج الأموال والقوات، وكانت ماليزيا نقطة مضيئة في قائمة حلولها، ما جعل بريطانيا توافق على منح ماليزيا الاستقلال باشتراط إقامة قواعد حربية وبحرية في محميات ماليزيا التي تحاذي المستعمرات البريطانية، وذلك منعًا لدخول الاتحاد السوفيتي والشيوعية إلى تلك المناطق.

انضمت برونيوم الشرقية المتمثلة في سرواك ومحمية صباح، ضمن اتحاد ماليزيا، كان ذلك عبر استطلاع رأي أجرته دراسات بريطانية، أكد الاستطلاع قبول غالبية شعب برونيوم الاندماج مع ماليزيا تجنبًا للزحف الشيوعي، وبسبب إنهاك البلاد اقتصاديًا وسياسيًا آنذاك، وفي 1963م، اندمجت صباح وسرواك وسنغافورة وبروناي إلى ماليزيا، ولكن بروناي انسحبت بعد أيام، وفضّلت البقاء كمحمية بريطانية.

بعد اتحاد المناطق الشرقية في ماليزيا مع المناطق الغربية، ظهرت ردود أفعال عدائية من الدول المجاورة المتمثلة بالفيليبين والصين وإندونيسيا، تباينت الأسباب عند كل دولة، ولكن استطاع رئيس الوزراء تونكو عبدالرحمن تهدئة الأمور والتفاوض مع تلك الدول بذكاء.

الفيدرالية والاستقلال في ماليزيا

منذ 1957م حتى 1963م، استطاع الماليزيون انتزاع الاستقلال من بريطانيا، وذلك بفضل جهود رئيس الوزراء تونكو عبدالرحمن، فقد اعتمد الأسلوب التدريجي في ذلك، وقد فرضت عليه بريطانيا شروطًا لأجل منح ماليزيا الاستقلال، اضطر تونكو عبدالرحمن للموافقة عليها، ومن ضمن الشروط إعطاء الجنسية الماليزية للمواطنين الذين جلبتهم للعمل من أصول صينية وهندية.

في 1959م، حدثت أول انتخابات وطنية، كانت ماليزيا حينها تعتبر دولة ذات سيادة، وعلى الرغم من أن المصالح البريطانية لم تكن قد خرجت من ماليزيا بشكل قطعي، تنافس في الانتخابات التحالف الوطني المكون من الأحزاب الثلاثة القومية، وهي: حزب آمنو، وحزب الاتحاد الصيني الماليزي ( MCA)، وحزب المؤتمر الماليزي الهندي ( MIC)، وفازوا باكتساح، وكونوا حكومة تضم القوميات الثلاث، أما ثاني انتخابات فكانت عام 1964م، وتمثلت بالتزام القيادات السياسية من رئيس الوزراء ورئيس الحزب الحاكم تونكو عبدالرحمن، بالنهج الديمقراطي.

انفصال سنغافورة

عام 1963م، انضمت سنغافورة وصباح وسرواك إلى ماليزيا، كاقتراح لإنهاء تبعات الاستعمار البريطاني، لكن الأمر لم يستمر كثيرًا بالنسبة لسنغافورة، ففي 1965م أعلن رئيس وزراء سنغافورة لي كوان يو، انفصال سنغافورة عن ماليزيا، كان الأمر محزنًا بالنسبة للكثير من الشعب الماليزي، ولسنغافورة تحديدًا، ولقي معارضة كثيرة، ولكن التوترات العرقية كانت أقوى، وذلك لأن سكان سنغافورة كانت غالبيهم من الصينيين والأجانب الذين كانوا يملكون بأيديهم كافة الخبرات الاقتصادية في قطاعات الأعمال الصناعية والتجارية، مقارنة بشعب الملايو الذي كان لايزال الأغلبية فيهم معتمدًا على مهنة الزراعة والحرف البسيطة، ونظرًا لعدم التوازن في مستوى الخبرات المهنية، بدأ شعب الملايو يشعر بخطر الصينيين والأجانب، واستشعر اتحاد القومية الماليزية الذي كان يحكم من خلال المنظمة الوطنية للملايو المتحدين (UMNO)، خطر الصينيين، إذ تبين لهم أن الأجانب الصينيين المتمثلين بحزب الاتحاد الصيني الماليزي، سيطالبون بمقاعد حكومية، وقد يؤجج هذا النزعات العرقية، ويجعلهم يستولون على اقتصاد الدولة، بخاصة أن الأجانب الصينيين بدأوا يشكلون نسبة 40٪ من عدد السكان. وبعد نشوب صراعات واضطرابات عرقية بين الصينيين وشعب الملايو الأصليين، مثلها تلك التي اندلعت في يوم المولد النبوي (21 يوليو 1964م) في كلانغ، عاصمة ولاية سلانغور الحالية وقد أسفر عنها مقتل 23 شخصًا وجرح المئات، نتيجة هجوم الصينيين والملايو على بعضهم البعض. ويرجع سبب الخلاف إلى رواية تتضمن إلقاء شخص صيني زجاجة في وسط الاحتفال الإسلامي، بينما تشير رواية أخرى إلى أن الهجوم بدأه شخص من الملايو.

في سبتمبر 1964م، حصلت اضطرابات أخرى بين الصينيين والملايو، أعقبتها فوضى عارمة ومظاهرات أدت إلى تعطل المواصلات، تفاقم الوضع في ماليزيا، وقام المتظاهرون بنهب السيارات والمحلات التجارية، ما اضطر تونكو عبدالرحمن، ولي كوان يو، للظهور علنًا لتهدئة الموقف.

استمرت الاضطرابات بين سنغافورة وشعب الملايو، واضطر تونكو عبدالرحمن إلى الإقرار بطرد سنغافورة، مقررًا أن يقطع كل الروابط مع ولاية سنغافورة التي لم تبدِ أي ولاء لماليزيا، وكذلك لتبقى الأقلية من الأجانب الصينيين في ماليزيا، مع ضمان بقاء الأكثرية لشعب الملايو، وذلك لأن سنغافورة كانت تحوي أكبر عدد من الصينيين الأجانب.

حاول رئيس ولاية سنغافورة، لي كوان يو، إقناع تونكو عبدالرحمن بالتراجع عن قراره، لكنه كان مصرًا، وفي يوم 9 أغسطس 1965م، أقر البرلمان الماليزي التشريع المطلوب الذي يقطع صلات سنغافورة بماليزيا، شكل فشل الاندماج صدمة كبيرة لرئيس وزارة سنغافورة لي كوان يو، وفي مؤتمر صحفي متلفز انهار عاطفيًا أثناء إعلانه الانفصال.

الحرب في اليمن

بدأت الحرب الأهلية في اليمن نهاية العام 2014م، بعد انقلاب الحوثيين على السلطة في صنعاء، وقبلها معركة عمران ورداع، وانتقلت معارك الحوثيين إلى محافظات تعز وعدن وشبوة والضالع ولحج.

في 25 مارس 2015م، سيطر الحوثيون على تعز والمخا ولحج ومحافظة عدن مقر الحكومة، وقاموا بقصف القصر الجمهوري في عدن، الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية، عبد ربه منصور هادي، لمغادرة البلاد فورًا، وفي اليوم نفسه، 26 مارس 2015م، انطلقت “عاصفة الحزم” بمشاركة العديد من الدول الخليجية والمساعدة اللوجستية من الولايات المتحدة الأمريكية.

توالت الأحداث، وبدأ طيران التحالف العربي بالقصف الجوي، واشتدت وتيرة الحرب في اليمن، مخلفة معها الكثير من الخسائر البشرية والمادية، بعدها استطاعت الحكومة الشرعية استعادت مدينة عدن ومحافظات لحج والضالع وأبين ومأرب، من سيطرة الحوثيين، بعد معارك طويلة تكبد تبعاتها المواطن اليمني، كما فرضت القوات الحكومية سيطرتها على مضيق باب المندب وجزيرة ميون والمخا، وتوالت الأحداث حتى تبقت محافظات صنعاء وذمار وإب والبيضاء وصعدة وريمة والمحويت وعمران وحجة وأجزاء من تعز والضالع والجوف، تحت سيطرة الحوثيين، هذا وتنال محافظة تعز النصيب الأكبر من معاناة الحرب وخسائرها، بعد أن قامت جماعة الحوثي بمحاصرتها منذ سبع سنوات، وإغلاق منافذها الرئيسية.

ويعاني الناس في اليمن من تبعات الحرب، فعلى مدى 8 سنوات يتجرع الشعب اليمني أقسى أنواع آلام الفقر والنزوح والتشرد، وخسائر طائلة من الأرواح البشرية، وانتشار الأوبئة، بالإضافة إلى المعاناة النفسية التي ألحقتها آثار الحرب على الشباب، ويتطلع الناس في اليمن إلى إحلال السلام وانتهاء الحرب.

أسهمت حرب اليمن في ظهور تجار الحروب والمستفيدين من بقاء الصراع، وأغلبهم من يمسكون بقرارات الحرب من مختلف أطراف النزاع، وهو ما يشير إلى إطالة أمد الحرب، فغياب الدولة وتشظي البلد بين أطراف كثيرة يعتبر ورقة رابحة لمن يلعبون على أطراف النزاع، وقد ظهرت ثروات لشخصيات كثيرة خلال فترة الحرب لم يكونوا يملكونها قبلًا، بالإضافة إلى تفشي ظاهرة غسيل الأموال، واختلال منظومة مكافحة غسل الأموال، وانتشار تجار المخدرات، والتهريب الجمركي والتهرب الضريبي، وانتشار تجار السوق السوداء، وغيرها من الأجهزة التي تعمل في أطر غير قانونية مستغلة استمرارية الحرب في اليمن.

الازدهار والحضارة في ماليزيا

خلال أواخر القرن العشرين، شهدت ماليزيا طفرة اقتصادية كبيرة، وأنجزت تطورا سريعا. كان لايزال تأثير بريطانيا العنصري متواجدًا على الشعب، ولذا عملت الحكومة الماليزية على خطة تمكين الملايو، وهم الماليزيون الأصليون الذين كانوا يعملون في قطاعات بسيطة، ليحلوا محل العاملين القطاعيين في الدولة، وعلى الرغم من سياسة تمكين الملايو، إلا أن الماليزيين لم يتمكنوا من الحصول على نصيب عادل، فقد كان الصينيون هم المسيطرين على القطاعات الهامة.

استمر الغضب مكتومًا حتى العام 1969م، وقعت احتجاجات تتضمن رسائل واضحة لتمكين الأغلبية من المشاركة في العوامل الاقتصادية، مما شكل ضغطًا شعبيًا على الحكومة، جعلها تعلن عما سمته السياسة الاقتصادية الجديدة، فقد كان لايزال أغلب السكان من الملايو محرومين من الاقتصاد والعائد المادي، تضمنت السياسة برامج للتمييز الإيجابي لمساعدة الفقراء، وأغلبهم من السكان الأصليين.

وكان رئيس الوزراء الماليزي ذكيًا، فقد ترك إدارة الموارد الاقتصادية التي كانت مع البريطانيين، بأيدي الأجانب، ثم عمل على إدخال الماليزيين بالتدريج لاكتساب الخبرة، لعلمه المسبق بعدم امتلاكهم الخبرات.

نصب مهاتير محمد كرئيس وزراء للدولة الماليزية، عام 1981م، وقد شكل نقطة تحول كبيرة في معضلة ماليزيا، أدرك مهاتير محمد أن المعضلة لا تكون بالنفوذ السياسي، ولكن قوة اقتصادية، ومن هنا بدأ مشواره في صناعة مجد ماليزيا، بدأ بتخفيف انتمائه للغرب، ووجد أن ماليزيا يجب أن تكون قريبة للشرق، حدد مهاتير محمد ما تسمى “رؤية 2020″، حيث بدأ أول عمله ببناء البنية التحتية، وقام ببناء الطرقات السريعة والجسور، وحول البلد إلى بلد حديث، حتى توافد إلى ماليزيا المستثمرون من بلدان العالم.

دروس ملهمة لليمن

تشبه تجربة ماليزيا اليمن من حيث الاستقلال، وتزامن ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر مع فترة تحرير ماليزيا من الاستعمار البريطاني، كما أن التمرد الذي حصل في اليمن قبل قيام الوحدة الاندماجية بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي، عام 1990م، والخلافات بين الأحزاب والكتل السياسية الذي ولد حرب صيف 1994م، يتشابه مع ماليزيا في تمرد الحزب الشيوعي الذي انتهى عام 1989م، وتوالي رؤساء وزراء ماليزيا قبل مهاتير محمد يتشابه مع اليمن.

لا يتجاوز عمر ماليزيا المستقلة 60 عامًا، وخلال هذه الفترة القصيرة استطاعت أن تواكب العالم حضاريًا، وهذا من أوجه اختلافها مع اليمن الذي بقي متراجعًا حضاريًا، ووفقًا لتقارير محلية وعالمية، فإن التراجع الحضاري وهشاشة البنية التحتية وارتفاع نسبة الفقر والأمية في اليمن، كانت سببًا جليًا لانطلاق ثورة الشباب، عام 2011م، ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وابتدأت الأزمة اليمنية في 2011م، يليها تحالف الرئيس السابق علي عبدالله صالح مع الحوثيين، في نهاية 2014م، ليدخل اليمن بعدها مرحلة انقسام مؤلمة بين الحوثيين، الحكومة الشرعية، المجلس الإنتقالي الجنوبي المنادي بانفصال جنوب اليمن وقوات طارق صالح، ابن عم الرئيس الأسبق صالح الذي يسيطر على أجزاء من محافظة تعز والحديدة على البحر الأحمر لتبقى اليمن مجزأة ما بين الأطماع الخارجية والقوى الداخلية.

أدت التغيرات الأخيرة في اليمن المعلنة عن تشكيل مجلس رئاسي يضم جميع الأطراف المتنازعة، باستثناء الحوثيين الذين رفضوا التحاور، وإعلان المبعوث الأممي هانس غروندبرغ هدنة بين الحكومة الشرعية والحوثيين، تمثلت في فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، إلى بث الأمل في قلوب اليمنيين، وتوقع للتوصل إلى حل سلمي مع الحوثيين وإنهاء الحرب في اليمن.

ارتبطت أحداث الهدنة المعلنة في اليمن مع رفع الحصار عن تعز، مقابل فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، إلا أن طرف الحوثيين لايزال رافضًا رفع الحصار، فيما تستمر المحاورات بين وفد الحكومة الشرعية والحوثيين في الأردن، من أجل ملف حصار محافظة تعز، دون التوصل لأية نتائج إيجابية ترفع المعاناة عن تعز المدينة اليمنية المحاصرة.

مقالات مشابهة