fbpx

المشاهد نت

طريقة تداوي اليمنيين فى الريف التهامي

المشاهد-خاص :

قالت العرب قديماً آخر العلاج الكي، لكن اليمنيين خصوصاً سكان المناطق الريفية, لايعترفون بهذه المقولة، والدليل أن الكثيرين يلجئون لهذه الطريقة العلاجية مرات عدة قبل اللجوء إلى الطب، وما يعكس ذلك حجم الإقبال الكبير عليها في العديد من المناطق.
ومنذ عقود, اعتاد أهالي المناطق الريفية في اليمن التداوي بهذه الطريقة التي تشفي الكثير من الأمراض بحسب اعتقادهم، خاصة في القرى النائية التي تبعد عن مراكز المديريات حيث لا توجد وحدات صحية فيها وإن وجدت فلا يوجد بها أطباء مختصون ولا أجهزة طبية.
وحتى مع تطور الطب الحديث، وانتشار المستشفيات الحكومية والأهلية في معظم المدن والقرى، مازال عددٌ كبيرٌ من الناس يذهبون لأشخاص يعالجون المرضى عن طريق الكي بالنار أو الوسم كما يطلق عليه والذين ينتشرون بكثرة في الريف التهامي.

موروث قديم

عُرف العلاج بالكي منذ آلاف السنين، فقد عرفه الإغريق، وعرفه العرب منذ أيام الجاهلية الأولى، حيث ارتبط لديهم ببعض الاعتقادات الشركية، فكان يُظن بأن العلاج بالكي يمنع البلاء قبل وقوعه، وأنه يبرئ بذاته.
وبالعودة إلى كتب الأطباء القدماء نجد أنهم ذكروا الكثير من الأمراض التي قد يفلح فيها هذا النوع من الطب الشعبي حيث يذكر كتاب الحاوي في الطب للرازي أن أجود أدوية الطحال الكي على العرق الذي في باطن الذراع الأيسر وفي علاج المفاصل قال الرازي من كان وجعه باردا فليكوي مفاصله فإن الكي أعمل في يبس المفاصل.
ويقول أبو قراط الطبيب اليوناني الأشهر, والملقب بأبي الطب: إذا كانت الأمراض لاتشفيها الأدوية , فالجراحة هي علاجها , وإذا لم تفد فيها الجراحة فالنار علاجها, وإذا لم تستطع النار علاجها , فهي غير قابلة للشفاء”
وذكر بعض مشاهير الأطباء المسلمين في مؤلفاتهم أدوات الكي واستعمالاتها في علاج العديد من الأمراض, ومن هؤلاء الأطباء الطبيب الجراح أبو القاسم الزهراوي الذي عاش مابين عامي 936م و 1013م في الأندلس , حيث وصف في كتابه “التعريف لمن عجز عن التأليف” أشكالاً متنوعة من أدوات الكي واستعمالاتها في علاج العديد من الأمراض , وهناك أيضاً الطبيب والعالم المسلم “ابن سينا” في كتابه المشهور”القانون في الطب” .
وأكثر العرب قبل الإسلام من استعمال الكي كواسطة علاجية، ولا سيما من قبل الأعراب سكان البادية، حيث تندر الأطباء والأدوية ومن المتوقع عندما تفشل الأدوية المجربة أو يفقد الدواء الناجع، أن يسعى المريض هو أو ذووه للتخلص من مرضه، وأن يتقبلوا أي وسيلة، ولو كانت مشكوكة النتائج، ولو كانت مؤلمة كالكي بالنار، ولهذا وردت الحكمة الشعبية العربية القائلة : (آخر الدواء الكي ).

أعالج حالات عجز عنها الأطباء

يقول محمد شبيط، من قرية العولة بوادي مور شمال محافظة الحديدة ومتخصص في العلاج بالكي بالنار، إنه وجد أجداده يمارسون تلك المهنة ويقصدهم المتداوون من مختلف القرى المجاورة، وورث مهنة التداوي بالكي من والده، وبالرغم من تطور مهنة الطب في هذه الآونة، إلا أن العلاج بالكي أثبت وجوده.
ويؤكد لـ”المشاهد” أنه قام بعلاج مئات الحالات التي كانت تعاني من العديد من الأمراض مثل آلام الظهر- وعرق النساء- تصلب العضلات – الصداع النصفي – التهاب الأوتار والمفاصل – أوجاع الفقرات والرأس – أمراض الكبد – ضيق النفس – الفتاق – الطحال وغيرها وعندما تتعدد الحالات ينتقل إليها بنفسه، فضلا عن الحالات الفردية التي تزوره في قريته التابعة لمديرية الزهرة بمحافظة الحديدة.
ويضيف وهو يقلب أشكالا من الأسياخ الحديدية بيديه: “أول خطوة أحدد مكان الألم ونوع المرض الذي يعاني منه الشخص فقد لا يكون بحاجة للكي، وإذا كان مرضه يستدعي ذلك أقوم بإشعال النار وأبدأ بوضع الميسم عليه وهو سيخ حديدي يوضع على النار حتى يصبح أحمر اللون من الحرارة ثم يوضع على المكان المصاب في جسم المريض.
ويستطرد بكل ثقة ” الحمد لله لم يزرني مريض إلا وبفضل من الله يكتوي ويطيب ألمه، وهنالك بعض الحالات المستعصية أحاول التشخيص الجيد للمرض والألم الذي يشعر به المريض وأعالجه بمقدار معين ويشفى باذن الله.
ويتابع بفخر: بعض الأطباء يرسلون إلي الحالات التي عجزوا عن علاجها، مشيراً إلى أن الحالات التى تزوره وترفض الكي بدافع الخوف تحاول إيجاد طرق أخرى للعلاج إلا أنها تفشل وتعود إليه مرة أخرى.

إقرأ أيضاً  التعليم الأهلي.. رواتب المعلمين ممنوعة من الرفع

رأي الشرع

نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكي بالنار (نهي كراهةً) في أكثر من موضع، وكرّه فعله في عدة أحاديث رُويت في الصحيحين، كقوله صلى الله عليه وسلم (من اكتوى او استرقى فقد برئ من التوكل)، وقوله (لم يتوكل من اكتوى واسترقى), وفي حديث عمران بن حصين أن النبي نهى عن الكي، قال فابتلينا واكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا)، وفي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب (بأنهم لا يكتون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).
يقول العلماء أن الدين لايمنع من العلاج بالكي إذا كان فيه شفاء للمريض فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشفاء في ثلاثة : شربة عسل، وشرطة محجم ، وكية نار ، وما أحب أن أكتوي) وفي لفظ آخر : (وأنهى أمتي عن الكي).
ماورد عن الرسول في استعمال الكي كان في حالات محددة، أما أغلب الأحاديث في هذا الجانب فهي تدل صراحةً على كراهية العلاج بالكي، والثناء على تاركيه، وبالتالي فالعلاج بالكي ليس له قدسية دينية، واستعمال الدين في تبرير اللجوء إليه هو استدلال في غير محله، كما أن التوسع في استعماله في عصرنا الحاضر ليس له ما يبرره علمياً.

رأي الطب

يرى الأطباء أن الكي بالنار عقوبة وليس علاجا وقد يسبب عاهة عند المريض بدلا من شفائه خاصة حيث أنه لا يقوم على أسس علمية لذا قد يسبب صدمة دماغية قد تؤدي للوفاة خصوصاً عند الأطفال.
ويقول الدكتور وائل عبدالقادر كمال اختصاصي الأمراض الجلدية والتناسلية بمستشفى الثورة بالحديدة لـ”المشاهد” أن كي المرضى بهذه الطريقة وخصوصاً الأطفال قد يؤدي الى تلوث أماكن الكي وتسممها وهذا يقود للوفاة في أحيان كثيرة.
ويضيف كمال بأن الحروق الناتجة عن الكي تسبب تشوهات دائمة بالجلد وتؤدي الى فقدان السوائل بالجلد وبالتالي الإصابة بجفاف شديد يؤدي بدوره الى صدمة دماغية وبالتالي وفاة الشخص المصاب.
وأكد بأن أضراره الصحية لا تقتصر على الألم وإحراق الجلد، بل تؤدي إلى تلف الأعصاب، والالتهابات، والتلوث، ولتلافي ذلك يستخدم الطب الحديث الكي بأجهزة دقيقة، منها استخدام الليزر وفق ضوابط خاصة وبنتائج مرضية ومن دون أن يترك أثرا.
وحذر الدكتور كمال في ختام حديثه لـ”المشاهد” المواطنين في الريف التهامي من اللجوء إلى العلاج بالكي داعياً الى الابتعاد عنه وتجنب مخاطره.

مقالات مشابهة