fbpx

المشاهد نت

شتاء صنعاء هذا العام .. البرد والفقر ثنائي بالغ القسوة صور واقعية مؤلمة

مواطن فى صنعاء يغطي جسده من البرد بالكراتين

المشاهد  – معاذ الحيدري-خاص   :

على تخوم شارع الستين الجنوبي، وفي حي السنينة، يبدو فصل الشتاء قاس على الحاج سعيد البحيري، الذي يرقد هو وستة من اطفاله في منزل شعبي، يحاصره الجوع والفقر، ويفتقد لكل وسائل العيش الكريم. ومع فصل الشتاء، اضاف البرد الشديد، معاناة جديدة، له ولأطفاله، الذين يقول انه لم يتمكن من شراء ملابس شتوية لهم هذا العام، وبالكاد يوفر لهم قليلا من الاكل قليلا من المياه، كما يقول.

كل يوم ومع غروب الشمس، واشتداد الرياح الباردة، وانخفاض درجات الحرارة، ينادي البحيري، بصوت مرتفع على زوجته لتحضر له القليل من السكر لتحضير الشاي الساخن على موقد النار لأطفاله ليعطيهم شيئاً من الدفء.

يقول لـ “المشاهد”، إن “استمرار انقطاع الكهرباء على بلادنا ومدننا جعلنا نلجأ لنيران نشعلها من الخشب والورق لتفادي موجة البرد في ظل الفقر الشديد الذي نعيشه”.

ويضيف “لا يوجد أي حل لدينا لتفادي البرد سوى موقد النار لتدفئة أطفالنا الصغار، في ظل غياب وسائل التدفئة التي تلجأ إليها الأسر الغنية، كالمدفئة الكهربائية، أو تلك التي تعمل بالغاز”.

ويتابع البحيري، وهو أحد الذين نزحوا من الحرب في تعز الى صنعاء : ” أعاني من انزلاق غضروفي في إحدى فقرات الظهر، والبرد يزيد من الالم في ظهري ولهذا أحاول البحث عن وسائل تدفئة باي طريقة وما معي الا اشعال النيران امام المنزل وأحيانا في الداخل ولا أقدر على العمل ووضع أسرتي الاقتصادي، سيء للغاية وبيتي يفتقر لأدنى مقومات الحياة، ولم أجد عملًا يتناسب مع مرضي”.

والبحيري، واحد من آلاف اليمنيين، الذين لم يجدوا أمامهم سوى “موقد النار” لإشعاله في غياب وسائل التدفئة، التي تعمل بالطاقة الكهربائية المنقطعة. بينما الاف اخرين يموتون تحت قساوة البرد والجوع والفقر.

يتعرض اليمنيون من منكوبين ومشردين وغيرهم ممن اخرجوا من ديارهم، وممن توقفت رواتبهم، لحرب واسعة النطاق، شتت شملهم وفرقت جمعهم، وعرضتهم لمحن صعبة، خلفت لهم ذكريات مرة. فارقوا ارضهم وديارهم، وقتل من اخوانهم وابنائهم الكثير؛ ومما زاد بهم من ابتلاءات، هو هذا الذي حل عليهم في فصل الشتاء هذا العام .. برد قارص لا يقيهم منه شيء، وما اسوأ اجتماع النكبات، حرب وقتل وتشريد وجوع وبرد، وبلاء واحد من هذه الابتلاءات كفيل بتنغيص حياة الانسان، فما بالك باجتماع هذه المهالك والالام.

هنا في صنعاء فاقمت درجات الحرارة المتدنية التي تجمد العظام، معاناة الالاف من السكان المعرضين لخطر الموت جوعا، بسبب الحصار الذي يفرض من زاوية، وبسبب انهيار الريال اليمني الذي وصل الى اعلا مستوياته، مقابل العملات الصعبة، ما سبب في ارتفاع الاسعار بشكل جنوني، وفي ظل انعدام الرواتب منذ أكثر من عام.

سكان الشوارع يقتلهم البرد بهذا الشكل

على ارصفة شوارع العاصمة صنعاء، ينام اطفال مشردون ونازحون ومعهم مرضى نفسانيون. وهم أكثر الناس عرضة للبرد الشديد هذه الايام. وانت تعبر في أحد تلك الشوارع في وقت متأخر من الليل او في ساعات الصباح الاولى، ستلاحظهم وسط اكياس او يحتمون بقطع كراتين او بعض قطع الاسفنج المهترئة. ومنهم من يحاول ايقاد كراتين وقليلا من الحطب في اوقات الليل المتأخر للبحث عن قليلا من الدفء والتخفيف من موجة البرد الشديدة.

يقول الناشط ابراهيم هزاع في حديثه لـ “المشاهد”: “صنعاء أصبحت بين فكي البرد والفقر، بردها قارص جدا، وسكانها منهم يعيشون بين فقر وبرد، برد يفتك بأجسادهم من الخارج وجوع يقضي على ما تبقى لهم من طاقة، ومنهم من يعيشون بين إحدى القاتلين إما برد أو فقر، وهناك الكثير من الفقراء الذين لا يستطيعون شراء ملابس شتوية لمقاومة البرد كونهم لا يستطيعون أيضا شراء ما يسير حياتهم المعيشية”.

ويضيف “شوارع صنعاء وارصفتها مليئة بالفقراء ينامون على الرصيف ويحتمون من البرد بشوالة منهم من يُقظه شعاع الصباح ومنهم لا يستيقظ أبدا (يتوفى) من شدة البرد الذي يصاحبه جوع ليقتلوا فقراء نجوا من الحرب”.

البرد أعاد إليهم عقولهم

“المشاهد” وهو يتجول في بعض شوارع العاصمة صنعاء في أوقات متفرقة للوقوف على بعض المشاهد والصور التي يمكن التقاطها او الوقوف عليها.

في احدى شوارع العاصمة وبالقرب من جامعة صنعاء، التقط لــ”المشاهد” صورة لـ أحد المرضى النفسانيين وهو يحمل بطانية على ظهره وقت ساعات الصباح. صورة تقول بان المرضى النفسانيون، جعلهم البرد في صحوة ربما، وأعاد إليهم العقول. فصاروا يحملون البطانيات وكل ما يمكن ان يقيهم من موجة البرد الشديدة ولو بشكل ضئيل في ساعات الليل الأخيرة.

وفي الاتجاه الاخر وجد “المشاهد” اشخاص اخرون ينامون بهذا الشكل، وهم يغطون جزء من أجسادهم ورؤوسهم ببعض القطع من الاسفنج والكراتين وما الى ذلك من محاولات.

إقرأ أيضاً  "أم صلاح" لم تعقها إساءات الشارع عن مواصلة بيع "اللحوح"

غياب الإمكانات

يبدو ان كل الامكانات التي كانت متوفرة لدى سكان صنعاء من قبل، وكانوا يعتمدون عليها اعتمادا اساسيا في مواجهة البرد الشديد الذي يحل عليهم كل شتاء، صارت غائبة ومكلفة جدا من ملابس شتوية من كهرباء وغار وآلات تدفئة الى الحطب، وغيرها من العوامل الاخرى المساعدة؛ فصار المواطن لا يبحث الا على لقمة عيش، وبصعوبة وهي الهم الاول والاخير الان.

تقول الناشطة بلقيس العبدلي في حديثها مع لــ”المشاهد”: “اليمن التي منذ ثلاث سنوات لم يعرف أهلها الكهرباء ولا يوجد في تراثهم العمراني ما يساعد على الوقاية من الشتاء ولو باستخدام الحطب أو الفحم وحتى هذا الأخير فقد ارتفع سعره كما ارتفعت أسعار كل مستلزمات المعيشة؛ فالمواطن الذي صار يوقر لقمة العيش بصعوبة بالغه لم تعد التدفئة من أولوياته على الإطلاق ولا يقتصر الأمر على عدم وجود مدافئ في المنازل، والمنشآت العامة بل تعداه الى عدم القدرة على توفير ملابس الشتاء، بل والى ما هو أبعد من ذلك فحتى استخدام الماء الساخن في النظافة الشخصية والاستحمام لم يعد ممكناٌ بسبب عدم توفر الكهرباء وأعرف عدد من الأسر التي عزفت عن تسخين الماء باستخدام الغاز بعد أزمة المشتقات النفطية الأخيرة  وارتفاع أسعارها كي توفره للطهو. فإذا كان الشخص السليم لا يستطيع تحمل كل تلك الظروف القاسية فكيف هو حال المرضى وكيف هو حال الأطفال والنساء والمشردين في العراء وفي القرى البعيدة وعلى رؤوس الجبال”.

امراض الشتاء ستلحق بالسكان لاسيما الأطفال

وانت تتحدث الى سكان العاصمة صنعاء، بمختلف شرائحهم، عن شتاء هذه المدينة، هذا العام، وعن المضاعفات وتفاقم الازمات التي تزامنت مع قدومه، ستجد ان كل مشكلة انتجت مشكلة، وكل ازمة انتجت ازمة، والوضع بشكل عام صار مرتبط ببعضه، فانقطاع المرتبات، وانهيار العملة المحلية، فاقمت من الفقر والجوع، وامتد الامر الى ظهور اوبئة وامراض، وصولا الى غياب بقية الخدمات الاساسية الاخرى من مياه وكهرباء وغياب الامكانات لدى الناس في مواجهة الظروف الاستثنائية والوقاية من الامراض ومن ثم الوقاية من موجة البرد التي تقبل عليهم في فترة ما من كل عام.

يقول عصام محمد، أحد سكان العاصمة صنعاء، لـ “المشاهد”: “موجة الصقيع في صنعاء هذا العام ضاعفت من متاعب السكان، خصوصا مع الازمة الاخيرة، التي غيبت المشتقات النفطية، موجة الصقيع هذه اضافت من معاناة المدنيين جراء تدهور الأوضاع المعيشية، المتردية. في بلد الثلاث سنوات من الحرب يأتي فصل الشتاء او الصيف، لينهك ما يتبقى لليمنيين من روح، فبرد صنعاء لا يختلف كثيرا عن حر الصيف الذي يعصف بمئات الأرواح في الحديدة والمناطق الساحلية كل عام”.

ويضيف “في صنعاء الى ما قبل اندلاع الحرب كان المواطنين يواجه الصقيع القارس بوسائل التدفئة والسخانات، لكن مع انقطاع التيار الكهربائي، لجأوا إلى الطاقات الشمسية، لكن وبلا شك لم تكن بمقام الكهرباء الشتاء هذا العام فاقم من معاناة المواطنين في صنعاء، فأصبحوا اليوم بلا رواتب، منتظرين أجلهم لأمراض الشتاء القاتلة لا سيما الأطفال”.

غياب المنظمات ودعوات فردية تلقى استجابة

تغيب كل الإمكانات لدى سكان صنعاء، خصوصا الفقراء، ومعها تغيب كل المنظمات التي يفترض حضورها، في مثل هكذا ظروف قاتلة، وظروف فقر وجوع وبرد.

في حديثه لـ “المشاهد” يذهب الصحفي والمهتم ببعض الجوانب الانسانية، عبد السلام الشريحي، بالقول: “يمنيين كثر لا يعرفون من الشتاء غير برده القارس وطول لياليه أيضا. الأطفال الذين كان يبكيهم الجوع قبل أقل من شهر شارك البرد إجبارهم على البكاء، المسن الذي كان يتسول اللقمة عند مخبز الحي اقترب أكثر إلى الداخل ليصله شيء من دفء الفرن ورائحة الديزل. العجوز التي تعيل أبناءها الأيتام أخرجت بقايا ثياب ممزقة حصلت عليها من فاعل خير قبل عامين”.

ووجه الشريحي، دعوة عبر صفحته على الفيس بوك، الى عامة الناس، وذلك للمشاركة والاسهام في جمع ملابس شتوية، وبطانيات، للمحتاجين والأطفال والمرضى النفسانيين الذين ينامون في الشوارع.

وقد لقت هذه الدعوة بعد يوم واحد من توجيهها، قليلا من التفاعل، حيث تم شراء 4بطانيات و15 جاكتا تم شرائهم من مركز الإيطالي بالعاصمة صنعاء، حيث يقول الشريحي، بانه سيقوم بتوزيعها هو ومجموعة من الشباب على المحتاجين والذين ينامون على ارصفة صنعاء بدون ملابس وبدون بطانيات.

ويتمنى الشريحي، التفاعل والمساهمة بشكل أكبر، في هذا الاتجاه الإنساني المنسي، خصوصا في ظل غياب المنظمات ودورها في كثير من جوانب اليمن الإنسانية.

مقالات مشابهة