fbpx

المشاهد نت

الـ”المشاهد” يرصد آثار الحرب النفسية على الأطفال في محافظة حجة

المشاهد -خاص:

لاتزال أصوات القصف الجوي تتساقط على مخيلة الطفل رعد شماحي، الناجي الوحيد من قصف طيران التحالف لسجن مدينة عبس, بمحافظة حجة, في مايو 2015م والذي قتل فيه جميع النزلاء البالغ عددهم نحو 30 شخصاً وعدد من المواطنين المجاورين للمبنى.
نجا رعد من القصف بأعجوبه لكن أشلاء نزلاء السجن وجثثهم المحترقة التي تناثرت في كل جانب جراء غارات التحالف الجوية، شكلت صدمة نفسية كبيرة في أعماقه حيث بات شبح الموت يلاحقه في أحلام نومه ويقظته.
حال رعد هو نفس الحال الذي يعصف بآلاف الأطفال في المناطق الحدودية بمحافظة حجة الذين لم يتمكنوا من الخروج حتى هذه اللحظة من دوامة الصدمة النفسية التي خلفتها مشاهد القتل والدمار على مدى ثلاثة أعوام من الحرب.

تجارب قاسية

تسببت الحرب التي دخلت عامها الثالث العديد من الاضطرابات والأمراض النفسية على الأطفال في محافظة حجة التي تشهد مديرياتها الحدودية قتالاً عنيفاً أدى الى نزوح نحو نصف مليون شخص من تلك المناطق الى مديريات أخرى في المحافظة الحدودية مع السعودية.
وتركت الحرب آثاراً كارثية على الأطفال في محافظة حجة والذين أجبروا على عيش تجارب قاسية قد تعد الأسوأ على جميع المعايير، حيث تعرض الآلاف منهم لمواقف تفوق في قسوتها أسوء الكوابيس كمشاهد القصف والنزوح الجماعي هرباً من الموت بعد اشتداد القصف على الشريط الحدودي.
وخلفت الحرب المستمرة منذ قرابة الثلاثة أعوام جيلاً كاملاً من الأطفال الذين يعانون من إضطرابات ونفسية نتيجة تعرض مناطقهم إلى القصف المستمر وتركهم منازلهم ومدارسهم بعدما أجبرتهم ويلات الحرب على النزوح حيث يجد عشرات ألوف الأطفال في محافظة حجة صعوبات في التعايش والتأقلم مع بيئة مخيمات اللجوء.
ويعاني آلاف الأطفال في محافظة حجة من آثار الحرب النفسية المتمثلة في القلق والخوف المستمر والاكتئاب الشديد إلى جانب الأعراض المرضية مثل الصداع، المغص، صعوبة في التنفس، تقيؤ، تبول لا إرادي، انعدام الشهية للطعام، قلة النوم، والكوابيس.

مشاهد الحرب

ذاكرة مليئة بمشاهد القتل والدمار يحملها آلاف الأطفال النازحين من مديريتي حرض وميدي الحدوديتان مع السعودية تركت آثارا سلبية في نفوسهم كرد فعل على مشاهد الموت التي عايشوها بعد تعرض قراهم للقصف وفرارهم الجماعي منها بعد أشهر من بداية الحرب.
يروي أبو صالح الذي يعيش في مخيم للنازحين بمديرية أسلم بمحافظة حجة بعض التفاصيل عن حالة إبنه صالح البالغ من العمر 10 أعوام والذي تعرض لصدمة نفسية جراء مشاهد القصف الذي تعرضت له قريتهم الحدودية في مديرية حرض وراح ضحيتها عدد من الأهالي بينهم أطفال.
يقول أبو صالح في حديثه لـ”المشاهد” أن إبنه لا يستطيع النوم خصوصاً عند سماع أصوات الطائرات بالإضافة إلى خوفه من الظلام والأصوات المرتفعة التي تشبه أصوت القصف والإنفجارات بالإضافة الى الحركات المفاجأة.
الطفل صالح لخص معاناته الصعبة بكلمات بسيطة لـ”المشاهد” قائلاً ” عندما أسمع صوت الطائرة أتوقف عن اللعب وأختبئ في حضن أمي فأنا أخاف أن تقصفنا بصاروخ يقتلني ويمزقني كما فعل بالكثير من أطفال قريتنا”.
صالح ومثله آلاف الأطفال النازحين من المناطق الحدودية يعانون من مشكلات نفسية وعصبية جراء الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام ويتعرضون لضغوط نفسية يرافقها حالات قلق وخوف وتوجس من أن يطالهم القصف الذي تصل أصواته الى مسامعهم رغم ابتعادهم عشرات الكيلومترات عند الشريط الحدودي.

دعم نفسي

في أجواء تعالت فيها الضحكات البريئة يلهو عشرات الأطفال ويلعبون ضمن فعاليات أنشطة نفسية تتخللها قصص وألعاب ورسومات ومسابقات ثقافية، مشهد رصده “المشاهد” لفريق مختصين تابع لمشروع المساحات الصديقة للأطفال الذي تنظمه منظمة عبس التنموية بدعم من اليونسيف.
وتندمج الطفلة سلمى (11عاما) في مساحة مدينة شفر بمديرية عبس بحجة مع الأطفال وفريق المختصين بعد أن كانت معرضة عن اللعب وتناول الطعام وتقول لـ”المشاهد”: “أنا وأختي الصغيرة نأتي كل يوم إلى هنا لنلعب ونتعلم.. أنا سعيدة هنا وأتمنى أن تنهي الحرب فلا أريد سماع أصوات الطائرات.
ويهدف المشروع الى تخفيف الضغوط النفسية وإعادة التوازن والتوافق النفسي وتزويد الاطفال ببيئة حامية يستطيعون من خلالها المشاركة انشطة منظمة وهادفة وتعطيهم الفرصة للنمو واللعب وتساعدهم على التكيف مع الوضع الجديد.
وتشمل الفعاليات جملة من الأنشطة المختلفة الموجهة للأطفال في الفئة العمرية من 6 سنوات وحتى 18 سنة منها جلسات التفريغ النفسي والترفيه والتعليم الى جانب الأنشطة الرياضية والمسابقات الثقافية والمهارات الحياتية.

إقرأ أيضاً  إجراءات غائبة لتخفيف مخاطر الفيضانات

إبداع من رحم المعاناة

يلعب الدعم النفسي الذي يقدمه برنامج المساحات الصديقة دوراً أساسياً في دعم الطفل وإعادة الطمأنينة والثقة إلى نفسه المضطربه بفعل المشاهد التي رآها والتجربة التي عاشها.
فايز طلحي 12 عاماً من مدينة عبس بمحافظة حجة, فقد بصره في القصف الذي استهدف سجن المدينة المجاور لمنزلهم, استطاع تجاوز الآثار النفسية التي سببتها تلك الحادثة وأصبح من الأطفال الموهوبين بعد التحاقه بالمساحات الصديقة.
فايز واظب على الحضور إلى مساحة عبس الصديقة بمساعدة إخوانه الصغار وتغلب على إعاقته البصرية واستطاع بعزمه وإرادته أن يتجاوز أثار الحادثة النفسية ويصبح نجماً بارعاً في التمثيل والإنشاد.
ومن أهم الأدوار المسرحية التي قدمها دور الرجل الكفيف في مسرحية أنا أعمى إذاً أنا موجود وبطولته في مسرحية أخرى بعنوان بالإرادة نتحدى الإعاقة والتي قدمها في الحفل الختامي لإنشطة المساحة الصديقة والتي حازت على إعجاب الحاضرين.
فايز ومثله العشرات من الأطفال استطاعوا عبر برامج الدعم النفسي التي تقدمها منظمة عبس التنموية إعادة بناء ما تم تدميره في نفوسهم نتيجة الحوادث التي تعرضوا لها ما سمح لهم بالعودة إلى الحياة الطبيعية بأسرع وقت ممكن وبأقل أضرار ممكنة.

انعكاسات مستقبلية

ولمناقشة تأثيرات الحرب النفسية على الأطفال التقى “المشاهد” بأخصائي نفسي يعمل في مؤسسة محلية تختص بأيواء الأطفال النازحين من المديريات الحدودية بمحافظة حجة وعلاج اضطرابات الصدمة النفسية التي يتعرضون لها جراء الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام.
وقال مراد الفقية أخصائي نفسي في حديثه لـ”المشاهد” أن أكثر نتائج الحرب مأساوية تلك التي تلحق بنفوس الأطفال الصغار وترافقهم طيلة سنين حياتهم والتي يصنفهاعلماء النفس في باب الآثار المدمرة.
وأضاف بأن كل الأعراض النفسية التي يعاني منها الأطفال النازحون من الشريط الحدودي خلال الفترة الحالية ستكون أقل قياساً بالآثار النفسية التي ستظهر خلال فترات لاحقة.
وعبر الفقية عن خشيته من امتداد الآثار النفسية التي خلفتها الحرب في اليمن على نفوس الأطفال لأعوام قادمة، مؤكداً أن آثارها السلبية قد ترافقهم طيلة حياتهم وتترك أثرها الخاص في بناء شخصياتهم.
وتابع: لا يمكن إعطاء تقدير دقيق لحجم وطبيعة الآثار النفسية للحرب على الأطفال إذ أن جميع تفاصيل الحياة أصبحت مرتبطة لديهم بالقصف والموت والدمار، وهذا يعني أن كل جزئية في حياة الطفل مرتبطة بمرض نفسي.

الطفل فائز الذى فقد بصره جراء قصف طيران التحالف على محافظة جحة

ولفت الى أهمية دور الأهل في تخفيف آثار الحرب النفسية على الأطفال عن طريق بث الاطمئنان في نفوسهم وعدم ترويعهم وتركهم يتعرضون أو يشاهدون مشاهد الحرب المؤلمة حتى لا يتفاقم أثرها السلبي داخل نفوسهم على المدين القريب والبعيد.

مقالات مشابهة