fbpx

القطاع الخاص اليمنى غنيمة للسلطة في ظل الحرب

المشاهد-نجيب بن صالح -خاص:
وجد المواطن اليمني نفسه وحيداً أمام أزمات لا يقدر على مجابهتها، فأغلب اليمنيين يعملون بالأجر اليومي في زمن السلم، ويُعدون من محدودي الدخل الذي يقتاتون عليه دون إدخار شيئاً منه، ليجدوا أنفسهم أمام صراع لا تُعرف نهايته، وفي كل يوم تتجدد الأزمات وتشتد، وفقد العاملين بالأجر اليومهم فرص دخلهم، وانضم إليهم موظفي القطاع العام الذين انقطعت رواتبهم منذ 23 شهراً، لتتضاعف المعاناة.
وفي ذلك تقول البيانات الرسمية التي حصل عليها “المشاهد” إن مليون موظف من أصل 1.2 مليون موظف لم يتسلموا رواتبهم منذ 23 شهراً، وهم الذين يقطنون المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، في حين يتسلم 200 ألف موظف حكومي رواتبهم بانتظام وهم الذين يقطنون المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية.

السلطات تتخلى عن دورها
في ظل هذه الحرب المستمرة تخلت الدولة ممثلة بسلطة الأمر الواقع في العاصمة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي عن مسؤوليتها في تقديم الخدمات وبالأخص الأساسية المرتبطة بحياة الناس، كما تُوجه الانتقادات للحكومة الشرعية بأنها لم تقم بدورها الكامل حتى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، الأمر الذي دفع بالمواطن إلى البحث عن هذه الخدمات بصورة فردية أو عن طريق القطاع الخاص الذي يوصف بأنه البديل في ظل غياب الحكومة، إلا أن هذه الخدمات مُكلفة أمام شعب فاقد لمصادر دخوله.
في ظل هذا التخلي والحرب المستعرة تفاقمت الأوضاع المعيشية والإنسانية في اليمن، حيث بلغ عدد من يحتاجون إلى العون الإنساني 22.2 مليون يمني من أصل 26 مليون نسمة وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، ويُعاني 6 أشخاص من أصل 10 أشخاص من انعدام الأمن الغذائي، ودخل اليمن في أزمة إنسانية هي الأخطر على مستوى العالم وفقاً للمنظمات الدولية المعنية.
هذه الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتردية تقول عنها دراسة حديثة للباحث عبدالمجيد البطلي إنها مقلقة للغاية، وتُشير الدراسة التي حصل “المشاهد” على نسخة منها إلى أن القطاع الخاص اليمني لعب دوراً فاعلاً في التخفيف من حدة هذه الأزمات، وتقول الدراسة: “يُساهم القطاع الخاص في اليمن بحوالي 65% من الاستثمار الإجمالي وفقاً لبيانات العام 2013، وفي قطاعات خدمية كالرعاية الصحية، حيث يُقدم القطاع الخاص أكثر من نصف الخدمات، وبدون قطاع خاص قابل للحياة، فإن العواقب الاقتصادية والإنسانية وخيمة”.

القطاع الخاص بديلا للقطاع العام
وتشير الدراسة إلى أن القطاع الخاص كان يساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، أما اليوم فقد بات اللاعب الرئيسي بعد تعثر القطاع العام، حيث كان يشغل 20 %من إجمالي السكان العاملين قبل الحرب، ويعمل في غير القطاع العام 69%، ومؤخراً أصبح القطاع الخاص ملاذاً للكثير من موظفي الدولة.
وفيما يخص الانكماش التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تقول الدراسة الصادرة نهاية يوليو 2018 إنه قُدر بحوالي 47.1% خلال الفترة 2015 – 2017، ويعود ارتفاع الانكماش والخسائر الاقتصادية في اليمن إلى ترافق أضرار الحرب مع إغلاق بعض المنافذ الجوية والبرية وتقييد حركة التجارة وتعثر إنتاج وتصدير النفط والغاز وغياب الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود، إضافة إلى انقسام مؤسسات الدولة وظهور أزمة السيولة الحادة، كما انخفضت الإيرادات العامة حوالي 60% عام 2014 مقارنة بعام 2016، وانكمشت النفقات العامة حوالي 36% عام 2016 مقارنة بعام 2014، ثم انهارت الموازنة العامة كُلياً ثم انقسمت منذ نهاية 2016.
وعن دور القطاع الخاص في تمويل الموازنة العامة تؤكد الدراسة أنه ممول رئيسي للموازنة العامة عبر ضرائب القطاع الخاص المحلي وأذون والخزانة، وإنتاج النفط والغاز عبر الشركات الأجنبية، وتتجه النفقات العامة في النهاية إلى القطاع الخاص سواءً كانت فوائد أو أجور أو مرتبات، وبالتالي فإن الموازنة محرك أساسي للقطاع الخاص، كما أن القطاع الخاص يؤثر بقوة على الموازنة العامة.

تحديات ومعوقات تقف أمام القطاع الخاص
يُعاني القطاع الخاص اليمني من أزمة المالية العامة التي انعكست عليه سلباً وفقاً لدراسة الباحث في قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية -عبدالمجيد البطلي- حيث توقف دفع المرتبات في أكثر المحافظات اليمنية، وكذلك،إعانات الرعاية الاجتماعية ومعاشات المتقاعدين، مما يؤثر على مستويات الدخل والطلب على منتجات القطاع الخاص.
كما يواجه القطاع الخاص في اليمن توقف دعم الوقود وتعطل نفقات تشغيل مرافق الخدمات العامة بما فيها المياه والكهرباء من الشبكة العامة، مما رفع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وبالتالي تدني العوائد وزيادة الأسعار.
وتُشير الدراسة إلى أن من التحديات التي انعكست سلباً على أداء القطاع الخاص تجميد مشاريع البرنامج الاستثماري العام مما أضر بقطاع المقاولات الذي أُصيب بالشلل نتيجة عدم سداد المتأخرات المستحقة لقطاع المقاولات والموردين البالغة مئات المليارات.
وفي ذات السياق فإن من التحديات التي فُرضت على القطاع الخاص تعذر سداد فوائد الدين العام المحلي مما ترك قطاع البنوك يواجه أزمة سيولة خانقة وزيادة الأعباء التي يتحملها القطاع الخاص، فضلاً عن انقسام المالية العامة وفقدان السيطرة على أدوات السياسة المالية.
وعن التطورات النقدية والمصرفية، تؤكد الدراسة أن معدل التغيير التراكمي في سعر الصرف الموازي بلغ حوالي 125.6% في أبريل 2018 مقارنة بما كان عليه في مارس 2015 بسبب محدودية موارد النقد الأجنبي ونفاد الاحتياطيات الخارجية وانقسام البنك المركزي بين صنعاء وعدن.
ارتفاع التضخم
في ظل شحة النقد الأجنبي وغياب مصادره تولدت أثاراً سلبية على الواقع المعيشي للمواطن، حيث تشهد الأسعار ارتفاعات متسارعة بما فيها أسعار السلع الغذائية الأساسية بفعل ارتفاع سعر صرف الدولار المرتبط بتوفير هذه السلع المستوردة خاصة أن اليمن يستورد ما نسبته 90% من احتياجاته وعلى رأسها الغذاء والدواء، وفي ذلك فقد قُدّر معدل التضخم التراكمي في اليمن بحوالي 59% في ديسمبر 2017 مقارنة بديسمبر 2014، وفقاً لدراسة البطلي، حيث ارتفع معدل التضخم التراكمي للغذاء والمشروبات بحوالي 38.7% في اليمن في يونيو 2017 مقارنة بديسمبر 2014، لأسباب أهمها اتفاع سعر صرف الدولار، وتقييد الواردات وزيادة رسوم التأمين على البواخر وتأخر دخولها للموانئ وتفريغها، وكذلك عوائق النقل الداخلي والازدواج الجمركي.

إقرأ أيضاً  "الجعالة".. عادة صنعانية تعجز أغلب الأسر عن شرائها

أصول البنوك خارج السيطرة
وفيما يخص واقع القطاع المصرفي اليمني تقول دراسة الباحث عبدالمجيد البطلي إن حوالي 65%من إجمالي أصول البنوك خارج السيطرة وغير متاحة للاستخدام وهي في شكل أوراق مالية حكومية (44%)، وأرصدة (ودائع واحتياطي قانوني) لدى البنك المركزي (15%)، وقروض للقطاع الخاص معرضة لخطر عدم السداد (6%)، لذلك أصبحت البنوك غير قادرة على الوفاء بطلبات عملائها في الوقت المناسب.
القطاع الخاص يُهدد بإيقاف أنشطته في ظل غياب المناخ الملائم
على الرغم من الدور للقطاع الخاص اليمني الذي تراه الدراسة بأنه كان فاعلاً في الحد من وطأة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، إلا أن القطاع الخاص ذاته يعاني من تكبد المزيد من الخسائر في ظل الحرب وغياب المناخ الاستثماري الملائم، وفي ذلك يؤكد أحد رجال الأعمال بصنعاء لـ”المشاهد” إن القطاع الخاص مهدد بإيقاف ما تبقى من أنشطته التجارية والاستثمارية بفعل الحرب وغياب الدولة، حيث يُعاني من غياب السلطة الموحدة، الأمر الذي يجعله عرضةً للابتزاز ودفع الضرائب والإتاوات بصورة غير قانونية، فضلاً عن الإزدواجية في الجمارك التي يتم دفعها مرتين إحداها في المنافد والأخرى قبل أن تدخل السوق النهائية.
ويشير المستثمر ورجل الأعمال إلى أن تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره في الحد من الكارثة الإنسانية المحدقة باليمنيين يتطلب تحييد الاقتصاد والتعامل مع القطاع بأنه شريك تنموي بدلاً من التعامل معه بمنطق الفيد والغنيمة، ويتوجب على أطراف الصراع أن تسعى إلى توفير المناخ المناسب للاستثمار وتهيئة بيئة الأعمال اليمنية بصورة تضمن بقاء القطاع الخاص اليمني كرديف وقائد تنموي من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي وإنقاذ حياة اليمنيين.

مقالات مشابهة