fbpx

المشاهد نت

اليمن : حضارة مملكة معين في العام 1000 قبل الميلاد تتعرض للعبث والنهب.

الجوف – سيف راجح سراج:
محافظة الجوف التي ظلت أقل المحافظات اليمنية تحضراً، هي ذاتها المحافظة التي بدأت منها أول بوادر الحضارة في شبه الجزيرة العربية قديماً، حيث نشأت على ترابها مملكة معين في العام 1000 قبل الميلاد، متخذة من “قرناو” بمدينة الحزم، عاصمة سياسية، ومدينة “براقش” التابعة إدارياً لمحافظة مأرب (شرق اليمن)، عاصمة تجارية لها.

لكن مواقعها التاريخية وآثارها الثمينة التي خلفتها الدولة المعينية، ظلت عرضة للنبش والنهب، خاصة بعد اندلاع الحرب الحالية التي عرضت هذه المواقع لانتهاكات هي الأسوأ في تاريخ المحافظة.
وبحسب تقرير صادر عن مكتب حقوق الإنسان بمحافظة الجوف، فإن عدد الانتهاكات التي تعرضت لها المواقع الأثرية في محافظة الجوف (شرق اليمن)، يصل إلى 83 انتهاكاً.
وتشهد أجزاء من محافظة الجوف، معارك متقطعة بين القوات الحكومية التي تسيطر على 80% من مساحة المحافظة المقدرة بـ39 ألف كيلومتر مربع، وبين مسلحي جماعة الحوثي.

مملكة معين
وتعد معين أو معن، مملكة يمنية قديمة نشأت في شمال اليمن في الألفية الأولى ق م، فتحتها مملكة حمير في القرن الأول قبل الميلاد.
وكانت عاصمتهم معين أو قرناو أو القرن والتي تقع حالياً شرق صنعاء. بقيت من آثارهم أطلال مدينة يثل الاثرية. وبيوت مسورة ونقوش وكتابات.
واعتمدت مملكة معين على التجارة وخصوصاً تجارة البهارات واللبان مع مصر وبلاد الرافدين واليونان.
وامتد حكم المعينين إلى دادان ويثرب والعلا وفدك وتيماء كما هو مدون على النقش المعيني وسيطروا على معظم طرقِ التجارة في جنوب الجزيرة العربية.
ومن أشهر المدن الأثرية المعينية في محافظة الجوف، “السوداء” التي يطلق عليها حالياً خربة السوداء بمدينة الحزم عاصمة المحافظة، التي يبلغ طول سورها القديم حوالي 1200 متر، بحسب دراسة للباحث الفرنسي كريستيان روبان، ونشرت في الموسوعة الثقافية اليمنية.
وتتكون السوداء من قواعد حجرية كبيرة لجهاز منتظم وأعمدة وعوارض مرتكزة على أعمدة، وكل قاعدة حجرية ركن لقصر قديم شيد من الخشب والطين، وفق دراسة روبان.
وتوجد الكثير من المواقع الأثرية في الجوف، مثل خربة كمناو، ويثل، ونشق، والبيضاء، وكعاب اللوذ، وخربة نيشان، وخرائب مجزر.
هذه المواقع ظلت على مدى سنوات مضت، عرضة للنبش العشوائي ونهب آثارها، من قبل سكان محليين لا يدركون القيمة المادية التي تشكلها الآثار.
وساعد في ذلك انتشار مجموعة من سماسرة الآثار العرب والأجانب واليمنيين، الذين أسهموا في دفع بعض السكان للتنقيب العشوائي عن الآثار، وقاموا بشرائها منهم بأسعار رخيصة، بحسب خبر منشور في وكالة “سبأ” للأنباء، بتاريخ 21 فبراير 2005.
وذكر الخبر، حينها، أن السلطات الأمنية ضبطت عصابة يتزعمها شخص أردني، وبحوزتها كمية كبيرة من الذهب والتماثيل والقطع الأثرية والحلي القديمة التي يعود تاريخها إلى العصور السبئية، بعد أن تم إلقاء القبض على مواطن يمني من محافظة الجوف، بتهمة التعامل بالآثار المهربة، وبيع قطع أثرية للأجانب.
ويقول مدير مكتب السياحة والآثار بمحافظة الجوف، أحمد صالح عامر، لـ”المشاهد” إن العديد من المواقع الأثرية في الجوف تعرضت للتدمير في أوقات سابقة، وتم نهب الكثير من الآثار القيمة وتهريبها إلى خارج الجمهورية اليمنية.
ويعيد عامر، سبب نهب الآثار إلى جهل الناس بأهمية المواقع الأثرية في المحافظة، وعدم توفير الحماية من الحكومات السابقة للمواقع الأثرية المهمة.

إقرأ أيضاً  المحتوى غير الهادف وسيلة حرب للوعي

مواقع أخرى استهدفت

وأتت الحرب الدائرة اليوم، على ما تبقى من التراث المادي والممتلكات الثقافية، وجعلت البلد يفقد يوماً بعد آخر، إرثه المتنوع، وتقاليده الراسخة في الحكم والممارسات الاقتصادية والثقافية، بحسب تقرير تجريف التاريخ “انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات الثقافية في اليمن”، الصادر عن منظمة مواطنة لحقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني يمنية)، في نوفمبر 2018.
ويؤكد التقرير عينه أن الأعيان الثقافية استخدمت لأغراض عسكرية، وتنفيذ أعمال عدائية منطلقها بعض الحصون التاريخية والمواقع الأثرية. ففي 16 أغسطس 2014، سيطر مقاتلو جماعة الحوثي على مدينة براقش الأثرية، واستخدموها لأغراض عسكرية بحتة. وقبل انسحابهم منها، مطلع شهر أبريل 2016، زرعوا تخوم المدينة الأثرية بالألغام.
ويؤكد أحمد البحيح، وكيل وزارة السياحة في الحكومة اليمنية، لـ”المشاهد” أن الحوثيين حولوا المواقع الأثرية إلى مناطق عسكرية، كما حدث مع مدينة براقش، التي تعرضت لقصف طيران التحالف، مستهدفة بذلك عناصر جماعة الحوثي.

ما السبيل لإنقاذ ما تبقى؟

تعمل الحكومة على وضع خطط لإعادة تأهيل المواقع الأثرية، وتوفير الحماية الأمنية بوضع كتائب من الشرطة السياحية التابعة لوزارة الداخلية، بحسب البحيح.
ويقول: “سنعمل خلال الأشهر القريبة القادمة على وضع برنامج متكامل، من خلال التعاون بين الحكومة اليمنية، ممثلة بوزارة الثقافة والسياحة، والمنظمات الدولية المختصة بالآثار والمدن الأثرية، بهدف حماية الآثار”.
طموحات البحيح تصطدم بإمكانيات مكتب السياحة في المحافظة الذي يفتقرها لممارسة الدور المنوط به في ظل عدم وجود دعم مركزي للمحافظة وشحة موارد المحافظة وإهمال الوزارة للمكتب وعدم توفير الإمكانات اللازمة له لممارسة مهامه في هذه المحافظة المنسية، وفق عامر، مؤكداً أن مكتب السياحة بالمحافظة، رفع تقريراً موثقاً بالصور لقيادة السلطة المحلية بالمحافظة بناء على الزيارات الميدانية التي قامت بها المختصين للمواقع الأثرية المنهوبة.
ويشير عامر إلى أن السلطة المحلية وعدت بتوفير الحماية الأمنية للمناطق الأثرية، ويجري التنسيق حالياً مع الجهات الأمنية لتوفير الحماية اللازمة.
يتزامن هذا الأمر مع إعداد حملات توعية عبر وسائل الإعلام المسموعة وخطباء المساجد، وحملات مماثلة لطلاب المدارس باستخدام البروشورات، بأهمية الحفاظ على الآثار والتراث، والتعاون مع الدولة في منع تهريبها والاتجار بها، كما يقول عامر.
وكشف عامر عن إقامة متحف في عاصمة المحافظة، والتواصل مع خبراء المدن التاريخية لعمل دراسة متكاملة على مدينة معين، كخطوة أولى لإعادة ترميمها وتأهيلها للسياحة الداخلية.

مقالات مشابهة