fbpx

المشاهد نت

الطفل حامد.. إعاقة ثانية وحلم بترته الحرب

تعز-محمد أمين الشرعبي

“عندما يشاهد ابني حامد إخوانه وأطفال الحي وهم يلعبون في الشارع، يشعر بالحزن لعدم مشاركتهم، كما كان يفعل قبل الحرب”. هكذا بدأ والد الطفل حامد رزاز الفقيه (31 عاماً) بسرد معاناة طفله بعد الحرب الدائرة في مدينة تعز (جنوب غربي اليمن)، منذ 4 سنوات، والتي أضافت لـ”حامد” إعاقة ثالثة ببتر ساقه اليمنى، نتيجة قذيفة سقطت في حي كلابة شرقي مدينة تعز، الذي نزحوا إليه، إلى جانب إعاقتيه الدائمتين بعدم النطق والسمع.
ويبذل حامد جهداً شاقاً عند صعوده السلم الإسمنتي المكون من 36 درجة، بساقه المبتورة، بغية الوصول إلى شقته التي يسكنها مع أسرته في الطابق الثالث من مبنى سكني في حي الروضة شرقي مدينة تعز.
وحامد واحد من ضحايا الحرب من فئة الصم والبكم، كما يقول مهدي سلطان، الأمين العام لجمعية الطموح، المختصة برعاية هذه الفئة، مؤكداً أن عدد الضحايا في

أوسط الصم والبكم وصل إلى 104 أشخاص، بينهم قتلى وجرحى، ومنهم من فقد البصر، مثل الطفل يحيي زكريا (11 عاماً)، الذي فقد نظره نتيجة حمى شوكية أصابت دماغه، ومثله أيضاً الطفلة إلهام عبدالحكيم محمد (17 عاماً)، التي فقدت نظرها بشكل كامل، وتحتاج إلى عمليات خارج اليمن، كما تؤكد تقاريرها الطبية، لكن لا سبيل لوالدها الذي يشاهدها وهي تفقد نظرها، بسبب عجزه عن فعل شيء لإنقاذها، فضلاً عن وجود ضحايا سوء تغذية، ومرضى سكري بين الصم والبكم، بحسب الأمين، مشيراً إلى أن البعض منهم وصلت حالته النفسية إلى مرحلة الجنون أيضاً.

مكالمة الفاجعة

إصابة حامد مثلت صدمة لوالده حين تلقى مكالمة هاتفية من زوجته في الساعة الـ5 عصراً في الـ16 من يوليو 2017، وهي تبكي بصوت مرتفع: “لم أفهم من كلامها شيئاً. أنهيت المكالمة، وقلبي يكاد يتوقف، وعدت مسرعاً إلى المنزل، فوجدت جيراني يتجمعون في مكان الحادثة”، كما يقول.
ويصف رزاز الصدمة بالقول: “لم أستطع الكلام. شعرت برجفان يهز جسدي، ولساني تكاد تلتصق بحلقي”. وكان حامد قد تم إسعافه إلى مستشفى الروضة الخاص، وأجريت له إسعافات أولية قبل أن ينقل إلى مستشفى الثورة الحكومي، وهناك قرر الأطباء بتر ساقه لإيقاف النزيف المتدفق بكثافة.
أثناء حديث رزاز، الذي كان يجلس بجواره أطفاله الـ6، وبينهم أحمد (16 عاماً)، الذي يعاني من إعاقتي شقيقه حامد (النطق والسمع)، أسند حامد رأسه على كتف والده، ومد ساقه المبتورة، قبل أن يشرح بلغة الإشارة التي تعلمها في مدرسته، عن واقعة إصابته، برفع يديه إلى الأعلى، محاكياً صوت الانفجار، مع تحريك رأسه بشكل أفقي، والإشارة إلى ساقه المبتورة. كان يحاول أن يصف مشهد الإصابة، فترجم والده، إشاراته إلى كلمات: “كنا نلعب جوار المنزل الذي نزحنا إليه، في حي كلابة شرقي المدينة، كنت أنا و5 من أطفال جيراني، وفجأة شعرت بالمكان يرتج، وشاهدت الدخان يتصاعد من جوارنا. سقطت على الأرض، وشعرت بشيء يمزق ساقي اليمنى، ورأيت الدم يتدفق بغزارة، ودخلت بغيبوبة، ولم أعرف بعد ذلك شيئاً مما حدث”.

وضع نفسي مخيف

يسرد والد حامد، بصوت يختلط بالوجع: “حامد أصبح أكثر عدوانية، ودائماً يهدد من يغضبه بالقتل، ويصرخ بانفعال بوجه كل من يعارضه، ويدخل بغيبوبة، من ثم يسقط على الأرض مغمياً عليه، بسبب العصبية التي يعاني منها”.
“وتعد فئة الصم والبكم الأكثر تعرضاً للأمراض النفسية في الوضع الطبيعي، فما بالك بأيام الحرب”، يقول استشاري الأمراض النفسية الدكتور طالب غشام، متابعاً: “الأصم والأبكم يفسر كل ما يدور حوله (أحياناً) أنه ضده، فهو يشعر بالنقص حيال حالته، ما يولد لديه مشاكل نفسية، فضلاً عن أن تعرضه لواقعة تسببت له ببتر ساقه، وإضافة إلى كونه لا يسمع ولا يتكلم، فإنه لا يمشي أيضاً”، مضيفاً أن هذا يخلق عنده العدائية ضد المجتمع، لشعوره أنه ضحية، وأن البيئة المحيطة به هي المسؤولة عما حصل له من بتر.
وتعني حالة انعزال وانزواء طفل بترت قدمه، بحسب مختص الأمراض النفسية غشام، أنه دخل في مرحلة الاكتئاب، والمطلوب إزاء ذلك هو مقابلة استشاري نفسي، وعمل خطة علاجية له، وقد يحتاج في الغالب إلي علاج نفسي سلوكي ومعرفي.

إقرأ أيضاً  المحتوى غير الهادف وسيلة حرب للوعي

أسئلة قلقة وأمنية لم تتحقق

تساؤلات الطفل حامد، مستمرة، عن زمن توقف الحرب، وعودة أصدقائه النازحين بسبب المواجهات المسلحة التي شهدتها مناطق المدينة والريف في محافظة تعز، وعن إمكانية عودته للعب والمشي مجدداً، كما كان قبل الحرب.
ويقول حامد بلغته الخاصة: “لم يعد هناك شيء من ذلك. فقدت الكثير من أصدقائي في الحرب، فلم تعد الدراسة كما كانت، كنا نخرج برحلات من المدرسة، وكانت الحكومة تقدم لنا الاحتياجات السمعية الطبية، والهدايا في المناسبات والأعياد”.
حتى أمنيته بأن يصبح مهندساً في المستقبل، بسبب الحرب المستمرة التي بعثرت طموحه وأحلامه، تقلصت إلى تركيب طرف صناعي تعويضي، كي يستطيع الخروج للعب، بدلاً من مراقبة إخوانه وأطفال جيرانه من النافذة عندما يلعبون في الشارع المقابل لمنزله.
وعجز والد حامد، حتى الآن، عن تركيب طرف صناعي له لأسباب مالية، كما يقول، مضيفاً بحرقة ونبرة أسى: ”كنت سأسافر بحامد للعلاج في الخارج، وتركيب طرف صناعي له من أجل أن يستطيع المشي والحركة بشكل طبيعي، لكن الظروف المالية لم تعد كما كانت من قبل، منذ أن غادرت السعودية وفقدت العمل بسبب حزمة القرارات الصادرة من وزارة العمل السعودية، وتوطين عشرات المهن، وفرض رسوم لا طاقة لي بها”.

الوجع المنسي

وتعيش فئة “الصم والبكم” وضعاً مأساوياً منسياً في مدينة تعز، بسبب الحرب التي تركت تداعياتها على اليمنيين كافة، إلا أن هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، تأثرت بالأحداث بشكل مضاعف، لأنها تعاني منها، دون تمكنها من إدراك ما يدور حولها.
ويوضح رئيس جمعية الطموح الدكتور عبدالحليم المجعشي، أن هذه الفئة فقدت المساعدات الطبية والمالية، كما فقدت التعليم المجاني، بسبب الحرب.
وتعمل مدرسة واحدة من بين 3 مدارس خاصة بالصم والبكم فقط، كما يقول المجعشي، مضيفاً أن جميعها تحتاج إلى إعادة تأهيل، خصوصاً معهد تنمية ذوي الاحتياجات الخاصة الواقع غرب المدينة، وهو معهد مختص بتأهيل المعاقين حتى يصبحوا منتجين.
هذا المعهد، وفقاً للمجعشي، مازال تحت الاستخدام العسكري من قبل أحد الألوية العسكرية التابعة للحكومة اليمنية. كما أن المعلمين المتخصصين بلغة الإشارة توقفت رواتبهم.
وبعد غياب دور الجهات الرسمية تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة منذ بداية الحرب في 2015، تقدم مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة تعز، في يناير من هذا العام، بخطة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية في الحكومة، لتفعيل المؤسسات المختصة بذوي الاحتياجات الخاصة، ومنهم الصم والبكم في تعز.
وتشمل الخطة، وفق مدير عام المكتب عبده علي: “إعادة تقديم المساعدات المختلفة التي تتبنى رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة خلال العام 2019”. لكن العبرة ليست بالخطط، وإنما بمدى تحقيق المنفعة الفعلية لهذه الفئة على أرض الواقع.

.



نقلا عن موقع “صوت انسان ”

مقالات مشابهة