fbpx

المشاهد نت

الطفل مجد.. قناص الحوثيين صار عازفاً للموسيقى


صنعاء – آية خالد:
في لحظة تمرد الطفل مجد عبدالرحمن (17 عاماً)، وغفلة أسرته، اختار البندقية. وحينما سقطت آخر رصاصة من قناصته، بعد أن أنهت حياة الكثيرين، لم يكن يعرف ما الذي حدث بالضبط، ولماذا حدث؟أصوات المواجهات، أنين المصابين، أصوات القادة، صراخ الجنود: “اقتله.. اقتله.. هات رصاص.. هات بندق يا فندم.. اقنصه فرصتك”… كل هذه مصطلحات لم يكن يعرفها ماجد، سوى بألعاب “البلايستيشن”. يومها تسلل الرعب إلى قلبه، وكان منتظراً موعده مع الموت، كما يروي لـ”المشاهد”.

قبل 3 سنوات، بدأ مجد ينصت لمحاضرات جماعة الحوثي التي تلقيها على الأطفال، كوسيلة لاستقطابهم. الأمر لم يمر عليه بسهولة، بل تعمق بفضول في فكرهم، وكتبهم، وأصبح يُفكر تماماً مثلهم، ويداوم على اللقاءات والمحاضرات يومياً، حتى دقت ساعة الصفر، وقرر أن ينضم للمجاهدين، لمحاربة من سماهم “المرتزقة، والدواعش، والعدوان السعودي”، حسب قوله.لكنه في لحظة أخرى، لحظة تفكير مغايرة لما راوده، قبل 3 أعوام، قرر ترك القتال في الجبهات، والسفر إلى مصر، في محاولة لإكمال تعليمه بعيداً عن أجواء الحرب. وتعلم عزف الموسيقي على “الجيتار”.

بدأ مجد تعلم الموسيقى في معهد أكاديمية الفنون بالعاصمة المصرية، القاهرة، بالفعل، راحت أصابعه التي اعتادت على قنص البشر، إلى الهمس على لغة الإمتاع، غير أنه مازال يعيش جو الحرب بين لحظة وأخرى. يعيش واقعاً قُذف فيه، قبل أن تنتشله يد أسرته.


كيف بدأت قصته مع البندقية؟


ذهب مجد إلى الجبهة، دون أن يخبر أحداً من أهله، كما يقول، والذي يستدرك: “ساعدتني فرصة المنحة التدريبية خارج اليمن، التي كنت حصلت عليها، وأخبرتهم أنني سأتأخر، وتركت الدورة؛ لأجل الآخرة، وبمساعدة أحد أصدقائي الحوثيين، الذي نسق لي كل شيء، تمكنت من ترتيب وضعي”، مضيفاً: “كنت مؤمناً بكل كلمة أسمعها، وكل خطوة أتقدمها نحو الموت”.

بعدها خضع مجد لتدريب بسيط في الإسعافات الأولية، على اعتبار أنهم سيأخذونه إلى مأرب كممرض لمعالجة الجرحى، وعمل الإسعافات الأولية لهم، كما أخبروه، معتبرين ذلك جهاداً في سبيل الله والوطن أيضاً.انتقل إلى صرواح شمالي شرقي العاصمة صنعاء، وهناك تم ضمه إلى فريق المستشفى الميداني، حيث الاشتباكات على أشدها.

ويروي ماجد تفاصيل أول ليلة قائلاً: “ونحن في الطريق كان ضميري يؤنبني؛ لأني سأترك مدرستي ودراستي، لكنهم وعدونا بشهادات، دون امتحانات، لكن أكثر ما كان يؤلمني أنني كذبت على أهلي”. ويضيف: “كل ما أتذكره عند وصولنا صراوح، أن هناك خياماً كثيرة وأناساً أكثر، وأغلبهم أطفال أصغر مني، بدا الوضع طبيعياً في النهار، لكن الليل لم يمر بتلك السهولة”.

ظل يومها حبيس مشاعره، غير قادر على البكاء أو الصراخ أو البوح بخوفه، أو حتى مساعدة الجرحى. ضجيج المكان لم يعتد عليه طفل اعتاد في منزله على ضوضاء إخوانه الـ6. لكن الأمر تبدل في الأيام التالية، مع التدريب العملي والذهني المكثف والمحاضرات والندوات المستمرة.

ويقول: “بقيت في عملي كمسعف لمدة 3 أشهر، بعدها دربوني فترة قصيرة على حمل السلاح، وأعطوني بندقية، وبعدها بأيام بسيطة، أعطوني قناصة، وعينوني قناصاً على المنطقة، وهذه كانت بمثابة وسام بالنسبة لي أن يتم تعييني بسرعة قناصاً، ويأتمنوني على الموقع رغم صغر سني”.

إقرأ أيضاً  "أم صلاح" لم تعقها إساءات الشارع عن مواصلة بيع "اللحوح"

مرت شهور، وطالب الإعدادية الفار مجد يعمل قناصاً، حتى جاء موعد إصابته في إحدى المعارك، إصابة بالغة أُسعف على إثرها لأحد مستشفيات مأرب، ثم نُقل إلى صنعاء.

بقي ظن مجد حتى اليوم، أن تسلمه الموقع هو من باب الثقة التي مُنحت له، ولغيره من الأطفال الذين غُرر بهم، وتم استغلال طاقاتهم وحماسهم في هذه الحرب، كما يقول.


إحصائيات


وتؤكد إحصائية أن الحوثيين قاموا بتجنيد أكثر من 23 ألف طفل، خلال الفترة من 2014 حتى نهاية العام 2018. ووثقت منظمة وثاق للحقوق والحريات (منظمة يمنية حقوقية) أن الحوثيين جندوا 2500 طفل دون سن الـ15، خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2018، وتوزيعهم على الجبهات المشتعلة، للمشاركة بشكل مباشر في العمليات القتالية، بحسب بيان صحفي صادر عنها.

وتشير المنظمة إلى أن الأطفال الذين تم تجنيدهم من محافظات “صنعاء وذمار وعمران والمحويت وحجة”، بصورة مخالفة للاتفاقيات الدولية، وقوانين حماية حقوق الطفل.

هل قنصت أحداً؟
يقاطع مجد محررة “المشاهد” بحسرة: “لا، مش كثير مرة، فقط 5 تقريباً اللي قنصتهم، بينهم 2 مدنيين، لكن كنت أحياناً وقت راحتي أنزل مع المجاهدين في المتاريس، وقتلت يمكن 3، ومرة في معركة تسلل ليلي (لمن سماهم) “المرتزقة” قتلت واحد كان سيقتل قائد من أقارب السيد عبدالملك، وواحد حاول قتلي ورفض تسليم سلاحه، فقتله”.


العودة إلى المنزل


وعلى الرغم من مغادرة مجد لأجواء الحرب، إلا أنه مايزال في شتات بعد أن نجا من الموت في عملية تسلل، بمنطقة صرواح بمحافظة مأرب (شرق البلاد)، بعد إصابته بالقدم، العام 2016، وهو العام الذي التحق فيه للقتال مع جماعة الحوثي، حينها نقل إلى أحد المستشفيات في مأرب، ثم نقل إلى صنعاء.

ويوضح: “لا أتذكر تفاصيل الإصابة، غير أنني أفقت فجأة، وطلبوا مني التوقيع على تسليم السلاح، والذي كان بعهدتي، وبعدها نقلوني لصنعاء”.

بعد إصابته، عاد مجد إلى منزله، لكنه أقنع أمه بأنه تعرض لحادث مروري، كما يقول، مضيفاً أن والدته عرفت الحقيقة بعد يومين من وصوله إلى المنزل، وأخبرت والده الذي منعه من الخروج من المنزل، أو من زيارة أحد من أصدقائه.

ويقول: “كسروا جوالي الذي كان فيه كل ذكرياتي، وصوري مع أصدقائي، بعدها حاولت كثيراً العودة إلى الجبهة، دون جدوى، فقرروا أن أسافر إلى مصر ليبعدوني عن جو الحرب، ومتابعة العلاج”.

صحيح أن مجد لم تتغير أفكاره تماماً، لكنه لا يتمنى العودة للموت، والقتل، بعد شعوره بالندم لمشاركته في إزهاق أرواح وسفك الدماء، كما يقول. ويضيف: “لم أستطع إكمال دراستي. سنين مرت وأنا في الإعدادية، جئت إلى مصر فاراً من الموت، وتنقلت بينها وبين ماليزيا، آملاً أن أستطيع إكمال دراستي، لكن نفسيتي لم تتقبل العودة للدراسة؛ ولكن أحاول، وبدأت دراسة عزف الجيتار كنوع من الدعم النفسي لذاتي لأعود للحياة وللسلام، الذي انتزع من داخلي”.

وتسرب 4.5 مليون طفل من المدارس في اليمن بسبب الحرب، بينهم ماجد، وحرم منهم 1.6 مليون طفل من الالتحاق بالمدارس خلال العامين الماضيين.

مقالات مشابهة