صقر الصنيدي…كاتب يمني اقتحم عالم الرواية في بلد اللجوء

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – فارس قاسم:

حين غادر اليمن ليستقر به المقام لاجئاً في مدينة إسطنبول التركية، قبل أكثر من 4 سنوات، في ظل ظروف حرب قاسية تفتك ببلاده، كانت تلك العوامل المجسدة للمعاناة تتضافر لتضيف موهبة وإبداعاً جديداً للصحفي اليمني صقر الصنيدي، الذي غدا كاتبا بـ”قلم من ذهب”، بحسب وصف الصحفي والروائي المخضرم حسن عبدالوارث.
بعد تخرجه من كلية الإعلام بجامعة صنعاء، عام 2007، برز الصنيدي (40 عاماً) صحفياً لامعاً في الصحافة الورقية والإلكترونية، وبرع كمعد ومقدم تقارير إخبارية في تجربة جديدة منذ عام 2015، حينما التحق بالعمل في قناة “بلقيس” الفضائية، التي انتقل معها إلى إسطنبول، بعدما اقتحم الحوثيون مكتبها في صنعاء، وصادروا معداته، وأغلقوه.
وهناك في إسطنبول، حيث يعيش بعيداً عن أسرته وطفليه، لمع الصنيدي كروائي أدهش الكثيرين بكتاباته التي امتزج حبرها بواقع مأساوي تعيشه بلاده، ومعاناة باتت ترافق حياته تبعاً لظروف اللجوء وطول أمد الحرب بكل ما خلفته من آثار مأساوية.
يسترجع الصنيدي ذكريات مغادرته اليمن نهاية فبراير 2015، بعدما أصبحت البيئة غير ملائمة لعمل الصحفيين، بفعل تضييق الحوثيين: “كنا مجموعة صغيرة من الصحفيين، غادرنا صنعاء في آخر رحلة للخطوط الجوية التركية، بعدما سيطر الحوثيون على صنعاء ومطارها”.
وأضاف لـ”المشاهد”: “أخبرناهم أننا ذاهبون للدراسة في إسطنبول، وكنا حينها نعتقد أن غربتنا لن تطول. وظل إحساسنا بالغربة يتعاظم، ولازلنا ننتظر العودة إلى أرض محررة”.
ومن بين قصص كثيرة كانت مثيرة في بلد اللجوء غير المكتملة شروطه لدى السلطات، ظلت معاناة أطفاله أكثر الأمور التي تؤرقه على مدى سنوات انحصر فيها تواصلهم معاً عبر برنامج “IMO”، كل مساء تقريباً.
وحتى يكسر روتين الحديث اليومي مع غياب الجديد المثير، عوّد صقر أطفاله على سماع قصة مثيرة وظريفة من بلد اللجوء، يحكيها لهم كل ليلة عبر الهاتف: “باتت أكثر عبارة أسمعها منهم (يا أباه ارفع صوتك القصة حلوة)”، يقول الصنيدي.
قبل أشهر لمت مدينة عدن (جنوبي اليمن) شمل الأسرة لأيام: “عندما التقيتهم نظروا نحوي، وهم متمسكون بالوقوف على الأرض، كانوا يحدقون في وجه صاحب القصص اليومية، لم يندفعوا لعناقي، فجريت أنا نحوهم، واحتضنتهم لأشجعهم على معانقة الغريب العائد من بعيد”.

إلى مدينة مختلفة

وخلال الأشهر الأخيرة بدأ الصنيدي التألق في الكتابة الأدبية، وإن كان دأب عليها منذ سنوات، ونشر خلال الأسابيع الأخيرة 7 حلقات بعنوان “من عثمان بيه إلى الشيخ عثمان”، كمقالات مختارة من رواية مكتملة كتبها في الغربة، يتجاوز عدد كلماتها 20 ألف كلمة.
في منطقة “عثمان بيه” بإسطنبول، حيث تقع القنصلية اليمنية، ينتاب الشاب اليمني إحساس من طريقة التعامل ومن الوجوه التي تتزاحم هناك، أنه في اليمن، وأنه في بداية رحلة العودة.
وإلى “حي الشيخ عثمان” بمدينة عدن، حيث التقى طفليه هناك، مطلع العام الجاري، تظهر المنطقة كأنها تختزل يمناً مصغراً، إذ يستقر في عدن مواطنون من كل المدن والمناطق اليمنية.
في سلسلة مقالاته تلك، تناول الكاتب الشاب المتغيرات التي طرأت على المدينة الساحلية (عدن)، وثقافة سكانها وطريقة تفكيرهم بعد سنوات الحرب وما خلفته من انتشار لسطوة التطرف والعنف.
كان الصنيدي يعقد مقارنة لذلك الحال بالمدينة التي كان يلوذ بها طفلاً يبيع الملابس خلال عطلته الصيفية، وكانت حينها أكثر رحابة مما هي عليه الآن.
يقول الصنيدي: “وصلت واختفيت في الفندق، صدمت لمناظر المسلحين في اليوم الأول، ثم أخذت أعتاد على البنادق تتدلى من أكتاف من كانوا أكثر اليمنيين سلاماً وكرهاً للسلاح.. بدأت أدقق في الدمار الذي مس المباني، وشوه الناس، وصلت إلى مدينة مختلفة.. كل ذلك كان دافعاً لي لأكتب مشاهدتي وحزني وحنيني”.

إقرأ أيضاً  يمنيون يسترزقون من مكب "الأزرقين" للنفايات بصنعاء

سب الصحابة كفر!

تحدث الصنيدي كثيراً عما عاشته مدينة عدن التي أقام فيها الإنجليز لأكثر من قرن وربع (انتهت بالاستقلال عام 1967)، وجلبوا كل شيء معهم، وصاروا جزءاً من المدينة: “أقاموا الكنائس، ولم يعترضوا على المعابد اليهودية والهندوسية التي كانت مصدر فخر لسكان المدينة”.
وبينما كان يقول ذلك محاولاً استرداد ماضي المدينة: “كان الحاضر واقفاً أمامنا، وعلى جدار شبه مدمر وسط كريتر، كانت تطل عبارة تقول إن سب الصحابة كفر، وما كان لكلمة كفر أن تستقل بذاتها، فلا بد أن يلحقها تهديد بموت. وكثيراً ما تنفّذ ذلك، قُتل أمجد عبدالرحمن بتهمة الردة، وبالكاد تتذكر المدينة ذلك.. يمحو الضحايا في عدن بعضهم، ويتنازل كل ضحية لمن يأتي بعده”، كتب الصنيدي.
شجعت تناقضات الماضي والحاضر، الصنيدي على كتابة روايته: “التغير الذي تحدثه الحروب على الناس، وأولهم أنا.. شعرت أن الحياة في المنفى والشتات تغير النفس، وتجعل الحافة دائماً حاضرة في الذهن. هناك إحساس دائم بالحدود، وبالمسافة التى قطعتها مبتعداً عن الديار”.
ويضيف: “كتابة القصص الصغيرة أولاً لأجل الصغار، جعلتني أتقدم لخوض نوع جديد من الكتابة، وهو ما بدأته بسرد الأحداث التي شهدتها في أول رحلة للعودة.. كنت مضطراً للعودة إلى مدينة بعيدة عن أهلي الذين أُجبروا على الانتقال عبر مناطق الحرب، لنتمكن من اللقاء في مدينة عدن المحررة من الحوثيين”.
ولطالما كتب الصنيدي عن قصص الآخرين الذين فقدوا أوطانهم، من مهاجري القرن الأفريقي إلى اليمن، ليجد نفسه اليوم يكتب عن التغيرات في الحياة التي يشهد عليها في بلده.
“إن كان هناك نجاح لما أدون، فذلك لأنه إحساس يجمعني بكثيرين، حتى بأولئك الذين لم يغادروا أوطانهم، ويشعرون أن الأوطان غادرتهم، وفقدوا الإحساس بها، وأصبحوا يشاركوننا ذات الشعور”، قال الصنيدي “للمشاهد “.

طموح

ويطمح الكاتب حالياً لإصدار روايته “من عثمان بيه إلى الشيخ عثمان”، كما يحضر عملاً آخر لم يفصح عن ماهيته.
وفي المقابل، يأمل أن تنتهي الحرب في بلاده، ويعود كل اللاجئين والنازحين لوطنهم، وتستقر الأوضاع، ويعيش الجميع في سلام.

“قلمك من ذهب”

يقول عنه الصحفي محمد عبدالمغني، الذي يقيم في تركيا: “يملك الصنيدي طريقة سردية أنيقة في إيصال الفكرة كلمة ومعنى. يطوف بك في كتاباته بشكل يشعرك أنك حاضر جسداً وروحاً في الأماكن والمواقف والمواضيع التي يكتب عنها”.
وأضاف عبدالمغني لـ”المشاهد”: “بالنسبة لي كانت سلسلة مقالاته “من عثمان بيه إلى الشيخ عثمان”، واحدة من أهم الكتابات السردية اليمنية، وصفاً للواقع الاجتماعي والسياسي في البلاد منذ بداية الحرب وتضارب المشاريع السياسية والعقائدية في البلاد منذ انقلاب جماعة الحوثي ودخولها عدن، وبعد خروجها ودخول البلاد في بؤرة الصراعات الأهلية والإقليمية”.
وفي السياق، ذاته قال الكاتب اليمني مصطفى راجح: “لم أقرأ نفساً روائياً أصيلاً في اليمن، كما في كتابات الصنيدي.. كل الروايات الطافية على السطح مع كتابها زيف إذا قورنت برهافة هذا الدفق والانسياب والتمكن والخلق”.
أما الصحفي والروائي المخضرم حسن عبدالوارث فخاطبه قائلاً: “لا تنقطع عن الكتابة.. قلمك من ذهب”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي