أسر تترقب مصير ذويها المفقودين في معركة “كتاف” بمحافظة صعدة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعز – محمد علي محروس:

فجأةً، ساد الصمت قرية “بني عامر”، في مديرية جبل حبشي (جنوبي غرب مدينة تعز)، وخيّم الليل في وضح النهار، بعد أن تسللت أخبار إلى مسامع أهاليها، تفيد بأن العشرات من أبنائهم المشاركين ضمن قوام “لواء الفتح” بمحور “كتاف” بمحافظة صعدة الحدودية مع السعودية، وقعوا في مصيدة التفاف نفذه الحوثيون على اللواء، وأن مصيراً غامضاً مازال يهيمن على حياتهم.
ومنذ عملية الالتفاف التي نفذها الحوثيون، أواخر أغسطس الماضي، والقرية تعيش حالةً من الترقب، في ظل انعدام تام لأي خبر يتناول وضع أبنائها المفقودين، والذين وصل عددهم إلى 36 مفقوداً، بحسب إحصائيات أولية.


وتعتبر مديريات جبل حبشي وصبر في مقدمة مديريات محافظة تعز (جنوبي غرب اليمن) التي فقدت عشرات من أبنائها المنتمين للواء الفتح.
ونشر ناشطون قائمة للمفقودين من أبناء تعز، وصلت إلى نحو 200 مفقود، وجلهم ينتمون إلى مديريات جبل حبشي وصبر، مع أعداد قليلة ينحدرون من مديريات أخرى من المحافظة ذاتها.

قائمة للمفقودين من أبناء تعز، وصلت إلى نحو 200 مفقود، وجلهم ينتمون إلى مديريات جبل حبشي وصبر

انتظار على وقع الألم

لكل بيت في قرية بني عامر فقيد، وكل أسرة تترقب كل يوم خبراً يفيدها بمصير فقيدها، أهو قتيل؟ أم جريح؟ أم أسير؟ ولا صوت يعلو على بكاء الأمهات اللواتي ينتظرن على أبواب منازلهن؛ علّ خبراً يحسم مصير أبنائهن.
طلعت حسن، أحد سكان القرية، له 3 مفقودين: ابن أخيه، وابن عمه، وابن عمته، ويؤكد لـ”المشاهد” أن مصير أبناء قريته غامض إلى الآن، وأنهم تواصلوا مع قيادة لواء الفتح، ولم تقدم لهم أية معلومات تُذكر، إذ يكتفون بإخبارهم بأنهم مفقودون، ولا يُعرف عنهم شيء حتى اللحظة، واصفاً المشهد بـ”الحالة المأساوية” التي تعيشها قريته، إذ يسودها ترقبٌ دائمٌ، وسط ذعر بين الأهالي وفزع ينتابهم على الدوام؛ بسبب انعدام أخبار ذويهم المفقودين.
وفي سعي منهم للضغط وتوحيد المساعي، شكّل سكّان “بني عامر” لجاناً للمتابعة، لكنها لم تحقق نجاحاً ملموساً، في ظل عدم تجاوب المعنيين في اللواء، ورفضهم الكشف عن مصير المفقودين في المعركة.
وكان لواء الفتح تعرض لالتفاف حوثي في منطقة “آل أبو جبارة” بمديرية كتاف في محافظة صعدة، بعد أن توغلت كتائب تابعة له، ليلقى مئات الجنود مصيراً غامضاً حتى ساعة كتابة التقرير، إثر فرض الحوثيون حصاراً استمر قرابة أسبوع، انتهى باستسلام الجنود، وسط انعدام لأدنى الاحتياجات العسكرية والطبية وحتى المعيشية، بحسب متابعين.

من يتحمل المسؤولية؟

في أول ردة فعل رسمية من قائد لواء الفتح، رداد الهاشمي، أرجع ما حدث إلى طبيعة المعركة، وبأنها كرٌّ وفر، وأن الهزيمة اليوم لا تعني النهاية، بل تفتح الباب للنصر غداً.
وفور انتهاء البيان الصوتي للشيخ الهاشمي، انهالت ردود الأفعال التي اتهمته بأنه ضالع بدرجة رئيسية في المجزرة التي حدثت لجنود اللواء؛ بسبب سوء التخطيط، وغياب التنسيق مع قيادة التحالف، التي لم تتدخل إلا بعد مرور 3 أيام من الحادثة.
وكانت أنباء ترددت عن انتفاضة في اللواء، قادها جنود لم يحصلوا على رواتبهم منذ 4 أشهر، قبل الوصول إلى اتفاق مع الهاشمي بصرف مرتبات 3 أشهر، أعقبه الزحف نحو منطقة آل أبو جبارة، دون تخطيط أو إعداد مسبق، وهو ما اعتبره متابعون عقاباً جماعياً بحق جنود طالبوا بالحصول على رواتبهم، محملين في الوقت ذاته قائد اللواء كامل المسؤولية عمّا حدث.


“المشاهد” استطاع الوصول لأحد الجرحى الناجين، بعد أن تعرّض الطقم الذي يستقله لهجوم مباشر، وقع مع مجموعة من زملائه جريحاً، قبل أن يستمر نزيفه ليومين متتاليين دون تدخل طبي، واستطاع زملاؤه إخراجه، عبر العربات، وإيصاله إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.
الجريح الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أكّد لـ”المشاهد”، في تصريح صوتي، أن قيادة اللواء تتعامل مع الوضع بشكل طبيعي كأنه لم يحدث شيء، وكأنهم لا يملكون قتلى ولا جرحى ولا أسرى، مؤكداً أن نحو 2000 من زملائه لا يعرفون مصيرهم، وأن اللواء برمته انتهى.

أحد الناجين فى لواء الفتح : نحو 2000 من زملائي لا يعرف مصيرهم، و اللواء انتهي برمته .

“ما حدث غير معقول”

ما حدث للواء الفتح في “كتاف”، فتح الباب أمام تساؤلات عدة، عن طبيعة المعركة هناك، وعن ماهية التخطيط العسكري، وأطر التعامل بين اللواء والحكومة الشرعية، إضافة لما يمكن اعتباره فخاً للشباب القادمين من محافظات يمنية عدة؛ لأهداف متباينة، يتصدرها المال، وآخرها العمل بمعتقد حماية بلاد الحرمين، كما عبّر بعضهم.
ويؤكد ماجد البعداني لـ”المشاهد” أنّه لا يستطيع التواصل مع أصدقائه الذين انضموا للواء الفتح؛ لأنه بمجرد وصولهم تُصادر شريحة الاتصال اليمنية، وتُستبدل بأخرى سعودية، وحين اتصل به أحدهم، حدّثه أنّه اعتلى أعلى قمّة في المنطقة؛ ليتمكن من سماع صوته، وذلك -حسب ما يراه ماجد- إجراء غير ضروري.

إقرأ أيضاً  الحرب تحرم مليوني طفل يمني من التعليم


وعبر العقيد عبدالباسط البحر، خبيرٌ عسكري، عن صدمته لعدد القتلى والجرحى والأسرى، معتبراً أن ذلك غير معقول، بخاصةٍ والألوية على ارتباط مباشر بالسعودية، والأخيرة تتبع معايير عسكرية غربية، بحيث لا يتعدّى قوام اللواء الواحد 1200 فرد.
وأشار البحر إلى أن العدد قد يصل إلى 400 فرد، وهو كارثي في كل الأحوال؛ إذ لا يمكن لمعركة عسكرية أن تكون ارتجالية، دون أن تتدخل فيها المهارات الميدانية، من استطلاع واستخبارات عسكرية، ولا يمكن اتخاذ قرار المواجهة دون اتباع الخطوات العملية وصولاً إلى قرار التحرك.
وقال: “من الأهمية بمكان تحديد عناصر الدعم والإسناد، ودراسة العدو، ومعرفة توجّه السكان المحليين، والطبيعة الجغرافية للمنطقة المراد مهاجمتها، وذلك كلّه يندرج ضمن عملية التحرك العسكري”.
وبحسب البحر، فإنّ الحرب في اليمن كما أنّها تأخذ طابع المعركة عند الهجوم، فهي كذلك عند الانسحاب، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار.
وعن الألوية العسكرية في المناطق الحدودية، قال: “هناك ألوية تم تشكيلها من القبائل المحاذية للسعودية، وارتباطها مباشر بوزارة الدفاع السعودية، وتحظى بدعم غير محدود، كذلك شأن الألوية ذات الخلفية السلفية كـ”لواء الفتح”، ذي الارتباط المباشر بقيادة القوات المشتركة ووزارة الدفاع السعودية، وله علاقة لا تتعدى كونها صورية مع القيادة العسكرية اليمنية، إضافة للألوية الخاضعة لوزارة الدفاع اليمنية.

خبير عسكري : ماحدث فى لواء الفتح غير معقول والسعودية تتبع معايير عسكرية غربية .

اتجار بالبشر

في غضون ذلك، لم يصدر بيان عن الحكومة أو عن القوات المشتركة، ليؤكد أو ينفي ما حدث، وهو ما أثار جدلاً واسعاً لدى الناشطين والإعلاميين، الذين عبّروا عن صدمتهم من هذا التعامل اللامبرر مع ما اعتبروه فاجعة بحق اليمنيين. وبرأي الكثيرين منهم، فإن ذلك لا يتعدى كونه استهانة بدماء اليمنيين، وهذا ما دأبت عليه الحرب منذ نشوبها.
وهو ما عدّه المحامي والنّاشط الحقوقي علي الصراري، اتجاراً بالبشر، يُعاقب عليه القانون، بعقوبات تصل حد الإعدام، مؤكداً أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم.
وحمّل الصراري من سمّاهم “سماسرة الحرب”، “مسؤولية الزج بالشباب في هذا المعترك تحت أوهام المبالغ المالية الطائلة، وامتيازات معينة، وذلك خارج إطار الحكومة الشرعية والمؤسسة العسكرية اليمنية”، كما يقول.
ووجّه دعوته الحكومة لضرورة محاسبة من استخفوا بدماء الضحايا في “كتاف”، وتفعيل العقوبات العسكرية بحقهم، وهو الحكم الذي يستحقه السماسرة والمستخفون بعقول الأبرياء، داعياً أهالي الضحايا لإعداد ملفّات تحتوي على بيانات ذويهم كاملةً، والبدء بتقديم دعاواهم للنيابة العامة، سواء بالقيادات العسكرية المتسببة في الجريمة، أو السماسرة الذين زجّوا بأبنائهم إلى مناطق صراع خطيرة غير معروفة لديهم، وهو ما يستوجب العقاب وسرعة البت قضائياً.

انتظار العودة

وتنتظر مئات الأسر أخبار مفقوديها الذين انقطعت أخبارهم منذ نحو أسبوعين، في ظل تكتيم وتعتيم إعلامي شديد من قبل المعنيين العسكريين في محور “كتاف”، إذ تؤكد معلومات أولية فقدان مئات الجنود، أغلبهم من محافظة تعز، وتحتل مديريات جبل حبشي وصبر صدارة المديريات من حيث عدد المفقودين من أبنائها المشاركين في جبهة كتاف بمحافظة صعدة.
هكذا تكتب الحرب تراجيديا الحياة اليمنية كل يوم، فالأسرة التي كانت تؤمّل في معيلها الوحيد العودة بما يسد رمقها حيناً من الزمن، باتت لا تريد منه سوى تأكيد أنّه على قيد الحياة، والأم المريضة بداءٍ مزمن، أجبر ابنها الشاب على المغادرة لسداد ديون أدوية أمّه، لم تعد بحاجة إلى يومٍ إضافي في الحياة؛ وابنها مجهول المصير، وتلك التي لم يودعها ابنها، تشتهي شمّ رائحته وإن كان في عداد الموتى.
هل تصوّر أحدنا أن تعبث بنا الحرب كل هذا العبث؛ حتّى إن أسراً برمّتها تعيش على وقع أسى انتظار بشير يحدد مصير فقيدها، أهو قتيل؟ أم جريح؟ أم أسير؟ لتحدد موقفها التالي؟

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي