fbpx

المشاهد نت

يغيب الكتاب في المدارس ويحضر في السوق السوداء

صنعاء – جهينة عبدالمنعم:

تختلف الصباحات الأولى في المدرسة لطفل في الـ6 من عمره، في مرحلته الابتدائية، عن غيرها، بحقيبة فارغة إلا من دفتر وقلم وقنينة ماء، متأهباً لـ12 عاماً على المحك، فمأساة التعليم ستتجلى أمامه من أسبوعه الأول. يقول محمد، في الصف الأول الذي يتلقى تعليمه في مدرسة حكومية: “لا أستطيع فهم الدروس في الفصل، ولا عندي كتب لمراجعتها في البيت، ولا أكتب واجباتي”، مضيفاً أن المعلمة تقول له: “دبر نفسك”.
ومنذ عام 2016 والكتب الشحيحة تشكل أهم العوائق التي تواجهها العملية التعليمية في اليمن، تحديداً في المناطق الشمالية التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، حيث لم تستطع أن توفر أكثر من ربع كمية الكتب المطلوبة لهذا العام.
وأثارت أزمة الكتب، مشاكل معنوية بين الطلاب بشكل غير مباشر، من خلال رفضهم مشاركة الكتاب مع زملائهم، سيما إذا وفر والدا أحد الطلاب الكتب له من خارج المدرسة.

همدان الشامي : تذهب 50% من ميزانية وزارة التربية والتعليم، للمستلزمات، للكتاب، بمبلغ مالي مقدر بـ10 مليارات ريال.

عجز في المدارس الحكومية

وتقول معلمة في إحدى مدارس العاصمة صنعاء: “الطالب منذ 3 أعوام لا ينال حقه من الكتاب نهائياً، وقد يتشارك 4 طلاب بكتاب واحد، ونحن بدورنا نقوم بالتنسيق بينهم، وما يصلنا من المطابع لا يتجاوز حتى ثلث الكمية المطلوبة”.
ويقول مدير عام المستلزمات المدرسية في وزارة التربية والتعليم، همدان الشامي، إن مشكلة الكتاب تتوقف على الإمكانيات الشحيحة لدينا، والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وعدم توفر المواد الخام بسبب الحصار الذي فُرض علينا، إضافة إلى أن وزارة المالية لم تعزز وزارة التربية بالمال كحل مبدئي، ليتسنى شراء الكتب من المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي.
وأضاف الشامي: “لم يكن بمقدورنا تلافي هذه المشكلة قبل بداية العام الدراسي 2019/2020، لعدم توفر المال”.
وتذهب 50% من ميزانية وزارة التربية والتعليم، للمستلزمات، للكتاب، بمبلغ مالي مقدر بـ10 مليارات ريال، بحسب الشامي، مؤكداً أن بحوزتهم بعض الحلول الإجرائية، لكنها على الورق، ولا يوجد من يمولها.
ومن تلك الحلول -كما يقول- أن المبالغ التي تدفعها المدارس الخاصة لشراء الكتب، أسهمت في تخفيف الضغط، ودعمت طباعة الكتاب المدرسي، “حيث اشترطنا في نهاية العام الدراسي الماضي، على المدارس الخاصة، دفع رسوم الكتب مع الكشف الخاص بالكمية المطلوبة”.


واستطاعت المدارس الخاصة توفير الكتب لطلابها، لكن بأسعار باهظة ومكلفة، إذ قد يصل سعر الكتاب الواحد إلى 900 ريال، وفق مديرة مدرسة عُلا المجد الخاصة، سهام بازرعة، التي تقول: “من جانبي، أقوم بجمع الكتب المستخدمة من طلاب مدرستي الخاصة، للمدارس الحكومية، كمساهمة لدعم حق الطالب في الحصول على الكتاب”، مضيفة أنها تشتري الكتب بمبالغ مضاعفة، وقد تم توريد المال إلى مطابع الكتاب المدرسي، في شهر يوليو، لكنها استلمت الكتب في شهر سبتمبر الماضي.
وقبل عامين، اضطرت بازرعة، لشراء الكتب من السوق السوداء، بسبب القصور الذي واجهته مطابع الكتاب المدرسي، وكان سعر الكتاب يقدر بـ400 ريال يمني، لكن بطباعة رديئة وصور غير واضحة، كما تقول.

كتب مدرسية تباع فى الأسواق

الكتب تباع في السوق السوداء

تمت طباعة 11 مليون كتاب مدرسي، 3 ملايين منها للمدارس الخاصة، و8 ملايين للمدارس الحكومية، بحسب محمد زبارة، نائب المدير العام للمؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي (وهي المطابع الوحيدة المخولة بطباعة الكتب المدرسية)، مؤكداً أنهم استطاعوا تشغيل المطابع بعد تسلمهم المال من المدارس الخاصة نظير طباعة الكتاب المدرسي. لكنه يقول إنهم لم يستطيعوا توفير سوى حوالي 10 ملايين كتاب من أصل 39 مليوناً، أي أقل من الربع، لطلاب المحافظات الشمالية.
ويصل الاحتياج للكتاب المدرسي في مدارس محافظات البلاد الـ21 محافظة، إلى 60 مليون كتاب، بحسب زبارة.
وأكد محمود المقطري، مدير الحسابات في المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي فرع عدن، أن الكتب المطلوب طباعتها لهذا العام في المحافظات الخاضعة للحكومة، تصل إلى 18 مليون كتاب، وقد تمت طباعة 80% منها.
لكن المستغرب أن كل الكتب الدراسية متوفرة بكميات كبيرة على أرصفة الشوارع في المدن اليمنية، إذ يباع الكتاب الواحد بـ400 ريال يمني، ويغيب عن الطلاب في المدارس الحكومية. لكن زبارة يقول إن المؤسسة تطبع الكتب لوزارة التربية والمدارس الخاصة فقط، ولا علاقة للمؤسسة بهذا التسريب، “وقد قمنا هذا العام بوضع ختم خاص للكتب الأهلية في الغلاف الخلفي للكتاب، حتى نتحقق من المتسبب الرئيسي لبيع الكتب في أرصفة الطريق، وبمبالغ مرتفعة”.
أسرة آلاء محمد، الطالبة في الصف الأول ثانوي، لا تملك المال لكي تشتري تلك الكتب من السوق السوداء، كما تقول، ما جعلها تفكر بالتغيب عن الحضور إلى المدرسة، متحججة بأنها مريضة، كي لا تتعرض للتوبيخ من قبل المدرسات لعدم كتابتها الواجبات التي لن تستطيع إنجازها إلا بالكتاب المدرسي.

إقرأ أيضاً  استحداثات عسكرية إمارتية جديدة بمطار الريان

لماذا توقفت “اليونيسف” عن دعم مطابع الكتاب؟

وأسهمت منظمة اليونيسف، قبل عامين، بدعم متواضع للمطابع بـ1000 طن من الورق فقط، ولكنها توقفت بعد ذلك، بسبب تقرير رفعته الحكومة في عدن إلى “يونيسف”، تقول فيه إن مطابع الكتاب في صنعاء، أجرت بعض التعديلات على المنهج الدراسي، والتي من شأنها إثارة الطائفية، مما جعل المنظمة تتوقف عن الدعم، حسب قول أحد العاملين في مطابع الكتاب بصنعاء.
وتحفظت “اليونيسف” عن الإجابة حول سبب توقفها عن دعم الكتاب المدرسي، كي لا تتصادم مع السلطة الحاكمة في صنعاء، المتمثلة بجماعة الحوثي.
وأكد أحد موظفي المؤسسة العامة لمطابع الكتاب، وجود هذه التعديلات “الطائفية”، والتي تمت إضافتها لمادتي القرآن الكريم، والتربية الإسلامية.
وقال مصدر (رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام) إن الكتاب المدرسي من الأنشطة المكلفة جداً، ويعتبره المانحون مشروعاً باهظاً.
وأشار إلى أن “اليونيسف” اجتمعت في الأردن مع المانحين، وكان الاجتماع يصب في مسألة الكتاب، واقتُرِحَ أن يتم دعم كتب المواد العلمية (علوم ورياضيات) التي لم يطرأ عليها أي تعديل، لكن المانحين رأوا أن الكتاب تكلفته باهظة، إضافة إلى أنهم يتعاملون بحذر مع المشاريع التي يدعمونها، خوفاً مما قد يحصل، فليس بإمكانهم اعتراض أي تعديل يقع في المنهج، وفي الوقت ذاته لا تود المنظمة أن تدعم مشروعاً من شأنه أن يحدث بعض المشاحنات الطائفية، وانتهى الاجتماع بالاتفاق على دعم عدة أنشطة خاصة بالتعليم، لكن بعيداً عن الكتاب.

وزارة التربية : وزارة المالية لم تمول ، لشراء الكتب، منذ بداية الحرب، لأنها تعتبر تكلفته باهظة، والأولى لديهم إنفاقها في أمور أخرى بعيدة عن نطاق التعليم.

صعوبة الحصول على الورق

لم تتسلم مطابع الكتاب أي مبالغ من وزارة التربية، منذ عام 2016 حتى الآن، بحسب زبارة، مشيراً إلى أنهم يتسلمون الرسوم من بعض المدارس الخاصة لطباعة الكتاب.
وأوضح مصدر في وزارة التربية والتعليم، أن وزارة المالية لم تمول وزارة التربية، لشراء الكتب، منذ بداية الحرب، لأنها تعتبر تكلفته باهظة، والأولى لديهم إنفاقها في أمور أخرى بعيدة عن نطاق التعليم.
وتعاني مؤسسة الكتاب من نقصٍ كبير في ورق الرول الذي تشتريه من “الجيل الجديد” و”دار الحكمة”، في حين فَرضَ الحصار عليهم بعض الصعوبات التي تمنعهم من استيراد الورق، رغم أن احتياجهم للورق يصل إلى أكثر من 16 ألف طن سنوياً، كما يقول مصدر في المؤسسة، مضيفاً أن هناك استهدافاً ممنهجاً لسير العملية التعليمية.
وأفاد مصدر مسؤول في مؤسسة الجيل الجديد (اشترط عدم ذكر اسمه) أن المؤسسة منذ عام 2014 تجنبت الخوض في مناقصات مع الدولة، لأنها لم تعد تستوفي من الدولة حقها من المبالغ المالية، وهذا ما جعل التجار ينفرون ويبتعدون عن الدخول مع الدولة في أعمال تجارية، مشيراً إلى أن هنالك بعض الصعوبات الإجرائية أثناء استيراد الورق، وقد كانت مسبقاً تستغرق عملية الاستيراد 90 يوماً على الأكثر، أما الآن فقد تتجاوز العام، ولكننا رغم هذا نستطيع استيراد آلاف الأطنان من الورق، لكن في حال وفرت الدولة القيمة المالية كاملة.

حلول مؤقتة

يعتمد المعلمون على طرق جديدة في إيصال المعلومة للطلاب، في ظل غياب الكتاب المدرسي، ومنها تلخيص الدروس، وفق ما رواه خالد طه، الطالب في الصف الثامن في مدرسة أحمد محمد شاجرة الحكومية، والذي لم يحصل على أي كتاب حتى الآن، كزملائه، باستثناء طالبين فقط لديهما كتب.
وقال: “تخبرنا المدرسة يومياً أن على الطالب الذي لا يمتلك كتاباً، أن ينتبه جيداً للسبورة، وينسخ كل شيء منها. لكن سرعان ما تدخل المعلمة التالية، وتمسح السبورة، ونحن لم ننتهِ بعد من الكتابة”.

مقالات مشابهة