fbpx

المشاهد نت

المعرفة والثقافة في مواجهة الظلام الدامس

القاهرة – محمد جازم :

“الدماء وحدها هي التي تضيء الآن، وما تبقى هراء”، من رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر.
“يتهمونني بأنني ملحد، يا هؤلاء: أنا أرى الله في الزهور، وأنتم ترونه في القبور، وهذا الفرق بيني وبينكم”.
روّج لهذه العبارة شاب اسمه عمر باطويل. كان عمره 18 عاماً، حين قتلته جماعة الإرهاب السياسي الإسلامي، في أبريل 2016م، في عدن. وقد انتشرت مقولته هذه كالنار في الهشيم. ولأنه كان يكرس أقوال الشعراء والفنانين والكتاب والموسيقيين، على حائطه في “فيسبوك”؛ أرادت له الجماعات الإسلامية هذه النهاية.. السؤال: لماذا كرهت هذه الجماعات عمر، حتى إنها عملت على سحقه من الوجود هو والكثير من أمثاله؟ لأن عمر كان يرى في الفن والأدب أداة للحياة، أداة لمقاومة الزيف والخداع والضحك على الذقون.. وهو ما يهدد بقاءهم..كان نشاطه في الحياة والإنترنت و”فيسبوك”، يقوم على تمجيد الفن، وفي سبيل ذلك جمع أصدقاءه ومحبيه، ووضع نصب عينيه الحياة الجميلة بكل تجلياتها. وحين رأى المرجفون من فئة مدعي الإسلام، قدرته على تأليب الناس، أطلقوا على رأسه رصاصة الغدر، فخرت دماؤه على إيقاع الموسيقى التي أحبها.. وهو ما يعني اغتيال العقل الجمعي الثقافي وترهيبه ليصمت. اغتيال الجزء النابض من الجسد العملاق. وأعني بجماعة الإسلام السياسي هنا الجماعات المرتهنة للخارج، وتلك التي تعمل وفق أجندة الكسب غير المشروع.

المثقف والقاص امجد عبدالرحمن


وفي واقعة أخرى مشابهة، حدثت بعد عام من الواقعة الأولى التي تخللها الكثير من القتل، اقتحم ملثمون محل إنترنت، وذبحوا بخناجرهم الشاب أمجد عبدالرحمن، ومنعوا أصدقاءه من إسعافه، ثم منعوا أهله من الصلاة عليه، ومنعوا دفنه في مقابر المسلمين، لأنه ملحد كما ادعوا.

إذا كانت الخسارة لا تقدر بثمن، فإن الخسارة المادية بلغت 5 ملايين دولار.. ومن لا يعرف مكتبة السعيد؛ كانت أهم مكتبة حديثة في الجزيرة العربية!


وبعد ذلك بشهر، وفي صالة رياضية بمدينة البريقة في عدن، تمت تصفية محمد خير عثمان، بتهمة الإلحاد أيضاً، في 3 يونيو 2017، وفي يوم الأربعاء 16 مايو 2018م، تم اغتيال عميدة كلية العلوم بعدن، الدكتورة نجاة علي مقبل (57 عاماً)، وابنها وحفيدتها، في ظروف مشابهة تستهدف المثقفين الذين يقفون ضد الفكر الظلامي.

نهب وتمدير مكتبة السعيدة الخسارة الثقافية من الحرب


أما مدينة تعز التي تم اختيارها لتكون عاصمة ثقافية للوطن، وكما أشار البرلماني والأديب عيدروس نصر ناصر، “فإنه قد قُدر لها أن تتحمل هذا القدر من العذاب والحصار والتجويع والحرمان من أبسط شروط الحياة، في حرب انتقامية ضد تعز وثقافتها وتاريخها ومدنيتها وسلميتها، وهي بذلك تخوض حرباً بالنيابة عن دعاة المدنية والتقدم والتسامح”. نعم حقاً ما قاله عيدروس، فقد بدا ذلك واضحاً حينما أقدم مسلحون متطرفون على إحراق مؤسسة السعيد الثقافية، التي كانت تشكل الهوية أو الواجهة الثقافية للمدينة.

وإذا كانت الخسارة لا تقدر بثمن، فإن الخسارة المادية بلغت 5 ملايين دولار.. ومن لا يعرف مكتبة السعيد؛ فإنني أقول له إنها كانت أهم مكتبة حديثة في الجزيرة العربية!
وفي حادثة يندى لها الضمير العالمي، اختطفت جماعة الحوثي في مدينة الصالح بتعز؛ الصحفي المثقف الأعزل أنور الركن، وعذبته، وجوعته حتى الموت. ونشرت له المواقع والصحف، صورة هي الأكثر ألماً وقلقاً على غياب الضمير الإنساني، والأكثر عمقاً في التعبير عن مدى حقد هذه الجماعة على عقل التنوير.

استهداف التنوير


وقبل أشهر، منع أحد خطباء الفتوى في مدينة تعز، واسمه عبدالله العديني، عرض فيلم “10 أيام قبل الزفة”، بقصد أن كل ما يلهي عن ذكر الله، فهو حرام، الأمر الذي أثار غضب المهتمين والمراقبين للشأن الثقافي في اليمن.
وعن هذه المدينة تعز، تشير التقارير إلى أنها تحتوي على 16 سجناً، تمتلك جماعة الإسلام السياسي منها أكثر من ثلثي السجون خارج إطار الدولة، يتم فيها إخفاء مثقفين وناشطين، هم خيرة أبناء الوطن، منهم المثقف الشهير أيوب الصالحي، الذي مر على اختفائه القسري 3 سنوات، ومنهم الناشط أكرم حميد. والانكأ من ذلك والأمرّ، أن هذه الجماعات التي تجمعها جماعة الحوثي، الكثير من القواسم المشتركة؛ حولت مدارس العلم إلى ثكنات وسجون، ما يعني أنها تستهدف بؤر التنوير.

إقرأ أيضاً  جيبوتي بوابة عبور اليمنيين إلى دول أخرى

ومنها مدرسة باكثير ومدرسة النهضة والمعهد الوطني. ولنا أن نتخيل أن يتحول الطلاب الذين رضعوا العلم في هذه المدارس، إلى مساجين فيها، فقد كانوا يذهبون إلى المدرسة، واليوم أصبحوا يُرسلون إلى نفس المكان المقدس، وقد أصبح سجناً مدنس بالأفكار الظلامية.

تجريف للثقافة


أما الشطر الشمالي من الوطن، فقد شهد تجريفاً غير مسبوق للثقافة الأصيلة والمثقفين، وتغيرت أشياء جوهرية تمس العادات والتقاليد، وتغير شكل البناء ليتوافق مع مرحلة جديدة، حتى ألوان القباب والمآذن أصبحت خضراء تحاكي جماعة بعينها في الخارج، واختفت من المشهد الثقافي في صنعاء عاصمة البلاد، الكثير من الوجوه الإبداعية؛ إما لضيق ذات اليد، وإما بالتهديد، وإما بقوة السلاح. وقد ذهب البعض إلى السجون، وذهب آخرون إلى المنافي، وهم كثر، وأغلقت 160 صحيفة ومجلة كانت تعمل بدأب، على الإغلاق، وزج بصحفييها إلى السجون، فمرض الكثير من الأدباء والفنانين.. ماتوا دون أن تمتد لهم يد العون.. ماتوا من الحزن على وطن تمزق وضاع من بين أيديهم، وأهم الذين اختفوا من الألم في سنوات الحرب، أحمد قاسم دماج، رئيس اتحاد الكتاب اليمنيين سابقاً، والدكتور القاص عبدالرحمن عبدالخالق، وعبدالله علوان، وهشام علي، والتشكيلي فؤاد الفتيح، وعبدالكافي الرحبي، وعبدالله المجاهد، وفريد بركات، والكاتب عبدالرحمن سيف إسماعيل، وآخرون ماتوا في تعز وعدن، متأثرين بالأزمة، كالفنان الكبير هاشم علي الذي مات بحمى الضنك، وبعده الشاعر محمد الفتيح، والفنان محمد محسن عطروش. وبسبب قطع الرواتب، عرض الشاعر والصحفي الكبير حسن عبدالوارث، مكتبته الشخصية للبيع، وكذلك الشاعر محمد القعود، وغيرهما.

قتل الفنانيين

ولعل من الفظائع التي سُجلت ضد جماعة الحوثي، إقدام عصابة تابعة لها، على قتل الفنان الغنائي الشهير نادر الجرادي، في عرس مشهود، وقتل الفنان معين الصبري، وبعد ذلك استهدفت هذه الجماعة كل حملة الفكر من صحافيين وكتاب وفنانين، وعملت على قتلهم بالتصفية الجسدية والقنص والتنكيل والتركيع والإخفاء القسري في سجون وزنازين مظلمة لا تليق بالحيوانات، فما البال إذا كانت منافي لقادة الرأي والفكر، مثل محمود الصبيحي، ورجب منصور، ومحمد قحطان، مثلاً!

الشاب ملاطف فنان ايقاع شعبي


ومن مثل ذلك، اقتحام الحوثيين لأحد الأعراس في مدينة رداع، للتنكل بالفنان ملاطف الحميدي، الذي كان يغني، وتم ضربه وسحله والتنكيل به وقص شعر رأسه الطويل، لأن ذلك يتنافى مع تعاليم زعيمهم الروحي عبدالملك الحوثي. مع العلم أن الحوثيين قد حسموا أمرهم في هذا الأمر، حيث إنهم اقتحموا ووضعوا مندوبين لهم في كل الجامعات والمدارس التي تعلم الذل والخضوع، ناهين بقوة السلاح عن استخدام الآلات الموسيقية والمنصات الغنائية والمسرحية للطلبة. وفي حوادث مشابهة لتنظيم “داعش” وجماعة “طالبان”، يخرج الحوثيون لمراقبة محلات بيع الثياب النسائية ومستحضرات التجميل، لمنع تعليق أية صور للثياب الداخلية والخارجية والدمى، وغير ذلك. وسوف أوضح هنا أن تقريراً نشرته “بوابة العين” الإخبارية، أشار إلى أن الانتهاكات التي رُصدت ضد المثقفين، بلغت 5894 شخصاً، عام 2015م فقط، مع العلم أن الاغتيالات والانتهاكات والاختفاءات والوفيات ارتفعت بعد ذلك.
إنها فرصة حقيقية لأن نقول لمسؤولي الحكومة في اليمن، إن المليشيات الإسلامية الإرهابية شمالاً وجنوباً، وجماعات الإسلام السياسي، قد اختاروا طريق محاربة المجتمع المدني الثقافي، وإن الانقلابيين في صنعاء قد اختاروا طريق الرصاص والمدافع والانتحار الجماعي، وهذا شأنهم، ولكن آن الأوان لأن نعيد الاعتبار للفنون والإبداع، ولمادتي الرسم والموسيقى في المدارس الحكومية والأهلية، أن نعيد هيبتهما ورونقهما عبر المتاح؛ فإنه غير خافٍ على أحد أن هذه الجماعات قد عمدت منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي، إلى التغييب الكلي لأي أثر جمالي. وبدون شك، فإن إفراغ المجتمع من أبسط وسائل الحياة، قد شكل ضغطاً على القوى الفاعلة التي كانت تنتج الضوء والحلم، وحدا بها الأمر إلى مغادرة الوطن، الأمر الذي شكل ضغطاً على الدول المستقبلة. ومما لا شك فيه أن هذه الجماعات لديها اليوم حلفاء في عديد من الأقطار العربية، وهو الأمر الذي يشكل خطراً على السلم الاجتماعي والأمني العربي بشكل عام.

مقالات مشابهة