صنعاء … الحمامات البخارية تقاوم الساونا الفنلندية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – فارس قاسم:

تعد الحمامات البخارية أو التركية في مدينة صنعاء القديمة، أحد المعالم التاريخية البارزة، التي تؤرخ لمراحل مهمة من التاريخ اليمني العريق، فضلاً عن أن وجودها والعودة إليها ارتبط بثلاث وظائف (دينية، اجتماعية، بيئية)، وفوق ذلك، تعطي انطباعاً بأن العافية كامنة بداخلها، وأنها مبعث على الصحة والراحة النفسية، كما يعتقد كثير من روادها.
ويعتقد القائمون على هذه الحمامات، بأن فوائدها لا حصر لها، تتعدى العمل على نقاء البشرة وإكسابها رونقاً وبهاء.
يقول محمد سمينة، الذي يعمل في أحد الحمامات البخارية بصنعاء، لـ”المشاهد”: “كل حمام من هذه الحمامات له خاصيته، كل واحد له علاج للأعصاب، للروماتيز، للرأس، لكل حاجة”.

ا لحمامات البخارية أو التركية في مدينة صنعاء القديمة، أحد المعالم التاريخية البارزة، التي تؤرخ لمراحل مهمة من التاريخ اليمني العريق، فضلاً عن أن وجودها والعودة إليها ارتبط بثلاث وظائف (دينية، اجتماعية، بيئية)، وفوق ذلك، تعطي انطباعاً بأن العافية كامنة بداخلها.


يوافقه الرأي، ربيع الفرسي، هو الآخر قائم على أحد هذه الحمامات: “فوائد الحمام كثيرة، يزيل الأمراض الخفيفة كالزكام والبرد والحمى وغيرها. الأمراض الأخرى كآلام الظهر والأعصاب، هذه نعالجها نحن (طاقم الحمام) من خلال التدليك والمساج لمن يطلب ذلك من الزائرين أو المستحمين، وتضاف أجورها إلى قيمة أجر الاغتسال. السخونة في غرفة الصدر (الغرفة الساخنة) تعالج آلام الروماتيز والصدر وأمراضاً كثيرة، وأكبر فائدة للحمام أنه نظافة”.
ويقول: محمد مصلح، أحد سكان صنعاء القديمة، وهو مصاب بجلطة دماغية: “يومياً أتحمم في هذا الحمام البخاري، هو مفيد جداً للأعصاب، الأعصاب الضامرة يحييها ماء الحمام البخار. أشعر بالراحة النفسية والجسدية. أنا مصاب بجلطة دماغية، الحمد لله الآن أستطيع المشي من كثر زياراتي للحمام”.
ويوجد في مدينة صنعاء القديمة وحدها، 14 حماماً بخارياً، صممت وفقاً لمراحل استجمام متعددة، ويستخدمها عامة الناس للاستحمام والاغتسال أو الاسترخاء أو للعلاج من بعض الأمراض.

حمامات صنعاء القديمة

تخلد الحمامات البخارية جانباً مهماً من التاريخ اليمني العريق، إذ يعود تاريخها إلى العصر الروماني، وفقاً لأستاذ الآثار الإسلامية بجامعة صنعاء، الدكتور علي سيف: “عندما بدأت دراسة هذه الحمامات، وجدنا أن تاريخها يعود إلى ما قبل الإسلام، مثلاً حمام ياسر يعود تقريباً إلى القرن الثالث الميلادي. هذه الحمامات تأسست قبل الإسلام، وكان لها دور ربما كدور المنتديات، من مقومات المدينة الرومانية، التي جاءت إلى اليمن في بداية العصور الميلادية، وذلك نتيجة لاحتكاك اليمن مع الدولة البيزنطية، والتبادل التجاري في ما بينهما”.
وقال الدكتور سيف لـ”المشاهد”: “يذكر أن عدد الحمامات التي كانت موجودة في مدينة صنعاء القديمة، 12 حماماً، بحسب حصر عمل لها في القرن الخامس الهجري، عندما توفي المؤرخ الرازي الذي كتب عن تاريخ مدينة صنعاء، لكن هذه الحمامات لم تعد موجودة بمسمياتها، فاختلفت (مسمياتها) ما عدا حمام الميدان وحمام ياسر، أما ما يوجد حالياً داخل أسوار مدينة صنعاء من الحمامات، حوالي 14 حماماً. ومن أشهر هذه الحمامات: حمام ياسر، الميدان، السلطان، والأبهر، الذي يعد من أجمل الحمامات”.
وتعلو تلك الحمامات قباب نصف دائرية أعلى الحجرات، مبنية من الياجور (الطوب الحراري)، ومغطاة بطبقة من الجص الأبيض، وعلى تلك القباب نوافذ مغطاة بالزجاج لتسمح بمرور أشعة الشمس والضوء إلى مختلف الحجرات في الحمام الواحد، فضلاً عن وجود فتحات صغيرة لدخول الأكسجين وخروج الغازات.

كيف تتم عملية استخدام الحمام؟

تم تقسيم الحمام البخاري إلى حجرة المخلع (غرفة باردة لتغيير الملابس) التي يوجد بها العديد من الخزائن المبنية داخل الجدار، لوضع الملابس بداخلها، استعداداً للدخول إلى حجرات الحمام البخاري، وفي الطرف الآخر من الحجرة يوجد مصلى صغير لأداء الصلاة، والمجزع (الممر)، وهو عبارة عن الطريق ما بين حجرة المخلع والدخول إلى الحمام، ويتم النزول عبر عدد من الدرجات، ليقوم المستحم باستخدام المرش بالماء البارد لغسل جسمه قبل الدخول للحمام، ثم الحجرة الخارجية (الدافئة)، بعدها يدخل المستحم عبر باب صغير إلى ما يسمى الحجرة الخارجية، وتكون درجة الحرارة فيها دافئة، ويوجد بها العديد من الأحواض المبنية من “الحبش”، وهنا يتم التدليك ببعض الأحجار لباطن القدم، والاصطفاء بالماء المعتدل.
تلي تلك الحجرات حجرة الصدر (الساخنة) التي يتم الدخول إليها عبر باب صغير، وهي الحجرة الأكثر سخونة، تتميز بكمية كبيرة من البخار، ثم الحجرة الوسطى، التي تقع وسط الحمام، ودرجة الحرارة فيها متوسطة.
ويقوم العامل في الحمام، في هذه الحجرة، باستخدام ما يسمى الكيس، وهو عبارة عن قطعة من القماش الخشن نوعاً ما، وذلك بغرض إزالة الجلد الميت، وتفتيح مسامات الجلد. بعدها يستخدم الليفة مع الصابون، لتنظيف جسم المستحم، وغسل الجسم بالماء الدافئ. بعدها يعود المستحم إلى غرفة المخلع التي بدأ منها، ليرتدي ملابسه، ويظل فيها من 5 إلى 10 دقائق، قبل المغادرة، حتى لا يصطدم بالهواء البارد خارج الحمام.
ويوجد الدست (القِدر) المصنوع من النحاس (عرضه متر ونصف وارتفاعه متر) أسفل حجرة الصدر (الساخنة) تحت سطح الأرض بعمق 4 أمتار، يتم تسخينه بعد تعبئته بالماء عبر نافذة صغيرة، باستخدام الديزل والكراتين، وعندما يسخن القِدر يسمح بصعود بخار الماء الساخن إلى قاع غرفة الصدر، ثم يمرر البخار عبر ممرات أسفل الحجرات، والتي يصل عرضها من 20 إلى 30 سم، لنقل بخار الماء إلى مختلف الحجرات، لتقوم بعملية تسخينها، وفق ما رصده معد التقرير من العاملين في حمامات صنعاء القديمة، وأكده الدكتور سيف.

إقرأ أيضاً  الحرب ضاعفت من معاناة الصيادين على طول الساحل الغربي

أيام للرجال وأخرى للنساء

ويرتاد هذه الحمامات، الرجال والنساء على حد سواء، وفي الأيام المخصصة للنساء، تدار الحمامات من قبل كادر نسائي، وأيام الرجال، تدار من قبل رجال.
ويقول، نبيل حسين رفيق، مالك حمام الأبهر العريق، وهو يسرد كيفية استقبال زوارهم: “عندما يأتي الزبون عندنا للحمام، أول شيء يتم وضع حاجاته الثمينة عند أمين الصندوق لدينا. ندي له ماء لهذا الحوض حق البارد أول ما يدخل، يعني ينتعش جسمه، وعندما تدخل الصدر (الغرفة الساخنة) ناس تفعل رقصة، يشلوها مجموعة 5 دقائق… وتشتي نعطيك اللحن حين يدخلوا في الصدر: الله الله الله الله الله الله/ لا عتب لا عتب/ قده مقدر لمن حب/ الله الله الله/ أن ينال التعب/ وطول عمره معذب”.
كما يردد طاقم بعض الحمامات أثناء قيامهم بخدمة الزبائن (التدليك والغسل)، بعض الأهازيج للترويح عن المدلك والزبون في الوقت نفسه، ومنها: “والله لأغسل زبوني وأصبنه من عيوني”.

طقوس متعددة

شكلها المعماري المتميز الذي يوحي بأن هناك نوعاً من التمازج بين البناء المرتفع في مدينة صنعاء القديمة، وبين قباب الحمامات البخارية التي تعلو سطح الأرض من ناحية أخرى، يجعلها أحد أهم عناصر المدينة القديمة بأحيائها العتيقة.
ويقول الدكتور علي سيف إن هناك 3 وظائف أساسية للحمامات البخارية في مدينة صنعاء (دينية، اجتماعية، بيئية)، يتابع: “هذه المنشآت كانت من لوازم المدينة الإسلامية، عندما جاء الإسلام حثنا على التطهر والنظافة، ولذلك يبدأ من الوضوء بالماء ثم الاغتسال للحدثين، وكان لا بد أن تكون هذه الحمامات موزعة إلى جوار المساجد (في إشارة دينية تستدعي معاني الطهارة الروحية والجسدية)، والاستفادة من آبار المياه المجاورة للمساجد. أما الشق الاجتماعي (ميزة في مدينة صنعاء)، هو أن العريس قبيل عرسه يجب أن يذهب إلى الحمام للتحمم والتدليك، الذي يسمى في صنعاء “الكيس”، وهنا يكتسب نوعاً من الراحة النفسية، لأنه يقضي فترة لا بأس بها مع رفاقه في الحمام، ويخرج معهم إلى منزله”.
وبالمثل تأتي العروس التي تهيأ لها مستلزمات الغسل في اليوم الذي تزف فيه إلى زوجها، مساءً، حسب تقاليد أهل صنعاء. ثم تقضي في الحمام ساعات، تقوم على خدمتها نسوة يعرفن أنواع المدلكات والمنظفات والروائح العشبية المميزة، بحسب عاملين في هذه الحمامات.

دعوة للاهتمام بالحمامات القديمة

مع توسع العاصمة صنعاء وظهور أحياء جديدة، أنشئت حمامات عامة حديثة، بعضها تعمل بأساليب متطورة، إلى جانب ظهور الساونا الفنلندية، التي تعتبر أقل كلفة وأسهل تجهيزاً وصيانة من حمامات البخار. تلك وغيرها أسباب رئيسية أثرت سلباً على الحمامات البخارية القديمة في مدينة صنعاء، إذ أدت إلى تراجع مرتاديها، طبقاً لربيع الفرنسي: “مستوى الإقبال على الحمامات قل (انخفض) مقارنة على ما كان أول. بس الإقبال لا بأس به، وأحياناً يكثر في أيام الخميس والجمعة”.
ويقول متخصصون إن لكل من الساونا وحمام البخار، مميزاته الخاصة، لكن الدكتور علي سيف، يرى أن “الحمامات البخارية القديمة تتميز بعملية التدرج في استقبال الحرارة لجسم الإنسان، ما يحول دون حصول أي نوع من الأمراض”.
وحمل سيف، وزارة الأوقاف والإرشاد، كجهة معنية بالإشراف على معظم الحمامات البخارية القديمة، مسؤولية عدم الصيانة والترميم التي تحتاجها بعض الحمامات، فضلاً عن غياب النظافة، والإهمال الذي وصلت إليه هذه الحمامات، موضحاً أن “القائمين على هذه الحمامات يتقاضون أجوراً زهيدة، وبالتالي اهتمامهم ضئيل”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي