فئة “المهمشين”: نازحون حرموا من التعليم

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin


تعز – عبير عبدالله:

طفل تكبر أحلامه على عمره بسنوات، يحدق مع أقرانه بالمجهول، وهم يقفون بين حر الشمس وحُلم إكمال التعليم وأسى حرمانهم منه. يقف الأطفال من أبناء فئة المهمشين (الأخدام كما يسميهم البعض)، على ناصية أحلامهم التي يصغر تحقيقها، كما هو الحال مع
محمد ( 10 أعوام) الذي يقف على بوابة خيمة في مخيم بمدينة البيرين غرب مدينة تعز، قائلاً: “نحن نكبر بلا تعليم، ولم يعد بمقدورنا أن نتعلم أو نلتحق بالمدارس نتيجة التمييز الاجتماعي الذي نعاني منه”.
ويتذكر محمد الذي ينحدر من منطقة الأشروح بمديرية جبل حبشي غرب مدينة تعز، آخر مرة التحق فيها بالمدرسة، وجلس مع زملائه، كان عمره 5 سنوات.
حينها فقط كان بوسعه أن يتعلم، ويذهب إلى مدرسة القرية التي يدرس فيها الكثير من الأطفال ذوي البشرات المختلفة.
ويضيف بمرارة: في حديثها لـ” المشاهد” “أما اليوم، منذ أن نزحنا إلى هذه المخيمات، مخيمات الصافية، منذ 5 سنوات، لم يعد بمقدوري سوى مشاهدة التلاميذ وهم يذهبون إلى المدرسة، ويأخذون حصتهم من التعليم”.
محمد الذي لا يرى مشكلة في أن يصف نفسه بـ”الخادم” أو المهمش، يؤكد أن أحد الأسباب التي جعلته لا يكمل التعليم كأي طفل، هو عدم قبول المدارس المجاورة للمخيمات التي يعيش فيها، له ولمن مثله “لأننا أخدام”، كما يقول، بالإضافة إلى عدم وجود ما يثبت هويتهم كشهائد سابقة لهم لمواصلة التعليم.
ويتساءل الطفل: “هل هذا سبب كافٍ لعدم قبولنا بالمدارس؟”.

90% نسبة الأمية بين المهمشين

أكدت منظمة اليونيسف أن نسبة الأميّة في صفوف المهمشين، وصلت إلى 90%، نتيجة تسربهم من المدارس؛ إما بسبب المضايقات أو التنمر من قبل بعض المعلمين والطلاب، وإن 9% فقط من المهمشين يسجلون أطفالهم عند الولادة، ما يجعل نقص شهادات الميلاد عقبة أمام الالتحاق بالمدارس.
وإلى جانب ما ذكر، يرجع نائب مدير عام الشؤون الاجتماعية في تعز، الدكتور محمود البكاري، سبب عزوف الكثير من المهمشين عن مواصلة تعليمهم إلى العزلة الاجتماعية التي يعيشون فيها، إضافة إلى عدم وجود الحافز التشجيعي للالتحاق بالتعليم، وكثرة الترحال المستمر، وعدم الاستقرار في أغلب الأوقات.
وفي السياق نفسه، تعبر عضو اللجنة الوطنية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، إشراق المقطري في حديثها لـ” المشاهد” ، عن أسفها من التهميش الذي يتعرض له المهمشون، خصوصاً في مجال التعليم، مشيرة إلى أن الكثير من سياسات الدمج والتمكين في مواضيع التعليم، التي كانت من ضمن السياسات المتبعة في سلك التربية والتعليم سابقاً، لم تحقق أية جدوى للأسف.
وتقول: “في اعتقادي أن من أسباب التهميش هو أنه لم يتم الوصول إلى صناع القرار المحليين والمؤثرين في المجتمع المحلي، من ضمنهم مدراء المديريات ومدراء المدارس، في عملية التمكين”.
ويشكل المهمّشون 12% من إجمالي سكان اليمن، ويتوزعون على مختلف مناطق البلاد، فهم يتركزون في المناطق الوسطى والجنوبية، القريبة من سواحل البحر العربي والبحر الأحمر، ومحافظات “عدن، لحج، أبين، الحُديدة، تعز

وإب”.

نوال سعيد : هناك عشرات الأطفال النازحين من المهمشين، لم يجدوا التعليم المناسب، ولم يتم قبولهم بالمدارس بسبب عدم امتلاكهم ما يثبت هويتهم أو يثبت مؤهلاتهم الدراسية، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بهم من قبل المنظمات أو أية جهة أخرى

حرمان من التعليم

ويستفيد معظم الأطفال في مخيمات البيرين، مما تقدمه نوال سعيد صالح (37 عاماً)، الحاصلة على شهادة بكالوريوس، وأستاذة تربية في مخيمات النازحين، من خدمات، حيث تقوم بتعليم الأطفال المهمشين بعض المواد التعليمية.
وتشير نوال إلى أنها تعمل منذ سنوات في مجال تدريس الأطفال المهمشين، وأن هناك عشرات الأطفال النازحين من المهمشين، لم يجدوا التعليم المناسب، ولم يتم قبولهم بالمدارس بسبب عدم امتلاكهم ما يثبت هويتهم أو يثبت مؤهلاتهم الدراسية، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بهم من قبل المنظمات أو أية جهة أخرى، مؤكدة أن غالبية الأطفال هنا صاروا يرفضون فكرة التعليم، لأنهم يشعرون بالاختلاف ونبذهم من المجتمع، خصوصاً وأن المدارس ترفض تزويدهم بالتعليم والعلم، لا بل تحرص على ذلك، فلقد وجدوا حواجز تفصلهم عن الأطفال الآخرين، وهذا ما يزيد من عزلتهم، وعدم رغبتهم في مواصلة التعليم.
“أشعر بالقهر عندما أجد هؤلاء الأطفال محرومين من أبسط حقوقهم في التعليم، هل كُتِب عليهم أن يبقوا هكذا؟”، تقول المعلمة، قبل أن تشير إلى أنها التحقت بمنظمة اليونيسف في تعليم هؤلاء الأطفال، على الرغم من الدعم البسيط لهم من خلال توفير برامج ترفيهية لهم.
وتصف الوضع هنا بمخيمات النازحين، فتسرد تفاصيل مؤلمة: “أنا دائماً من الساعة الثانية ظهراً إلى الساعة الخامسة، أبدأ بجمع الأطفال لأقوم بتدريسهم على هذه الجدران المنحوتة بالأحرف الأبجدية (أ ب ت ث)، وتحفيظهم بعضاً من سور القرآن الكريم”.
وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء الأطفال أتوا من مناطق بعيدة كمديريات “المسراخ والوازعية وموزع والضباب ومقبنة”، غير أن ما يوحدهم هنا هو أنهم “أخدام”، وإن اختلفت مناطقهم، يتوحدون في منعهم من التعليم بالمدارس الحكومية القريبة من المخيمات، ومن نظرة المجتمع تجاههم، وعدم وقوفه إلى جانبهم.

إقرأ أيضاً  نساء يبحثن عن الزواج في طلاسم السحرة

لماذا تحرمهم المدارس من الالتحاق بها؟

وينفي مدير التربية والتعليم بمديرية الشمايتين، عبدالمعين حمود، حرمان المهمشين من التعليم أو تهمشيهم، قائلاً: “تم دمج غالبية الأطفال المهمشين بمخيمات النازحين بالصافية، ومخيمات البيرين، في المدارس المتواجدة هناك، كما تم إرسال خطابات من قبل مكاتب التربية إلى مدراء المدارس باستيعاب جميع النازحين من فئة المهمشين في المدارس”.
وأكد المسؤول التربوي أن الأطفال المهمشين بعد نزوحهم فقدوا جميع وثائقهم من شهائد دراسية وما يثبت هويتهم وهوية آبائهم. وهذا ما سبب -بحسب ما يقول- في إعاقة مواصلة تعليمهم ودمجهم بالمدارس الحكومية، بالإضافة إلى تخوف مدراء المدارس من استقبالهم في ظل فقدانهم ما يثبت هويتهم الشخصية أو التعليمية. كما أن ازدحام الفصول وكثرة الطلاب سبب في عدم قبول جميع الطلاب المهمشين وعدم التحاق غالبيتهم بالمدارس، ما سبب قصوراً وعجزاً لاحتواء جميع الأطفال بالمدارس، وفق ما يقوله عبدالمعين.
وأشار مدير التربية إلى أن منظمة سول للتنمية أكدت على أنها ستعمل على توفير مخيمات للطلاب المهمشين واحتوائهم من أجل مواصلة تعليمهم في أماكن آمنة.
وبحسب الإحصائية الأولية التي قدمها مدير التربية والتعليم بالشمايتين، عن الطلاب في المخيمات، فإن عدد الذكور يتجاوز 223 وعدد الإناث 112، موزعين على مدرستي النصر و27 أبريل، وهي إحصائية لا تستوفي جميع الطلاب (المهمشين) جراء الازدحام الشديد بالمدارس، وعدم اتساع الفصول لبقية الأطفال.

الطفلة فاطمة لم تستسلم

الطفل محمد لم يكن وحده الذي لم يتمكن من مواصلة التعليم في مخيم البيرين، فقد وجدنا بصحبته طفلة مهمشة تدعى فاطمة (12 عاماً)، لكنها لم تستسلم، بل بحثت عن حلول حتى تتمكن من مواصلة التعليم.
تقول فاطمة: “أصحو كل صباح كي أشاهد الطلاب والطالبات وهم يذهبون إلى المدرسة، فأذهب معهم، لكن حارس المدرسة يمنعني في كل مرة من دخول البوابة، رغم أنني من الفئة المدمجة، فوالدي أحد أبناء القبائل، وأمي “خادمة”، لكن هذا لم يشفع لي”.
وتضيف بنبرة حزن: “نفسي أكون محامية كبيرة عشان أقدر أدافع عن الأخدام اللي يجلسوا عيال القبائل يضحكوا علينا إنه إحنا أخدام وما خلقنا إلا لخدمتهم، لكن محد يساعدنا عشان نتعلم، الكل يتعامل معانا بعنصرية، وكأنه نحنا اللي خلقنا أنفسنا”.
وتوضح فاطمة، وهي أحد المهمشين من منطقة الضباب، أن حيلة خطرت في بالها لكي تتعلم، فهي تود أن تقرأ وتكتب كأبسط حلم لها.
وكانت الفكرة، بحسب ما ذكرت الطفلة، هي الذهاب إلى المدرسة كي تعمل فراشة (مكنسة) لتنظيف الفصول، وبالتالي تستطيع الدخول إلى المدرسة، فهي حينما نزحت من قريتها بسبب الحرب، كانت بالصف الثاني.
وتقول: “بعد الانتهاء من عملي وتنظيف الفصول، أذهب إلى الصف الثالث، فأقف أمام الشباك من خارج الصف، وأسمع ما يقوله الأستاذ للطلاب، فأجلس وأكرر مع الطلاب، فحلمي في التعليم لم يمت، ولن أستطيع نسيانه”. مضيفة: “نحن المهمشين فئة منسية، ومحرومون من أبسط حقوقنا في الحياة”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي