بعد 52 عاماً على الجلاء… عودة بريطانيا كأكبر لاعب دولي في اليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عدن – عبدالعالم بجاش:

كأنه التاريخ يكرر نفسه، تاريخ الاستعمار البريطاني وسياساته في عدن والجنوب على وجه الخصوص، واليمن والمنطقة بشكل عام.
مع حلول الذكرى السنوية الـ52 لجلاء بريطانيا من عدن والجنوب، تحضر الأطماع البريطانية عائدة بقوة، ومن وراء ستار، لتمارس السياسات القديمة ذاتها.
الفترة الزمنية للاستعمار البريطاني لعدن، والتي بلغت 128 سنة، توحي إلى أي حد تمسكت بريطانيا باحتلالها لعدن وجنوب اليمن.
تشير المصادر التاريخية إلى أنه، وخلال السنوات الأخيرة من عمر الاستعمار البريطاني، وتحديداً بعد عام 1950، كانت تحركات المندوب السامي البريطاني في عدن، توحي أيضاً أن بريطانيا كانت عازمة على ترسيخ احتلالها لزمن أطول، عبر اتفاق اتحاد فيدرالي للجنوب العربي.

تعمدت بريطانيا سلخ هوية الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن، عن هويتها التاريخية والجغرافية و عملت على تحفيز وتشجيع الثقافات والهويات المحلية، وتغذية النزعات الانفصالية


ومنذ بداية عام 1934، وجدت السلطنات في المناطق الجنوبية والشرقية ومستعمرة عدن نفسها مكبلة باتفاقات مع بريطانيا، حولتها إلى مناطق مرتهنة، ولتكون تحت قبضة بريطانيا بصورة مطلقة.
وتعمدت بريطانيا سلخ هوية الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن، عن هويتها التاريخية والجغرافية.
وقد عملت على تحفيز وتشجيع الثقافات والهويات المحلية، وتغذية النزعات الانفصالية، وتعميق هوة الخلافات والصراعات المحلية. كما سعت إلى محاولة محو الثقافة الوطنية وطمس الهوية اليمنية.

سلخ هوية اليمن سياسة بريطانية المنشأ

تقول المصادر التاريخية إنه، ومنذ عام 1937، فصلت بريطانيا مستعمرة عدن والمحميات الشرقية، عن التبعية لإدارة الحكومة البريطانية في بومباي بالهند، وألحقتها مباشرة بوزارة المستعمرات البريطانية.
يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تطور المخطط الاستعماري البريطاني، وتركيزه على سلخ هوية الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن، واختلاق هوية أخرى، بهدف فصل مناطق الجنوب والشرق عن اليمن، ومسخ هويتها التاريخية والجغرافية.
ولعل ذلك كان بفعل مخاوف بريطانية من توجهات وطنية تهيئ لثورة محتملة في شمال اليمن، مرشحة للانتقال إلى جنوبه، خصوصاً وأن عوامل اجتماعية مشتركة بين شمال اليمن وجنوبه، كانت قد بدأت في التشكل، خالقة مساراً وطنياً كانت خلاصته في النتائج لاحقاً، حيث ظهر الارتباط الوثيق بين الثورتين في اليمن (26 سبتمبر و14 أكتوبر)، واندلاعهما على التوالي.
سيناريو الاستعمار البريطاني يتكرر اليوم على نحو ما، فالتاريخ يخبرنا أن بريطانيا غذت النزعات الانفصالية، وعملت على تأجيج الخلافات والصراعات في جنوب اليمن، وتشجيع المناطقية.
كل ما كان متصلاً بالهوية اليمنية والثقافة الوطنية، كان مستهدفاً من قبل بريطانيا والجماعات المحلية المتصلة بها.
كان لدى البريطانيين مخططهم لسلخ جنوب وشرق اليمن، عن بقية أجزائها، بصورة تدوم طويلاً، والحيلولة دون قيام ثورة ذات بعد وطني يمني.
ولتحقيق هدفها، بدأت بريطانيا عام 1952، في طرح مخطط لإقامة كيانين اتحاديين فيدراليين، في إطار دولة واحدة تحمل اسم دولة الجنوب العربي الاتحادية.
كانت الخطة التي قدمتها بريطانيا رسميا عام 1954، هي توحيد السلطنات في الجنوب والشرق، في إطار اتحاد فيدرالي، وعلى أساس بقاء مستعمرة عدن خارج الاتحاد.
ووفقاً للخطة، تكون رئاسة الاتحاد للمندوب السامي البريطاني، وله أيضاً العلاقات الخارجية، وهو صاحب القرار الأول في حالة الطوارئ.

كانت بريطانيا أول دولة تمد يدها للانفصاليين، واحتضنت قيادات منهم، منذ نهاية التسعينيات وما بعد عام 2000. وكانت السفارة البريطانية بصنعاء تهوِّن من شأن احتضانها للانفصاليين، وتقول إنهم ليسوا أقوياء. لكن الانفصاليين اليوم باتوا قوة مسلحة كبيرة، وعلاقتهم وطيدة بالجانب البريطاني.


وتشمل بقية إدارة الاتحاد مجلساً يضم رؤساء البلاد الداخلية في الاتحاد، ومجلساً تنفيذياً، وآخر تشريعياً. ولقد تم في الـ19 من فبراير 1959، الإعلان رسمياً عن قيام اتحاد إمارات الجنوب العربي، لكن ذلك الإعلان سقط باندلاع ثورة الـ14 من أكتوبر، من جبال ردفان.
وكان ذلك رد فعل بريطانيا على تنامي الشعور الوطني في الجنوب، ومحاولة استباقية لقمعه ووأده، بغية إطالة عمر الاستعمار.

مؤشرات عودة الأطماع البريطانية

إن نظرة شاملة لمستوى الحضور البريطاني وراء اتفاق الرياض، من خلال السفير البريطاني لدى اليمن، والمبعوث الأممي البريطاني الجنسية مارتن غريفيث، ووجودهما القوي في تفاصيل الصراع الجنوبي نفسه، الممتد من عدن جنوباً إلى حضرموت شرقاً، تكشف الكثير.


وكانت بريطانيا أول دولة تمد يدها للانفصاليين، واحتضنت قيادات منهم، منذ نهاية التسعينيات وما بعد عام 2000. وكانت السفارة البريطانية بصنعاء تهوِّن من شأن احتضانها للانفصاليين، وتقول إنهم ليسوا أقوياء. لكن الانفصاليين اليوم باتوا قوة مسلحة كبيرة، وعلاقتهم وطيدة بالجانب البريطاني.
كما أن نظرة إلى مسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ نشأته الحديثة، ومكوناته وهياكله، وخطوات تثبيته، تنبئ عن تفاصيل كثيرة للسياسات البريطانية القديمة، تتكرر بحذافيرها.
ويتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي للانفصال، رؤية تهدف لإقامة فيدرالية جنوبية من إقليمين. كما أن عدن لها وضعية خاصة في هذه الرؤية.
أما الهدف العام والمعلن للمجلس الانتقالي، فهو السعي للاستقلال وإعلان قيام دولة الجنوب العربي الفيدرالية بعلم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي قامت على أنقاض الاستعمار البريطاني.
وكل هذه الملامح العامة لمشروع المجلس الانتقالي الجنوبي، بما فيه تسمية الدولة المنشودة، ليست بجديدة؛ إذ تبدو بالأساس أفكاراً بريطانية، ورؤية ذات منشأ بريطاني، ولقد سبق لبريطانيا إعلانها عام 1959، قبل 4 أعوام على قيام ثورة الـ14 من أكتوبر، التي أطاحت بالاستعمار البريطاني ومخططاته، وأرغمت بريطانيا على الجلاء بعد ذلك في 30 نوفمبر 1967.
ولبريطانيا تجربة عريقة وقديمة نسبياً في دعم مكونات سياسية جنوبية مناوئة للانتماء الوطني لليمن.

إقرأ أيضاً  إب : ملابسات جريمة مقتل الطفل " القيفي" بعد العثور على جثته

بحر متلاطم من الأطماع

في خطابه للشعب اليمني بمناسبة الذكرى الـ52 للاستقلال الوطني (الـ30 من نوفمبر)، أشار الرئيس عبد ربه منصور هادي، لعودة المؤامرات التي تحاك ضد اليمن، في الوقت الراهن.
وحذر هادي من مخاطر ضياع الهوية الوطنية التي تتعرض للاستهداف المكثف شمالاً وجنوباً.
وقال إن “سفينة الوطن تبحر وسط بحر متلاطم من الأطماع والتحديات والمخاطر؛ مخاطر التشظي والتقسيم، ومخاطر الإمامة المدعومة من النظام الإيراني، التي تضرب مسلّمات النظام الجمهوري، ومخاطر ضياع الهوية الوطنية التي تتعرض للاستهداف المكثف شمالاً وجنوباً”.

عمل الاستعمار البريطاني على تشجيع محاولات طمس الهوية اليمنية، هذا الموقف يتكرر حالياً، جنوباً عبر موقف عدائي حاد لكل ما هو يمني، من قبل “الانتقالي” وأنصاره، وشمالاً عبر نشاط كثيف لجماعة الحوثيين لطمس الهوية اليمنية، تحظى بعضها بتمويل أوروبي


وأضاف: “ليس أمامنا من خيار إلا مواصلة مشوار الصمود والوقوف في وجه المؤامرات”.
ووفقاً للمراجع التاريخية، عمل الاستعمار البريطاني على تشجيع محاولات طمس الهوية اليمنية، هذا الموقف يتكرر حالياً، جنوباً عبر موقف عدائي حاد لكل ما هو يمني، من قبل “الانتقالي” وأنصاره، وشمالاً عبر نشاط كثيف لجماعة الحوثيين لطمس الهوية اليمنية، تحظى بعضها بتمويل أوروبي، مثل تبني منظمات دولية طباعة مناهج محرفة أدخلت عليها جماعة الحوثيين مضامين طائفية.

تحركات بريطانية مثيرة للقلق

تتفق مصادر تاريخية عدة في طبيعة السياسات البريطانية في اليمن إبان احتلالها لجنوب اليمن، والذي بدأ باحتلالها لعدن منذ العام 1839.
فقد حرصت بريطانيا على تمزيق أوصال المجتمعات المحلية، وتكريس الكراهية داخل الجنوب والشرق، وبين جنوب اليمن وشماله، وتحفيز النزعات الانفصالية، وتغذية الصراعات.
وقد عملت على الدوام على إشاعة اليأس في أوساط اليمنيين، وتمزيق النسيج اليمني، وعرقلة أي جهود لتوحيد الصف اليمني، بهدف القضاء على عوامل قيام دولة وطنية في اليمن.


وفي الوقت الراهن، تحتفظ بريطانيا بعلاقات وطيدة مع التشكيلات المدعومة خارجياً، والنشطة بشكل مناوئ لمشروع اليمن الاتحادي المقر في مخرجات الحوار الوطني.
ويبدو توجه المبعوث الأممي ذي الجنسية البريطانية، نحو تثبيت مكونات يسهل التحكم بها، وبعد المجلس الانتقالي، التقى مارتن غريفيث، طارق صالح، عضو قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي، والمدعوم من الإمارات.
وهناك مخاوف لدى أطراف في الشرعية من مساعٍ بريطانية لتصفية الشرعية، من خلال الدور البريطاني القوي في تثبيت جماعة الحوثيين رسمياً، كطرف موازٍ للشرعية، عبر اتفاق ستوكهولم. والأمر نفسه عبر تثبيت “الانتقالي” كطرف موازٍ للشرعية، عبر اتفاق الرياض.
وهناك مؤشرات عن بدء جهود لتثبيت طرف ثالث في الساحل الغربي، يتمثل في عائلة الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
ما هو مؤكد أنه، وبعد 52 عاماً على الجلاء، عادت بريطانيا كأكبر لاعب دولي في اليمن، وهناك مخطط لا تخفى مؤشراته، يجري تنفيذه، ويثير قلق القيادة الشرعية للبلاد، التي حذرت الشعب من خطورة المرحلة، حيث يخوض اليمن في “بحر متلاطم من الأطماع والتحديات والمؤامرات الهافة للتقسيم” والتمزيق.
ورغم أن مسؤولين في الحكومة البريطانية نفوا وجود أي أطماع لبلادهم في العودة إلى عدن، إلا أن توجس الحكومة الشرعية من تجاوز الدور البريطاني، لا يفتأ يظهر من وقت لآخر.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي