كيف تغيرت حياة البعض خلال العزل المنزلي؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – جمال حسن:

يتعامل اليمنيون مع كورونا كتهديد لعاداتهم الاجتماعية، وهو ما يدفع البعض لإنكار تفشيه حتى مع الإعلان عن وجود إصابات مؤكدة. لكن صنعاء لا يبدو سكانها مكترثون بتفشي المرض، فالشوارع مكتظة، ولا وجود لأي تباعد اجتماعي، قليلون جداً التزموا بالعزل المنزلي، ويتحدثون عن تجربتهم. البعض اكتشف جوانب وتفاصيل لم يكن يعرفها قبل العزل، والبعض لم يكن يتصور أنه يمكنه البقاء في المنزل كل هذا الوقت، لولا الذعر الذي أثاره “كورونا”.

تعيش نجاة الشوافي بين صورتين مختلفتين، بعد أن قررت البقاء في المنزل، حياة كانت اجتماعية ثم عزلة قسرية فرضها القلق من تفشي كورونا. عاشت فترة من الانقطاع عن عاداتها السابقة، وربما اختبرت أشكالاً من الانهيار النفسي، ومشاعر الرعب والضجر القاتل؛ أنقذها الرسم؛ إذ عثرت فيه على جوانب تفجر فيها أي مشاعر سلبية.


تعيش نجاة الشوافي بين صورتين مختلفتين، بعد أن قررت البقاء في المنزل، حياة كانت اجتماعية ثم عزلة قسرية فرضها القلق من تفشي كورونا. عاشت فترة من الانقطاع عن عاداتها السابقة، وربما اختبرت أشكالاً من الانهيار النفسي، ومشاعر الرعب والضجر القاتل؛ أنقذها الرسم؛ إذ عثرت فيه على جوانب تفجر فيها أي مشاعر سلبية.
يترك البقاء القسري في المنزل، خصوصاً للأشخاص الاجتماعيين، آثاراً سلبية، تقول نجاة إنها لم تتعافٙ بعد من بعضها. مع أنها تشعر بتحسن كبير جداً، وأصبحت متأقلمة مع أجواء البيت. تعرف أن هناك أحلاماً تعطلت وهي في الـ25 من عمرها، ما يتعلق بالعمل والحياة، لكن الخطر الذي فرضه كورونا يمكنه أن يسلب حياتها، لذا أصبحت تتقبل ما يحدث بصورة ما.

نجاة الشوافي


منذ الأسبوع الثاني في العزل المنزلي، شعرت نجاة بيأس مروع دفعها للبكاء، أصبحت مأزومة كلياً، حتى إن القراءة ومشاهدة الأفلام لم تبدد الملل. على خلافها كانت شذى التي قالت بأن المسألة كانت بمثابة إجازة صيفية، واستفادت طيلة بقائها في البيت من قراءة الكتب، وتحديداً في مجال تخصصها.
تنتظر شذى إكمال آخر عام جامعي لها، تدرس في كلية التجارة قسم علوم سياس ية، وكرست الكثير من وقتها في المنزل لقراءة كتب في مجال اهتمامها، حتى إنها تشعر بالفارق الذي حصلته خلال فترة العزل المنزلي، وتحديداً في المعلومات، إنها بمثابة تأهيل كما قالت.

وبما إنها لم تشعر بأي جوانب سلبية، إلا أن الأمر سيتغير بالنسبة لها إذا طالت مدة العزل، لأنها من المفترض أن تختبر وتبدأ في دروس اللغة الإنجليزية، ثم ستبحث عن فرصة عمل مناسبة.
فالطريق يأخذ معها ربما مساراً عكسياً مقارنة بنجاة، لم تشعر بأية مشكلة في الاستفادة من الوقت داخل المنزل، لكنها تنظر بقلق إلى الوقت الذي سيتعطل فيه المستقبل مع تفشي وباء كورونا، وضرورة العزل المنزلي لتجنب الإصابة به.
ربما يختلف الأمر بالنسبة لليمنيين الذين التزموا بالعزل المنزلي في الخارج، عنهم في الداخل، وبالنسبة لصدام أبو عاصم، وهو صحفي يمني يعيش في سويسرا، فهو يعيش بمنظور احتكاك ثقافتين، ربما لم يكن صدام ليلتزم بالحجر في اليمن كما في سويسرا.

خلال فترة الحجر الصحي قرأ مزيداً من الكتب، وشاهد عدداً من الأفلام السينمائية. “هنا يتعامل السويسريون مع النكتة كحقيقة”، قصد صدام أنهم مجتمع عملي، وبالتالي يشعرون بالكآبة لتوقفهم عن العمل.
عكس ذلك، في اليمن يزيد الشعور بالكآبة لتوقف الحياة الاجتماعية، والتي ربما تكون عاملاً في نشر المرض. بالنسبة لصدام كان البقاء في المنزل فرصة للاقتراب من عائلته الصغيرة؛ زوجته وطفلته، خصوصاً في ظروف غربة عن وطنه.
بالنسبة لفؤاد الجعدي الذي لم يمر على زواجه طويلاً، كان الحجر فرصة لفهم شريكة حياته وبناء تصور لحياته مختلف؛ إنه أكثر الدروس أهمية خلال قراره بالعزل المنزلي. فالأمر دفعه تلقائياً لمزيد من التقارب والاشتراك في جوانب البيت والحياة والمستقبل بصورة لم تكن معهودة، ولم تكن لتحدث وفق حياته السابقة.

فؤاد الجعدي


بيد أن الاحترازات تثير سخرية اليمنيين وانتقادهم، باعتبار أن المرض أو الموت هو مكتوب فوق، كما كان يقول جاك المؤمن بالقدر في عمل الفرنسي ديدرو. وهو ما يجعل تطبيق العزل المنزلي أو حتى التباعد الاجتماعي، في غاية الصعوبة. ذلك ما قاله مواطن بسيط لآخر في وسيلة مواصلات عامة حين لاحظ أنه يستخدم شاله كقناع على وجهه، لن تهرب من قدر الله، وسيأتيك الموت بإرادته إلى بيتك.

الاستمرار في الطقوس الاجتماعية

الطقوس الاجتماعية في رمضان تفرض مزيداً من التقارب،  الذهاب إلى الجامع وصلاة التراويح، وكذلك اكتظاظ الأسواق. وكثير من ساكني صنعاء يذهبون لصلاة التراويح، وإن سألت شخصاً منهم أن يلتزم البيت، يتساءل عن الذين يذهبون إلى سوق القات. هكذا يجادل اليمنيون، ويستمرون في طقوسهم الاجتماعية.
بالنسبة لنجاة، كان الأمر قاتلاً، لأنها تعاني من مناعة ضعيفة كما تعتقد. بالنسبة لبعض الفتيات، ليس هناك فارق كبير، لكن في اليمن لا تستطيع أن تمنع تبادل الزيارات بين الجيران. كما أن ظروف الحياة تختلف بين شخص وآخر. لن يأبه البعض للطريقة التي عثرت فيها نجاة على الرسم كوسيلة للتعبير عن الأفكار المكتومة. فالتباعد الاجتماعي فكرة تجعل اليمنيين لا يعترفون بتفشي كورونا، إنما أوبئة أخرى مثل المكرفس وحمى الضنك وحتى إنفلونزا الخنازير.
على صعيد آخر، وضع محمد عبدالرحمن لنفسه حدود عزل، يخرج من أجل الأشياء الضرورية؛ شراء مستلزمات للمنزل، الذهاب إلى سوق القات، وفي أوقات يكون أقل ازدحاماً. لم يعد أيضاً يجتمع مع أصدقائه، ويتعاطى القات في ليالي رمضان داخل منزله وحيداً. فالتوقف عن طقوس القات وبعض الطقوس الاجتماعية أكثر عذاباً من المرض نفسه.
ربما كان الأمر أقل عنوة بالنسبة للذين لا يتعاطون القات، وهو أمر لا ينتشر بنفس الصورة بين النساء. فشراء القات وتدويره بين أيادٍ كثيرة ربما يكون حاملاً للمرض وسبباً في تفشيه. وربما يحاول البعض الابتعاد عن الإحساس الذي عانته نجاة في أول فترة من قرارها بالعزل المنزلي، الكارثة التي ستحتد فيها عصبيتهم، وما يمكن أن يحدث. إنهم يفضلون الابتعاد عن الأشياء التي يمكن أن تكون جسراً للتقارب، لذا تحدث أزماتهم، وتتكرر بنفس الطريقة.
وبما أن العصبية جزء من شخصية نجاة، فإنها تسببت بكثير من مشاعرها السلبية، خصوصاً في بداية مرحلة العزل المنزلي، ازدادت ساعات نومها بصورة كبيرة، لشعور يلازمها بالإحباط. حين أعطتها أختها أدوات رسم، لم ترقها الفكرة، فهي لا يستهويها الرسم، ولم تفكر بأنها سترسم. قالت أختها: جربي فقط.
وتفاجأت هي نفسها بما يحدث، أصبحت ترسم، تقوم بإنزال صور من النت وتطبق عليها. ربما كشفت عن جوانب يعاني منها اليمنيون، وهو مساحة الاهتمامات الضيقة، كان الرسم يخلق طاقة خلاقة، ويعيد تنظيم المشاعر السلبية إلى أشكال صورية. لكن الوقت بين الجدران. قالت إنها أيضاً بحثت عن دروس أون لاين، عبر النت، أيضاً ممارسة الرياضة.
في سياق مختلف، وضع العزل المنزلي فؤاد الجعدي في مدار استكشاف جمالية الحياة الزوجية، وهي جوانب تعيقها الحياة الاجتماعية والانشغال بالأصدقاء. وبما أنه ينبذ طقوس القات، لم يجد صعوبة في العزل المنزلي، ووجد خلالها مساحة للتفاهم مع شريكة حياته، كان الأمر بالنسبة له بمثابة دروس مجانية.
وأهم ما تعلمه، هو كيف يفصل بين حياته في المنزل وحياته العملية ومع الأصدقاء. بل إن التفاهم العميق مع شريكة حياته، أخذ مساحة من الحياة المنزلية، وتقاسما بصورة فريدة بعض المهام، مثل الطبخ والتنظيف، وحتى الأكل. يقول إنهما تقاربا بصورة غير مسبوقة، وأصبح كل منهما يعرف ميول الآخر وشخصيته. بصورة ما يقول فؤاد إن العزل المنزلي فرصة لاستكشاف الحياة العائلية بصورة مختلفة.
هذا ما اختبرته نجاة أيضاً، أصبحت تجلس مع عائلتها بصورة أكبر من السابق. ربما تتغير معنويات شذى مع الوقت، لكن العالم يفتح الحظر، ويتحدث عن موجة أخرى لـ”كورونا”، بينما اليمن تعيش موجة أولى، وفي مرحلة التفاقم، مع غموض في الأرقام الحقيقية حول انتشار المرض وعدد الإصابات.
لكن في فترة العزل المنزلي تحدث الأشياء أقل تلقائية، أو أنه يصبح الحنين لتلك الأشياء التي كانت تبدو أكثر تلقائية. الشارع والناس، ذلك أكثر ما يحن له عزيز مرفق، المشي في الشارع مع أصدقائه أو وحيداً، أكثر شيء يستهويه هو المشي، ذلك أكثر ما يفقده الآن. ربما ترتب على العزل تقليل مصاريفه اليومية، وأيضاً أعاد ترتيب الأشياء التي ظل يؤجلها. شغل نفسه في ترتيب غرفته، وإعادة ترتيب مساحة كانت مهملة في حياته مع الانشغال بالضجيج الاجتماعي والعمل. ربما يحتاج البعض لمثل ذلك. لكن أكثر شيء هو الخوف من الموت، البقاء في البيت، الخوف أن ينقل العدوى لأفراد عائلته. ربما كان الأمر مختلفاً بالنسبة لشهاب المصري الذي وجد نفسه يعزل نفسه منفرداً وسط إخوانه الذين لا يأبهون بذلك.
هناك أيضاً جانب إيجابي خلال فترة البقاء في المنزل، وإن يبدو الأمر مختلطاً بمساحة من الاهتمامات، وصورة لتفريغ طاقاتنا عبر الرسم أو الموسيقى أو أي اهتمام، أو حتى البحث عن نظام نغيره ونتوافق معه، مع دفقة من الحنين للتلقائية التي تحدث دون فكرة العزل القسري.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة