fbpx

انتفاضة الأوراق النقدية في “دمت”… ما الذي حدث وكيف؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الضالع – وضاح الجليل:

ماتزال الأوضاع متوترة في مديرية دمت شمال محافظة الضالع؛ حيث تقوم جماعة الحوثي بمداهمات للمنازل واختطافات تطال ناشطين وتجاراً وطلاباً ممن تشتبه في علاقتهم بتنظيم مظاهرة ليلية شهدتها المديرية مساء الثلاثاء الماضي.
وخرجت المظاهرة ضد إجراءات جماعة الحوثي، التي تم بموجبها منع تداول الأوراق النقدية الجديدة المعتمدة من الحكومة، ما أصاب الحركة التجارية بشلل تام هناك.
وبرغم أن جماعة الحوثي قررت، في وقت سابق من العام الماضي، منع تداول هذه الأوراق؛ إلا أنها لم تتمكن من تنفيذ هذا القرار في مناطق التماس (واقعة بين محافظات تسيطر عليها الحكومة وأخرى تحت سيطرة جماعة الحوثي).
ولجأت الجماعة إلى تنفيذ قرارها أواخر أغسطس الماضي، في مدن وخطوط التماس الواقعة تحت سيطرتها.
وأسندت تنفيذ القرار إلى لجنة قدمت من العاصمة صنعاء، قبل مداهمة محلات الصرافة والمحال التجارية وأسواق القات، لمصادرة الأوراق النقدية من العملة الجديدة.
وتقع مديرية ومدينة دمت شمالي محافظة الضالع، وتتبعها إدارياً، وهي المحافظة التي كانت أجزاء كبيرة منها وقعت تحت سيطرة جماعة الحوثي في العام 2015، قبل أن تتم استعادة السيطرة عليها من قبل الحكومة، باستثناء مديرية ومدينة دمت التي تعدّ امتداداً جغرافياً لمحافظة إب.
تبعد مدينة دمت حوالي 214 كم عن العاصمة صنعاء، وحوالي 195 كم عن مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة.
وتمر عبر دمت شبكة طرق رئيسية وفرعية تربطها بعدة محافظات في كل الاتجاهات، وكانت جماعة الحوثي، وبمساعدة من القوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، سيطرت عليها في أكتوبر 2015، قبل أن تتخذها قاعدة للتوسع جنوباً.
وحالياً، تعدّ دمت إحدى أهم مناطق التماس، وتتقارب مواقع جماعة الحوثي شمالاً، والمقاومة التابعة للقوات الحكومية والحزام الأمني جنوباً، إلا أن المعارك متوقفة منذ أشهر سوى من بعض المناوشات.

حرب اقتصادية

وردا على اجراء جماعة الحوثي، اتحذت الحكومة إجراء مماثل، إذ منعت دخول العملات الأجنبية إلى المديرية مثل الدولار الأمريكي والريال السعودي.
إضافة إلى ذلك، منعت دخول القات (نبتة يتعاطاها اليمنيون بعد وجبة الغداء) القادم من عدد من المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ليباع في المدينة.
ويعدّ بيع القات أحد أهم الأنشطة التجارية في مديرية ومدينة دمت، حيث يعمل الكثيرون في بيعه وتوزيعه في المديرية ومديريات أخرى مجاورة.
وتسبب منع دخول القات إلى المديرية بركود تجاري وبطالة طالت الكثيرين. وهو ما دفع السكان في دمت إلى التظاهرات رفضاً لقرارات وإجراءات جماعة الحوثي، والمطالبة برحيلها، وعودة الأوضاع إلى سابق عهدها.
وطاف المحتجون الغاضبون شوارع مدينة دمت، وهم يرددون شعارات منددة بتعسفات الحوثيين، ويطالبون بإزاحة رموز الفساد الذين فرضتهم المليشيات في دمت لمصادرة أرزاق المواطنين، ونهب مدخراتهم المالية، بحجة منع تداول العملة الجديدة.
وشهدت مدينة دمت، أمس الأول، إضراباً شاملاً للمحلات التجارية ومحال الصرافة والمطاعم وأسواق القات، حيث لقيت دعوة الإضراب استجابة من غالبية السكان الذين حذروا من استمرار الحوثيين في تنفيذ سياستهم التعسفية.
وقد دخلت جماعة الحوثي في حرب اقتصادية مع الحكومة، اشتدت حدتها منذ قرار نقل البنك المركزي إلى عدن.
واتخذت هذه الحرب صوراً وأشكالاً عدة، منها قرار حوثي بمنع تداول الأوراق النقدية الجديدة من العملة اليمنية في مناطق سيطرتهم، والذي تسبب بشكل مباشر في حرمان نحو 70 ألف موظف في مناطقهم، من استلام مرتباتهم من الحكومة، نتيجة عجز شركات الصرافة والتحويلات المالية عن توفير السيولة المطلوبة بالعملة المحلية.
ويعدد الباحث الاقتصادي عبدالحميد المساجدي، لـ”المشاهد” الآثار المترتبة على وجود قيمتين مختلفتين للعملة اليمنية، ووجود تفاوت في أسعار الصرف لنفس العملة في منطقتين مختلفتين، من إرباك سوق الصرافة، وارتفاع حجم المضاربة بالعملة الوطنية.
وبفعل زيادة مستوى التضخم في مناطق الحكومة، وارتفاع حجم السيولة من العملة المحلية مع استمرار تدفق العملة المطبوعة؛ تهاوت قيمة العملة المحلية في المناطق الحكومية، لتصل إلى مستوى 800 ريال مقابل الدولار الواحد، بفارق 200 ريال عن قيمتها في مناطق الحوثي.
ويرجح المساجدي السبب في ذلك إلى فشل مطلق للبنك المركزي في عدن، في إدارة السياسة النقدية، وترك الحبل على الغارب لشركات الصرافة تضارب بالعملة، مقابل رقابة حوثية صارمة في صنعاء تمثلت في ربط الحوالات الخارجية الواردة ببنك صنعاء، وكذا فرض عقوبات مشددة على شركات الصرافة المخالفة، ناهيك عن التعليمات المستمرة للقطاع المصرفي، والتي أسهمت في طمأنة سوق الصرافة.
ويتابع: “هناك آثار تتعلق بارتفاع نسبة عمولات التحويلات المالية من مناطق الحكومة إلى مناطق الحوثي، وبالتالي تقلص حجم الحوالات، ناهيك عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية والخدمات، وبخاصة في مناطق الحكومة”.
وارتفعت العمولة على الحوالات النقدية من مناطق الحكومة إلى مناطق الحوثي، إلى 31%.

حرمان من مرتبات الحكومة

تنفرد مديرية دمت من بين كل المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، بتقاضي موظفي الدولة فيها رواتبهم بانتظام، وفي نفس مواعيد صرف المرتبات في مناطق سيطرة الحكومة، وذلك بسبب تبعيتها إدارياً لمحافظة الضالع التابعة للحكومة، إلا أن قرار الحوثيين بمنع تداول العملة الجديدة؛ يتسبب في منع تقاضي هؤلاء الموظفين رواتبهم التي يستلمونها بهذه العملة، وهو ما يؤدي بالتالي إلى نقص كبير في العملة المتداولة في المديرية.
وكانت الإجراءات والقرارات الحوثية بمنع تداول الأوراق النقدية الجديدة، تسببت بأضرار وخسائر لهؤلاء الموظفين وغيرهم من التجار والمواطنين؛ حيث يتم تبادلها مع الأوراق القديمة بفارق كبير بينهما، بنسبة تصل إلى 1.4 من العملة الجديدة مقابل 1 من العملة القديمة، أي أن ألف ريال من العملة القديمة تساوي 1400 ريال من الجديدة، بحسب أهالي ومواطني المديرية.
وبرغم أن جماعة الحوثي ترفع شعارات مقاطعة من تسميهم “العدوان” و”المرتزقة” و”المنافقين”، وهي كافة الأطراف التي تخوض الحرب ضدها؛ إلا أنها لم تسعَ إلى مقاطعة اقتصادية وتجارية مع هذه الأطراف، حيث تتدفق البضائع والأوراق النقدية عبر خطوط التماس، وتستمر المعاملات التجارية، الأمر الذي يحقق للحوثيين عوائد مالية ضخمة.
وبحسب المصادر المحلية في المديرية؛ تؤدي الحركة التجارية الواسعة، والأرباح التجارية لرجال الأعمال والتجار وأصحاب المحلات، إلى تحصيل ضرائب بأرقام كبيرة؛ عوضاً عن الأتاوات والتبرعات التي يتم جمعها في المناسبات أو حتى بدون مناسبات.
وبحسب جابر الزايدي، وهو باحث وناشط مقيم في دمت، في حديثه لـ”المشاهد”؛ فإن الحوثيين استثنوا دمت من إجراءاتهم التعسفية اقتصادياً، وسمحوا بتدفق الأوراق النقدية عبر دمت، خلال الفترة الماضية؛ لأن رواتب الموظفين تخفف من مسؤوليتهم بتحمل رواتب موظفي الدولة في دمت، ويضاف إلى ذلك أن هذه الرواتب تأتي من مناطق خارج سيطرتهم، ليتم تداولها في مناطق سيطرتهم، وهو ما يعزز من عوائد الضرائب والأتاوات.

إقرأ أيضاً  من يوقف تشغيل مصفاة عدن؟

خنق الحكومة واستنزاف اقتصادها

وبرغم أن الحوثيين يرفضون التعامل بالأوراق النقدية الجديدة؛ إلا أن تلك خديعة يجيدون تمريرها على المواطن البسيط، بحجة الحفاظ على العملة الوطنية من الانهيار، إلا أنهم يعملون بذلك على خنق الحكومة واستنزافها اقتصادياً، ومحاولة لإجبارها على تقاسم المطبوعات والاعتمادات والاعتراف بالعمليات المصرفية التي تجريها فروع البنك المركزي تحت سيطرتهم من جهة، وإيجاد حلول لانعدام السيولة النقدية في مناطق نفوذهم، كما يقول الزايدي.
ويتابع: “ومن ناحية أخرى، فإن الأوراق النقدية القديمة يتم تبادلها مع الجديدة بفارق ربح كبير، وهو ما يعزز من قوة الأوراق النقدية القديمة التي يتحكمون بها”.
وعن سبب تغير موقف الحوثيين بشأن الأوراق النقدية الجديدة، ومنع تداولها مؤخراً في دمت، بعد أن كانوا سمحوا بتداولها خلال الأشهر الـ9 الماضية؛ يشير الزايدي إلى أن الحوثيين سمحوا بتداول الأوراق النقدية الجديدة، لأنه كان من الصعب استبدال الكميات التي تصل منها إلى المدينة كرواتب للموظفين، وكان إيقافها ليس لمصلحتهم، لكنهم وبعد كل هذه الأشهر وجدوا أن السلع القادمة من مناطق سيطرة الحكومة والقوات المحسوبة عليها، تتسبب في خروج أوراق نقدية كبيرة من الفئتين القديمة والجديدة من تحت سيطرتهم، الأمر الذي يقلل من الفوائد التي كانوا يتوقعونها.
ويَذكر أن قادة حوثيين حاولوا عدة مرات إيقاف ومصادرة رواتب موظفي الدولة في المديرية.
ولأكثر من مرة، احتجز القيادي الحوثي في المديرية أحمد حطبة؛ رواتب موظفي التربية في بريد دمت، والتي تقدر بـ80 مليون ريال شهرياً؛ بالتواطؤ مع مدير عام المديرية سلطان فاضل، ومدير تربية دمت نصر الحمري، المؤيدين للحوثيين، لكن أوامر كانت تأتي من صنعاء بالإفراج عن هذه المبالغ، وصرفها لمستحقيها.

استراتيجية التأني والقمع

يتوقع الناشط محمد الحقب، أن يتراجع الحوثيون عن تنفيذ قرار منع تداول أوراق العملة الجديدة، أو يؤجلوا التنفيذ، ويتم السماح بتداولها مؤقتاً خلال الفترة القادمة على الأقل، لاسيما بعد حالة من الغضب الشعبي العام التي ظهرت جلياً في حالة إضراب وعصيان مدني ومسيرات واحتجاجات تعبر عن حالة سخط كبير لدى معظم الأهالي بجميع توجهاتهم وأطيافهم، بمن فيهم مناصرون لسلطة الأمر الواقع، لأن معاناة الناس واحدة ولا تتجزأ.
لكنه يحذر من أن استمرار الانهيار سيستمر بالهيمنة على الأجواء في مديرية دمت التي تقع في قلب العاصفة وحدود التماس في جبهات الحرب.
ويقول الحقب إن المعاناة سوف تستمر باستمرار زيادة عمولة التحويل عن بقية المحافظات الأخرى، فالانقسام المالي بين العملتين، بالإضافة إلى فارق الصرف، وزيادة حالة العرض والطلب بين العملتين، ومبالغ جباية الضرائب الكبيرة من السلطة المحلية، والارتفاع الجنوني لأسعار السلع والمواد الغذائية والمشتقات النفطية والغاز بزيادة 30% عن بقية جغرافية اليمن، تفاقم حالة الفساد المالي والإداري.
ويتوقع ناشط آخر تحدث لـ”المشاهد” (فضل عدم ذكر اسمه)، أن الحوثيين سيحاولون تطبيع الأوضاع خلال الفترة القادمة، وعدم اتخاذ إجراءات تزيد من سوء الأوضاع، بعد المظاهرات التي كشفت عن احتقان شعبي ضدهم، مشيراً إلى أن الحوثيين لا يريدون المجازفة بدفع الناس إلى مساندة القوات الموالية للحكومة من ناحية، ولا يرغبون في حدوث مواجهة عسكرية في المديرية التي تعد إحدى أكثر المناطق إسهاماً في تحقيق الدخل المركزي، وما يمثله ذلك من عوائد مالية لهم، في الوقت الحالي على الأقل، منوهاً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيراً في هذا الصعيد.
ويحذر الناشط أهالي وناشطي مديرية دمت، من أن الحوثيين لن يسمحوا بمرور المظاهرات مرور الكرام، وأنهم قد بدأوا باتخاذ أعمال القمع والتعسف، وأن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات قمعية احترازية.
وبدأ الحوثيون في المديرية حملة مداهمات طالت عدداً من منازل الناشطين والتجار الذين تشتبه الجماعة بمشاركتهم في تنظيم وقيادة المظاهرات.
وتفاوتت المعلومات حول عدد الأشخاص الذين تم اعتقالهم، ما بين 3 و12 شخصاً؛ غير أن “المشاهد” حصل على اسم أحد المختطفين، وهو عمار الرقيمي الذي يعمل في بيع القات.
ويتخوف الناشطون من إجراءات قمعية شديدة ستطال عشرات أو مئات الأشخاص في المديرية، وذلك بعد ظهور نوايا لدى جماعة الحوثي لمعاقبة منظمي المظاهرة، واتخاذ إجراءات احترازية من خروج مظاهرات أخرى خلال الأيام القادمة.

إجراءات مطلوبة

لم يصدر عن الحكومة رد فعل أو بيان حول ما حدث في دمت، باستثناء اتهامها للحوثيين بالسعي للإضرار بالاقتصاد الوطني، وسلب مدخرات المواطنين بإلغاء الأوراق النقدية، واسغلال الواقع الاستثنائي الذي تعيشه البلاد.
ويشدد الباحث المساجدي على ضرورة تحرك الحكومة بسرعة لضبط قطاع الصرافة من خلال ربط الحوالات الخارجية بالمركز الرئيسي للبنك المركزي في عدن، وتوريد جميع المساعدات الخارجية إلى حسابات البنك المركزي، وربط جميع فروع البنك في المحافظات بالمركز الرئيسي، ناهيك عن توريد جميع الإيرادات الحكومية إلى وعاء واحد.
ويطالب بتفعيل ورفع الحظر عن حسابات البنك المركزي في الخارج، وإعادة الثقة للقطاع المصرفي، ومحاربة شركات الصرافة المضاربة بالعملة، مؤكداً أن هذه الإجراءات ستعمل على تهدئة السوق.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة