fbpx

المشاهد نت

هانكس في عدن وزيادة المجانين بفعل الحرب

عدن – رضوان فارع:


“بعدين بتعرف من أنا، لا تستعجل”، لم تكن هذه لغة تهديد ووعيد من قائد عصابة أو مسؤول عسكري أو شيخ قبلي، إنما كانت إجابة أحد المجانين في عدن أثناء عمل لقاء صحفي معه لنقل قصته.
رفض الإفصاح عن اسمه، والأكيد أنه نسي اسمه، وتركه إلى الأبد، فالرجل لم يعد بحاجة إلى اسم ليتعرف عليه الناس، ولا بحاجة إلى بطاقة تعريفية أو جواز سفر، في بلد مثل اليمن، لا يلتفت فيه أحد ولا أية جهة رسمية إلى حال من فقدوا عقولهم وشردوا إلى الشوارع والوديان والأماكن المهجورة ليعيشوا في عالمهم الخاص.

“توم هانكس” اليمن

قصة هذا الرجل الذي فقد عقله، أو لعله يعاني من حالة نفسية مطابقة لقصة تشاك نولان في الفيلم الأمريكي (cast away) أو البائس بالعربية. يحكي الفيلم قصة نولان الذي عمل موظفاً في شركة شحن جوية؛ وسقطت به الطائرة في المحيط، وأدى توم هانكس دوره العالق في جزيرة غير مأهولة بعد تحطم طائرته في جنوب المحيط الهادئ. ويصور الفيلم محاولاته اليائسة للبقاء على قيد الحياة والعودة إلى الوطن.
توم هانكس اليمن انضم بعد 2015، إلى من يسموهم “المجانين”، يؤدي الدور ذاته من البحر على ساحل أبين بمدينة عدن اليمنية، وقد ضمن البقاء على قيد الحياة، لكن دون أمل العودة إلى الوطن.
يتمتم توم هانكس بكلمات متقطعة لـ”المشاهد”، من وسط كومة طحالب جمعها من البحر، ووضعها على شكل هلال، وصنع منها فراشاً، لتكون منزله الأبدي.
من بين أكوام الطحالب يُخرج هانكس رأسه قائلاً: “أنت تعرفني أو لا، أنت صاحبي، أهلاً وسهلاً بك في أي وقت هنا”.
حاولت الاقتراب من هانكس لمعرفة تفاصيل حياته، معاناته ومطالبه، ينظر نحوي بخجل ويبتسم: “كل شيء تمام يا صاحبي”.
يقول هانكس: البرد هنا قوي في البحر، ويفرك كفيه لعله يشعر بالدفء، ويتوقف عن الحديث. وبدون تنبيه يغادر هانكس المكان، ويتركني بجانب أكوام الطحالب، ما يضطرني للانتظار حتى يعود لاستكمال القصة.
بعد ساعة يعود توم هانكس إلى المكان، محملاً بأعواد وخشب وكيس بلاستيكي بداخله قات، يضع الأخشاب، ويرتب مكانه الخاص للمقيل (مضغ القات).
يشعل هانكس النار، ويرمي الأخشاب لتحترق. يبتسم ويشعرك بالدفء الذي أشعله، ويقول: “البرد قتلنا”. يكرر نظراته إليَّ، ويكرر كلمة “لا تستعجل”.


ما اسمك؟ يمد ساقيه ويجيب: بعدين بعدين ستعرفني، أي وقت تأتي للبحر تعال هنا عندي. يتحدث كأن البحر والساحل ملكه، يشرد كثيراً، ويعيد نظراته إلى البر، ويتحدث: أنا أحتاج إلى قليل من المال، اعطني 200 ريال، وإذا ما عندك خلاص شكراً.
يبدأ توم هانكس بمضغ القات في الفناء الخلفي لفراشه المنسوج من الطحالب.
يعيش هانكس منذ 4 سنوات، في هذه المنطقة، لا يغادرها إلا لحاجة ماسة لجلب ماء للشرب أو أكل.
بثيابه المهترئة التي تحكي تفاصيل قساوة الحياة التي يعيشها هانكس اليمن، يقوم من مكانه، ويتجه إلى البحر، ويعود بسمكة صغيرة قذفها البحر إلى الساحل، ليضعها على النار، ليأكلها كوجبه عشاء.
عندما يأتي زوار، بينهم نساء، إلى الساحل بالقرب من محل إقامة هانكس، فإنه يغادر المكان احتراماً للعوائل التي تأتي إلى المكان للتنزه.

“أنا أرومُو، أنا وريا”

لا توجد إحصائية رسمية للمصابين بالأمراض النفسية والعصبية والعقلية في اليمن، ليبقى عدد هذه الشريحة مجهولا. ويُشاهد العشرات ممن يطلق عليهم المجانين يتجولون في شوارع العديد من المدن اليمنية.
ويؤكد نائب رئيس مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في عدن، شكري مرشد: “الحالات المصابة بالأمراض النفسية والعصبية والعقلية، زادت بالتأكيد بعد تفجر الحرب في اليمن عام 2015”.
على الجهة الأخرى من البحر في خور مكسر، وبجانب مستشفى الجمهورية (مستشفى الملكة إليزبيث سابقاً)، يقيم شخص مختل عقلياً، من اللاجئين الأفارقة إلى اليمن.
بالقرب من هذا المختل، يوجد برميل قمامة يذهب إليه، ويستخرج منه رغيفاً وبقايا طعام، ويجلس ليتناول وجبة الغداء عند اللقاء به.

المكان الذي يسكن فيه أحد المرضى النفسيين


“أنا أرومُو، أنا وريا”، مع ابتسامة كبيرة؛ هاتان العبارتان فقط اللتان يجيدهما هذا اللاجئ الذي فقد عقله، وصار يحمل منزله على ظهره؛ من غطاء ممزق وبطانية تكسوها الأتربة.
لم نستطع معرفة ماذا حصل لهذا اللاجئ الأفريقي الذي وصل إلى عدن. هل فقد عقله في بلاده التي كانت تعيش حروباً وصراعات؟ أو في رحلة الهروب من بلده إلى اليمن، والتي لا تخلو من الموت والمخاطر في عرض البحر والطرقات؟ أو في معابر اللاجئين التي تتوزع بين البر والبحر والصحاري والسواحل، حيث يقع الكثير منهم بين يدي العسكر، ويتعرضون للاعتقال، ومنهم من شاهدوا حوادث غرق وقتل لرفاقهم وأقاربهم أثناء رحلة الهروب من بلدانهم.

إقرأ أيضاً  التغيرات المناخية تفاقم المأساة الإنسانية في اليمن

قتل المجانين بتهمة العمل مخبرين


تعرض المصابون بالأمراض العقلية والنفسية والعصبية، لعمليات قتل وتصفيات واعتقال وسجن، منذُ اندلاع الحرب في اليمن، خصوصاً في مناطق المواجهات.
وقد شاع بين اليمنيين إبان حكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، أنه كان يُجند أفرداً من الأمن على هيئة مجانين لجمع المعلومات، ويوزعهم كمخبرين في المدن وبعض المناطق التي لاقى فيها معارضة لحكمه، مما جعل هذه الفئة هدفاً لأطراف الحرب اليمنية، والتي راح فيها المئات من الضحايا بين قتيل وسجين.
يقول خالد محمد، أحد سكان عدن لـ”المشاهد”: “وجد المجانين أنفسهم وسط الرصاص وواقع لا يرحم، فكل طرف يرى في المجنون خصماً أو جاسوساً عليه، وصارت هذه الفئة من الناس هدفاً للبنادق والسجن والتعذيب، في الوقت الذي غابت فيه الجهات والمنظمات أو الجمعيات التي تهتم بشأنهم”.
ويؤكد محمد على وقوع إعدامات لمختلين علقياً أمامه في مدينة عدن، أثناء الحرب وما بعد الحرب، بحجة أن هؤلاء يعملون كجواسيس.
ويضيف:” تعرض كثير من المختلين لعمليات قتل من مسلحين في الشوارع، وبعضهم تم إخفاؤهم، ولم يعودوا إلى الشارع، ولا نعلم عنهم شيئاً بعد الاختفاء”.

عيادة الأمراض النفسية والعصبية في عدن تستغيث

لا توجد جهات معنية لرعاية المختلين علقياً في اليمن، إلا مستشفيات يتيمة في بعض المُدن الرئيسة، وتعمل بميزانيات محدودة جداً لا تغطي احتياجات المرضى، ولا أجور المتعاقدين.
مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في عدن، يعاني من شحة الإمكانيات وميزانية لا تفي باحتياجات المرضى المرقدين والمرضى الزائرين للعيادات الخارجية التابعة له.
ويقول نائب مدير المستشفى، الأخصائي النفسي، شكري مرشد، لـ”المشاهد” إن المستشفى يعمل بميزانية 36 مليون ريال في العام، تتوزع على 12 شهراً في كل شهر 3 ملايين، مخصصة للأدوية والغذاء والنظافة ورواتب تعاقدية.
ويطالب مرشد بوضع حلول عاجلة لانتشال المستشفى قبل التعثر، فالمستشفى بحاجة عاجلة إلى رفع الميزانية التشغيلية، وتثبيت المتعاقدين، وتأهيل المباني والأقسام المغلقة، وزيادة كميات الأدوية المجانية المعتمدة لصرفها للمرضى.
ويضيف أن المستشفى يعمل بطاقم مكون من 32 ممرضاً وممرضة موزعين على 3 ورديات، ويتقاضى كل ممرض منهم راتب 15 ألف ريال في الشهر (16 دولاراً أمريكياً)، وجميع هؤلاء بحاجة إلى تثبيت وحوافز كونهم يعملون في بيئة غير طبيعية وصعبة جداً.
ويتابع أن عدد الحالات المرقدة في المستشفى 120 حالة موزعة على 4 أقسام، منها قسم خاص بالنساء فيه 27 حالة، وباقي الحالات رجال.


ويزيد: “المستشفى بحاجة إلى تأهيل المباني وميزانية لتشغيله، إذ إن الميزانية المعتمدة لا تكفي لتشغيل مستشفى تعليمي لعلاج الحالات النفسية والعصبية والعقلية”.
ويؤكد مرشد أن المستشفى ليس مركزا لإيواء حالات الأمراض النفسية كما يظن المجتمع والجهات المعنية. موضحا أن هذه النظرة للمستشفى حرمته من التطوير.
و”يوجد في المستشفى 8 أقسام قدرتها الاستيعابية 280 سريراً، العاملة منها 4 أقسام، فيما البقية بحاجة إلى إعادة تأهيل” يقول مرشد.

زيادة المجانين في مناطق الحرب

أكثر المرضى المرقدين في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، هم من مناطق الصراع، كمحافظات الضالع وأبين والبيضاء، وأكثر الفئات من المرضى هم من كبار السن، بحسب مرشد.
مؤكداً أن هناك بعض الحالات تتماثل للشفاء، ولكن لا يستطيع إخراجها وإعادتها إلى مناطقها، بسبب الأوضاع، ورفض الأهل الذين لا يأتون إلى أخذ مرضاهم بعد تماثلهم للشفاء.

“أشتي زواجة”


مجنون آخر قادم من محافظة تعز (جنوبي غرب اليمن) للعيش في مدينة عدن الجنوبية، يدعى علي الخديري. يتحدث لـ”المشاهد” قائلاً: “كنت أعمل في عدن قبل الحرب، وقرح عليَّ فيوز في 2016، بعد أن عمل لي شخص شخاطط” (سحر)، بحسب قوله”.
الخديري يعاني من حالة نفسية وبحاجة إلى علاج”
يقول عن نفسه : “قرح فيوز واحد فقط، فيما بقية الفيوزات شغالة تمام، وإذا حصل على المال ومرأة يتزوجها سيعود له الفيوز القارح”.
يطلق على المجانين في اليمن أو من يعانون حالات نفسية وعصبية “قرح فيوز”، تعبيراً عن وصف الحالة التي يصل فيها الشخص المريض، وبعضهم يطلق عليهم أنهم قرحوا جميع الفيوزات، وهذا الذي يكون وصل إلى مراحل متقدمة من الجنون.
يتحدث علي بحزم مع من يقابله، فهو يتسم بالجدية عندما تطلب منه الحديث، بعكس الحالات السابقة التي التقيت بها من رفاقه في شوارع عدن، ولعل الأمر يعود إلى أنه لم يصل إلى مرحلة حرجة من المرض، وكما يقول إنه فقد فيوزاً واحداً فقط.
يأمل علي أن يتزوج، ويكون لديه أسرة، لكن لا يستطيع بسبب الفيوز الذي قرح عليه، وعدم وجود مال، بحسب قوله.

مقالات مشابهة