fbpx

المشاهد نت

أنْ تعيش خُلسة…!

تعز – بسام غبر :

فجأة تجد نفسها، بين عشيّة وضحاها، تسترق العيش، وتتلصص على بقايا حياة من حولها، ولا أحد في المكان سواها.

هي ذي سحر (32 عامًا)، تركتْها يد زوجها فجأة دون سابق إنذار، وأخبرها برسالة عبْر الموبايل “ما عاد لي رغبة فيك، وحبك زال من قلبي، وأنتِ طالق”.

تقول سحر عن زوجها الذي كان: “عندما علم بأني تعرضتُ للناسور الشرجي، قال هذه ما تلزمناش، هذه ناشز”، تركها غير آبهٍ بمصيرها؛ مما “زادني جرحًا فوق جرحي”.

تعرضتْ سحر للناسور الولادي حين وضعت مولودها الأول، عانت منه كثيرًا، ولم تكن تعلم أنها مصابة به إلا بعد أن زارت الطبيبة، مؤكدة أن إصابتها بذلك وتخلّي زوجها عنها، سبّبا لها حالة نفسية أليمة “رغم أني كنت متمسكة بالله عزّ وجلّ، إلا أني عشتُ حالات من الإحباط”.

والناسور الولادي عبارة عن ثقب أو شق في جدار المثانة والمهبل، ويسمى الناسور المثاني المهبلي، يصيب المرأة بحالة من التبول اللا إرادي، وإذا كانت الفتحة متصلة بالمستقيم تخرج الفضلات بدون تحكم، ويسمى الناسور الشرجي، بحسب الدكتورة خولة اللوزي – أخصائية أمراض نساء وتوليد.

وأوضحت اللوزي، وهي مسؤولة الدعم النفسي بوحدة الناسور الولادي بمستشفى الثورة العام بصنعاء، أنّ أعراض الإصابة به تتمثل بـ”عدم التحكم بخروج البول أو الغائط، وحدوث تقرحات في الفرج، ورائحة كريهة تُلازم المريضة طوال الوقت، تجعلُ كل من حولها يفرّ منها، فتتعرض للعزلة والبقاء في مكان لوحدها، مما يؤثر في نفسيتها، ويُسببُ لها مشاكل صحية ونفسية”، مشيرة إلى أنه يسمى بـ (المرض الصامت)؛ كون “المصابة لا تجرؤ على البوح به”.

وأكدت اللوزي أن أسباب هذا المرض تكمن في “الولادة المنزلية التي تغيب عنها الأيادي العاملة المتخصصة من طبيبات وقابلات مدرَّبات، والولادة المتعسرة التي تمتد إلى أكثر من 72 ساعة بسبب ضغط رأس الجنين على الحوض؛ مما يُقلل عدم التروية، ويحصل تفتّك في الأنسجة”، ويحدث عادةً لدى “الأمهات القصيرات القامة، والمهمشات اللواتي لا يتوفر لهن تثقيف ووعي صحي”.

ولفتت اللوزي إلى أنه “يمكن معالجة الناسور الولادي بعملية جراحية تصحيحية، تعيد المصابة كما كانت من قبل، ولم تغفل عن الإشارة إلى ضرورة أن “المصابة تحتاج عقب العملية إلى علاجٍ نفسي لإعادة دمجها في المجتمع”.

وفي ظل هذا الوضع من عدم الوعي بهذا المرض، ثمة جهود يقوم بها صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، كتأسيس وحدتين لمعالجة الناسور الولادي في مستشفى الثورة العام بصنعاء، ومستشفى الصداقة بعدن، وإجراء عمليات فيهما للمصابات مجانًا.

إقرأ أيضاً  سيدات الأعمال بحضرموت.. نجاحات تتجاوز أسوار المنازل

وأوضحت الدكتورة أفراح ثابت، أخصائية الصحة الإنجابية بالصندوق، أنه “يتكفل الصندوق بنقل المريضات من قراهنّ ومديرياتهن ومحافظاتهن، وإجراء العمليات لهنّ ومعالجتهنّ، وتوفير جميع احتياجات المريضة من معدات طبية وأدوية، وتزويدها بحقيبة ملابس ومستلزمات تخص المرأة”، وبعد معالجتهن يتم “تقديم الدعم النفسي لهنّ لإعادة دمجهنّ في المجتمع”.

وتتوقع ثابت وجود حالات كثيرة مصابة بالناسور الولادي في اليمن، وخاصة “في المناطق الريفية والنامية التي لا تتوفر فيها خدمات طوارئ أو مرافق توليدية”، وأن الظروف الأمنية في البلاد “لم تُمكننا من تنفيذ مسوحات لمعرفة مدى انتشار هذا المرض”.

ولفتت ثابت إلى أن الناسور الولادي “يُعد من القضايا المغيَّبة التي يجهلها الكثير، ولا يعيرونها أيّ اهتمام”، وأن الصندوق حرص على التعريف به، و”استهدف عددًا من الصحفيين والصحفيات بدورات تدريبية؛ للكتابة عن المرض والمصابات به، بالإضافة لتنفيذ حملات توعوية بأعراضه وكيفية التعامل معه”.

ذكرى العريقي، أستاذة علم الاجتماع المساعد بجامعة تعز، قالت إن الناسور الولادي هو مرض عضوي كبقية الأمراض، إلا أنه “من الأمراض التي لها بُعد اجتماعي، ومرتبط بنظرة وتعامل المجتمع مع المصابة به، التي تؤثر في مستوى علاجها وتعافيها”.

وأوضحت العريقي أن مريضات الناسور يُصَبن بالمرض دون أن يعلمن ماذا حلّ بهنّ؛ كون “المجتمع ذاته لا يعرف عن المرض ولا يدرك أسبابه وآثاره”، وترى أن هذا “من أبرز المعضلات التي تواجه تجنُّب هذا المرض”، ولتجاوز ذلك شددت على ضرورة “تنفيذ حملات توعوية للمجتمع بكافة شرائحه للتعريف بالمرض وسُبل الوقاية منه وطرق علاجه”.

وماذا عن سحر!

ما إنْ تماثلت سحر للشفاء، بعد خضوعها لعملية جراحية، أعادتها إلى حياتها الطبيعية كما كانت، إلا وأبدى زوجها رغبته في العودة إليها، ولمّ شمل الأسرة كما حدّثها، إلا أنها رفضت تلك الرغبة؛ كونه “تخلّى عني، لم يقف معي، لا بكلمة ولا بعلاج، ولا بأي شيء”.

قاومت سحر كل ما تعرضتْ له من مرض، وكل ما لاقته من نبذ، أماطت عنها الحجاب، وعاهدت نفسها ألّا تعيش خُلسة، بل تعيش كما هي، سحر وحسْب…!

تنشر هذه القصة بالتزامن مع نشرها في منصة ” صوت إنسان “ “وفقا لإتفاق بين المشاهد والوكالة الفرنسية لتنمية الاعلام CFI

مقالات مشابهة