fbpx

المشاهد نت

المنتصرات على كوفيد 19.. من داخل غرف الغسيل الكلوي

عدن – بديع سلطان
“لم يكونوا يمرون مرور الكرام.. ولم يكن طريقهم مفروشًا بالورود، بل على العكس تمامًا، كان دربًا متخمًا بالمخاطر والتحديات”. 

بهذه الصورة، تُلخّص مديرة الشئون التمريضية بمركز الغسيل الكلوي بمدينة عدن اليمنية، نبيهة باماجد، وضع طاقمها التمريضي النسوي خلال رحلتهنّ للوصول إلى المركز، وأداء واجبهنّ تجاه المرضى.

أحيطت عدن خلال شهر مايو/آيار الماضي، بهالةٍ حالكة من الاضطرابات والكوارث، العسكرية والصحية والطبيعة، منعت من فيها ممارسة حياتهم بشكل سلس وطبيعي، إلا أن ممرضات مركز الغسيل الكلوي، لم يستسلمنّ لهكذا وضع.
تعتقد باماجد أن ممرضات المركز، كنّ حريصات على عدم التأخر عن مرضاهنّ، ممن لا يستغنون عن جلسات الغسيل التي يقدمها المركز التابع لمستشفى الجمهورية النموذجي العام بعدن.

كان كوفيد 19، قد انتشر في المدينة، وسط تكتيم رسمي، وإنكار من الأهالي، وتزامنت الجائحة مع كوراث للسيول والفيضانات التي ضربت عدن، ونتج عنها انتشارًا مفجعًا لأوبئة الحميّات، بالإضافة إلى المواجهات العسكرية والأمنية التي لم تتوقف.

“خلال تلك الفترة العصيبة، أبريل/نيسان، ومايو/آيار، واصل مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهورية النموذجي العام بعدن، تقديم خدماته لمرضى الفشل الكلوي”.. تقول نبيهة باماجد.

وتضيف: “رغم حظر التجوال وإغلاق مراكز الغسيل الأخرى في المستشفيات الحكومية، وكوارث الفيضانات والسيول التي ضربت مدينة عدن؛ إلا أن مركز غسيل الجمهورية ظل وفيًا ومخلصًا لرسالته الإنسانية، بفضل ممرضيه، وخاصةً النساء منهنّ”.

استقبال مرضى الفشل المصابين بكوفيد 19
وتؤكد مديرة المركز للشؤون التمريضية أن المركز ظل صامدًا أثناء فترة انتشار فايروس كوفيد 19، خلال شهر رمضان الماضي وما بعده، دون أن تتأثر الخدمات المقدمة.

وكشفت عن استقبال المركز حوالي 40 حالة من مرضى الفشل الكلوي المصابين بفايروس الجائحة، بالإضافة إلى أن البعض منهم كان مصابًا بأمراضٍ وأوبئة أخرى مثل حمى الضنك والمكرفس وغيرها من الأسقام التي اجتاحت عدن خلال تلك الفترة.

وقالت باماجد: “إن الفترة الماضية كانت قاسية، وشكلت تحديًا بالنسبة لنا، خاصةً وأن المصابين بكورونا أو بأمراض الحميات الأخرى، لم يستطيعوا تلقي العناية المناسبة في المستشفيات الأخرى التي أُغلقت أبوابها بسبب انتشار الجائحة”.

واستطردت: استطعنا العبور بعدد من الحالات المصابة بالفشل الكلوي والمصابين بكوفيد 19، أو ببقية أمراض الحميّات الأخرى إلى بر الأمان، وكنا نواصل استقبالهم في المركز لعمل جلسات الغسيل الكلوي، حيث تماثلت حالات كثيرة للشفاء من الفايروس والحميات.

ولفتت مديرة مركز الغسيل إلى أن هناك عدد من الحالات المصابة بالفشل توفت نتيجة إصابتها بمضاعفاتٍ أخرى جراء كوفيد 19 والحميّات والأمراض المزمنة التي كانوا يعانون منها، متمنيةً من الله أن يرحمهم.

خدمات مستمرة رغم المخاطر وقلة وسائل الحماية
تشير نبيهة باماجد إلى أن طاقم مركز الغسيل الكلوي في مستشفى الجمهورية بعدن، أغلبهم من النساء، واجه الكثير من الصعوبات حتى يحافظ على استمرار الخدمات المقدمة في المركز وجلسات الغسيل.

وأكدت باماجد أن الطاقم بذل جهودًا كبيرة حتى يستمر المركز في أداء خدماته للمرضى، خاصةً في ظل قلة وسائل الحماية والوقاية من الأوبئة والأمراض، وانعدام الأمان في ظل مخاطر الاشتباكات المسلحة وتدفق الفيضانات.

وأضافت: ورغم أن مثل هذه البيئة تمنع حتى الرجال من الحضور، وممارسة واجبهم، إلا أن الطاقم النسوي استطاع أن يتغلب عن كل هذه التحديات والمخاطر، ويواجهها بكل شجاعة؛ انطلاقًا من إيمانه برسالته الإنسانية والمهنية.

شهادات مرضى الغسيل
لم يكن هذا رأي القائمين على مركز الغسيل في مستشفى الجمهورية النموذجي العام فقط، بل كان انطباعًا حقيقيًا لمسه مرضى الفشل الكلوي المتوافدين على مركز الغسيل.
حيث حرصنا على مقابلة عدد من المرضى، ممن كانوا يخضعون لجلسات الغسيل، خلال جائحة كوفيد 19.

المريضة سعيدة أبوبكر -تغسل في المركز منذ سبع سنوات- تؤكد أن المرضى واجهوا صعوبات جمة حتى ينتظموا في جلسات الغسيل، رغم حظر التجوال بسبب كوفيد 19، والمواجهات المسلحة والسيول التي عاشتها عدن.

وتشير إلى أن المرضى حين كانوا يتأكدون من تواجد طاقم مركز الغسيل رغم كل تلك المخاطر، وتكبدهم عناء الوصول للمركز، ويضطرون مجيء ووصول المرضى لبدء جلسات الغسيل، كان المرضى يتشجعون ويحضرون إلى المركز حتى لا يذهب تعب وعناء الطاقم سدى.

وأضافت سعيدة: أن تدفق الأمطار تسبب بتعطيل محطة الغسيل أكثر من مرة، إلا أن العاملين في المركز كانوا يجتهدون ويقومون بصيانتها في وقت قياسي حتى تعود المحطة للعمل من جديد، ومن بينهم ممرضات، وهو أمر ليس بالسهل.

خطر وقلق.. وتضحية
وأوضحت المريضة سعيدة أن من أكثر التحديات كان حظر التجوال المفروض بسبب انتشار كوفيد 19، وهو ما سبّب الكثير من المخاوف والقلق للمرضى نتيجة احتمالات توقف جلسات الغسيل، غير أن الطاقم والعاملين في المركز تواجدوا وتجاوزوا الأزمة وهذا الوضع الحرج، وواصل المركز عمله وأصبح المرضى يغسلوا بشكل طبيعي، رغم أن بعضهم كان مصابًا بالفايروس.

إقرأ أيضاً  استحداثات عسكرية إمارتية جديدة بمطار الريان

واعتبرت المريضة سعيدة أن هذه تضحية قام بها القائمون على مركز الغسيل الكلوي، في ظل ظروف قاهرة، تجاوزوها من أجل المرضى وكانوا يحضرون حتى في حظر التجوال، رغم تغيب بعض المرضى لذات الأسباب.

وأشارت إلى أن في هذا التوقيت كانت أغلب المستشفيات مغلقة مثل مركز الغسيل الكلوي في مستشفى الصداقة، وغيرها من مراكز الغسيل الحكومية، إلا أن طاقم مركز غسيل الجمهورية ظل صامدًا واستمر في العمل، لهذا فهم يستحقون منا (تعظيم سلام).

واقع الحصول على جلسات الغسيل
وتتحدث الممرضة، نجلاء فتحي، العاملة بمركز الغسيل في مستشفى الجمهورية بعدن، عن أن مريض الفشل الكلوي لا يتمكن من إجراء جلسة الغسيل، إما بسبب تأخره لدقائق معدودات عن موعد إجراء الجلسة، أو بسبب ازدحام المرضى الذين يخضعون للغسيل في اليوم نفسه، أو بسبب الحرب الدائرة في المدن المضطربة؛ ما يسبب له مضاعفات.

وأشارت إلى حرصها وزميلاتها الممرضات على الوصول إلى المركز، وتهيئة الأجواء لجلسات المرضى، حتى يأتوا في الوقت المحدد لهم، وكل شيء جاهز ومرتب لعمل الغسيل.

وتؤكد نجلاء، أنها ونظيراتها تعاهدنّ على تأدية واجبهنّ رغم مخاطر كوفيد 19، وتقبلنّ التعرض للمضايقات خلال طريق وصولهنّ من منازلهنّ إلى المركز، بسبب حظر التجوال والاشتباكات المسلحة، والتعامل حتى مع مرضى الفشل الكلوي المصابين بكوفيد 19، مع الأخذ بكل الإجراءات والاحتياطات الاحترازية.

وتقول: “كان يدور في خلدنا أوضاع أولئك المرضى، الذين تكبدوا عناء السفر من محافظات مثل أبين ولحج، حتى يصلوا إلى عدن لإجراء جلسات الغسيل، وتفكيرنا بهؤلاء هو ما يدفعنا على الالتزام والحضور، ومواجهة المخاطر لتقديم خدمة التمريض والغسيل لكل محتاج”. 

ويشير واقع هذا المرض في اليمن، أن هناك ضغط كبير على مراكز الغسيل في المدن الرئيسة، لكثرة المرضى القادمين من الأرياف والمدن المفتقرة لمراكز الغسيل، كما أن بعض هذه المناطق شهدت مواجهات مسلحة، أدت إلى صعوبة وصول المرضى.

ويبدو أن هذا السبب هو ما حتّم على نجلاء ومثيلاتها من الممرضات على تحدي الظروف الأمنية والصحية، والتواجد في الوقت والمكان المناسبين للتخفيف من معاناة مرضى الفشل الكلي.

وتضيف نجلاء: أن مرضى الفشل الكلوي في اليمن لم يحصلوا على حقوقهم الطبيعية كمرضى، ويرجع ذلك لعدة أسباب، أهمها دخول البلاد في أزمات وحروب، يرافق ذلك إهمال حكومي كبير تجاه شريحة مرضى الفشل الكلوي، وحتى المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية لا تفي بالغرض.

عمل المرأة في اليمن
“ويُنظر لعمل المرأة في بلد محافظ كاليمن، بقصور كبير، حيث تعاني النساء من التهميش وهنّ يناضلنّ للحصول على فرص عمل لمواجهة تبعات الأوضاع المعيشية المتردية”.. تقول رئيسة مؤسسة يدًا بيد التنموية بعدن، وردة السيد.

وتضيف: النظرة القاصرة للمجتمع لا تسمح بعمل المرأة على الإطلاق، ناهيك عن استمرارها بالعمل في ظل مخاطر أمنية وصحية، كالذي مرّ على المرأة اليمنية خلال جائحة كوفيد 19.

وأشارت السيد إلى أن عمل المرأة في اليمن قد يكون مقبولاً لدى المجتمع إذا انحصر على قطاعي التعليم والصحة، وهما أكثر مجالات العمل التي تنخرط فيهما النساء اليمنيات.

وأكدت أن المرأة اليمنية تضاعفت معاناتها، سواءً في البيت أو في العمل الذي حُرمتْ منه بسبب جائحة كورونا المستجد؛ نتيجة تأثيراته على الجميع، حيث كانت المرأة تُعنّف وتُقصى ما قبل كوفيد 19، إلا أن هذا العنف والإقصاء تضاعف بالتزامن مع الجائحة.

وتحدثت رئيسة مؤسسة يدًا بيد التنموية عن نماذج من النسوة اللاتي اطلعت على تجاربهنّ ضمن مشاريع المؤسسة المناهضة للعنف القائم على النوع الإجتماعي؛ كشفت تزايد حالات التعنيف والحرمان من العمل في ظل الجائحة.

تأثير الأزمات على عمل المرأة
شكلت الصراعات والأزمات سببًا في التأثير على عمل النساء في اليمن، رغم محدوديته، فوفقًا لإحصاءٍ أجرته منظمة العمل الدولية عام 2014، شاركت 6 % فقط من النساء في القوى العاملة، بينما كانت 7 % فقط من الوظائف تشغلها النساء في العام الذي قبله.

وبحسب استطلاع أجرته منظمة العمل الدولية، فمن بين 293 ألف امرأة تم توظيفهن قبل الصراع، كان حوالي نصفهنّ يعملنّ في مجالات التعليم والصحة.

فيما كشف الاستطلاع أن هذا الرقم تراجع إلى نحو الثلث بعد الصراع الذي تصاعدت وتيرته منذ أواخر 2014 وبداية 2015، وتركز عملهنّ في مجال الخدمات، التي يدخل فيه قطاع الصحة.

تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA

مقالات مشابهة