لماذا منع الحوثيون بيع وشراء الأراضي والعقارات؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
منظر عام لمدينة صنعاء - ارشيفية

صنعاء – عصام صبري:

إذا كنت تمتلك عقارًا، أو أرضًا سكنية في العاصمة صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، وأردت أن تبيعها، فلم يعد بإمكانك القيام بذلك الأمر، لأنه أصبح ممنوعًا منذ أن أصدر القيادي محمد علي الحوثي، عضو ما يسمى المجلس السياسي الأعلى، في نوفمبر الماضي، توجيهًا يقضي بوقف عمليات بيع وشراء أي عقار قبل إعلان وزارة العدل في حكومة الحوثيين، كشوفات أسماء الأمناء المعتمدين الحاصلين على التراخيص المحددة نطاق اختصاصاتهم.

ورافق توجيه الحوثي بدء حملة أمنية لملاحقة عدد من الأمناء الشرعيين، وكُتاب البصائر، الذين تصفهم قيادات حوثية بـ”غير الرسميين، والمشتبه بهم”.

ووفقًا لتلك الإجراءات، فقد عجزت مكاتب العقارات عن أداء عملها، وأصبحت مشلولة، الأمر الذي سبب لملاك تلك المكاتب والعاملين فيها خسائر مالية فادحة.

متخصصون في سوق العقارات، ورجال قانون، وآخرون ذو صلة كشفوا في أحاديثهم لـ”المشاهد”، عن الأسباب الخفية وراء إعلان الحوثيين إيقاف سوق العقارات، الذي أصبح من أهم الاستثمارات المالية التي تتنافس عليها قيادات حوثية وكبار رجال المال والأعمال القاطنين في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ انقلاب الجماعة المدعومة من إيران على الدولة اليمنية.

وبالفعل أصبحت العقارات والأراضي السكنية تباع بمبالغ خيالية، يرافقها في ذلك نهضة عمرانية غير مسبوقة في صنعاء ومحافظات أخرى خاضعة لسيطرتهم، مثل “إب وذمار وعمران”، بالتزامن مع عودة آلاف المغتربين اليمنيين من السعودية، بسبب قرارات رفع رسوم الإقامة في أراضي المملكة من قبل الحكومة السعودية التي تقود حربًا في اليمن، تحت مسمى عودة الشرعية للدولة اليمنية. فما الذي يحدث؟

صراع الأجنحة على الأراضي

قبيل إصدار قرار الحوثي، بمنع عمليات البيع والشراء في العاصمة صنعاء، كان ملف الأراضي والعقارات بيد القيادي الحوثي عبدالخالق الحوثي، المكنى بـ”أبو عبدالملك”، والذي يشغل حاليًا منصب قائد المنطقة المركزية في قوات الحوثيين، وكان سماسرة وضباط سابقون في قوات الحرس الجمهوري، والفرقة الأولى مدرع، هم دليل “أبو عبدالملك” لمعرفة الأراضي الشاسعة التي كانت تسيطر عليها كل من القوتين اللتين كان يقودهما كل من الفريق علي محسن الأحمر، نائب رئيس الجمهورية حاليًا، وأحمد علي عبدالله صالح، السفير اليمني السابق في الإمارات، وهو نجل الرئيس الراحل صالح، لكن “أبو عبدالملك”، ومعه قياديات حوثية عسكرية محدودة العدد، لم يقتنعوا بسيطرتهم على تلك الأراضي التي كانت تابعة للحرس الجمهورية والفرقة الأولى مدرع سابقًا، فاتجهوا نحو التوسع والسيطرة على مساحات شاسعة أخرى من الأراضي في مناطق حزيز ودار سلم وضبر خيرة وسعوان وبني حشيش وهمدان بصنعاء، بحسب تأكيدات أحد الضباط المقربين من جماعة الحوثي.

ويقول الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه، في حديثه لـ”المشاهد”، إن “أبو عبدالملك، ومعه القيادي الحوثي العسكري، كانا يسجنان بعض القضاة والأمناء الشرعيين في صنعاء، لرفضهم تنفيذ أوامرهما بتحرير بصائر لأراضي وعقارات متعددة في مناطق متفرقة في صنعاء، وكانا يوهمان أهاليهم أنهم في دورات ثقافية خاصة تقيمها الجماعة الحوثية في صنعاء. واستمر هذا الانتهاك مدة عامين، حتى انكشف أمرهما أمام قيادات حوثية أخرى، منافسة لهما، مطلع العام الفائت، حينما طلبا من قاضٍ تزوير بصائر لهما لأراضٍ بالقرب من مقر العرضي الواقع في حي باب اليمن وسط العاصمة صنعاء، ورفض ذلك القاضي الذي تجمعه مع قيادات حوثية كبيرة علاقة خاصة، كانوا على دراية بأنه كان في ضيافة أبو عبد الملك وصديقه”.

ملاحقة الأمناء

مع اشتداد التنافس على شراء العقارات في العاصمة صنعاء ومختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، ارتفعت أسعار الأراضي، ليصل سعر اللبنة الواحدة التي تعادل 44 مترًا من مساحة أي أرض، إلى 30 مليون ريال يمني في منطقة الخمسين جنوب العاصمة صنعاء، بينما تتراوح أسعار اللبنة الواحدة في مناطق شمال ووسط صنعاء من 10 إلى 20 مليونًا، بحسب إفادة وليد الجاكي، أحد سماسرة بيع الأراضي في مكتب عقارات بصنعاء، خلال حديثه لـ”المشاهد”.

أثارت الأسعار الباهظة للأراضي والعقارات السكنية في صنعاء وإب وذمار، وباقي المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، انتباه القيادي في ما يسمى المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي، الذي لفت انتباهه تنافس قيادات حوثية للسيطرة على الأراضي السكنية، الأمر الذي دفعه للدخول بقوة في مجال منافسة تلك القيادات، ولكن بطريقة رسمية، إذ نصب الحوثي نفسه رئيسًا لما تسمى “اللجنة العليا للمنظومة العدلية”، ومنح نفسه صلاحيات واسعة، وكان أول قرار اتخذه هو منع بيع الأراضي إلا عبر مأذونيه من وزارة الأوقاف الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إذ يتوجب على من اشترى قطعة أرض أن يدفع 5% من قيمتها المشتراة لوزارة أوقاف الحوثيين، الأمر الذي تسبب بانخفاض سعر الأراضي المسماة بالوقف، ومع ذلك لم تتوقف حركة البناء، وهدم المباني القديمة، والتوسع العمراني في العاصمة صنعاء والمناطق المحيطة بها.

نصب الحوثي نفسه رئيسًا لما تسمى “اللجنة العليا للمنظومة العدلية”، ومنح نفسه صلاحيات واسعة، وكان أول قرار اتخذه هو منع بيع الأراضي إلا عبر مأذونيه من وزارة الأوقاف الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إذ يتوجب على من اشترى قطعة أرض أن يدفع 5% من قيمتها المشتراة لوزارة أوقاف الحوثيين

عقب هذا الإجراء، دعا الحوثي إلى عقد لقاء يجمع فيه الأمناء الشرعيين والقضاة المتخصصين بكتابة بصائر الأراضي في صنعاء، بهدف معرفة ما تبقى من الأراضي السكنية التي لم تبع في صنعاء، والتي يملكها رجال أعمال ومشائخ القبائل، ومواطنون آخرون يعملون في مختلف المهن، وفقًا لحديث مصدر قضائي (رفض ذكر اسمه) لـ”المشاهد”، والذي أفاد أيضًا بأن “قطاعًا واسعًا من الأمناء الشرعيين والقضاة، رفضوا الاستجابة لطلب الحوثي، الذي دعاهم عبر وسطاء محللين”، الأمر الذي دفع الحوثي لأن يعطي مهلة زمنية للقضاة والأمناء الشرعيين الذين سماهم المتلاعبين، ومن خلالها أصبح من الواجب علي القضاة والأمناء الذهاب لوزارة العدل والبحث الجنائي للإدلاء باعترافاتهم بكل ما ارتكبوه من مخالفات، وإخلاء مسؤوليتهم عن كل ما أُخذ عن طريقهم بدون وجه حق، بحسب “المسيرة نت”، الموقع الإلكتروني التابع لجماعة الحوثي.

إقرأ أيضاً  "الزابور"… فن معماري عتيق في "الجوف"

وفي اجتماع عقده بوزارة العدل بصنعاء بحضور أبو علي الحاكم، القيادي الحوثي المعين من الجماعة في منصب رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، ومدراء مكاتب التوثيق ورؤساء أقلام التوثيق بأمانة العاصمة ومحافظة صنعاء، حذر الحوثي بأنه سيتم التشهير عبر وسائل الإعلام بالأمناء الذين لم يستغلوا هذه المهلة الزمنية.

واعتبر ملاحقة الأمناء الشرعيين معركة وطنية خاصة ترتبط بالتلاعب بالقيمة والأصول العقارية للدولة.

وبالفعل دشن الحوثي، منتصف ديسمبر الماضي، حملة أمنية لملاحقة الأمناء الشرعيين في صنعاء، وطبق قراراه القاضي بمنع عمليات بيع وشراء الأراضي، وقامت الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة، بسجن 423 أمينًا وقاضيًا شرعيًا، سمتهم الجماعة، عبر وسائل الإعلام التابعة لها، “منتحلي صفات الأمناء الشرعيين”، في كل من “أمانة العاصمة ومحافظات صنعاء وذمار وعمران والحديدة وإب”، وقامت الجماعة بتعميم أسماء 1158 أمينًا وقاضيًا شرعيًا، لملاحقتهم عبر النقاط الأمنية التابعة لها، في مختلف المحافظات، للقبض عليهم، إذ اتهمهم عبدالخالق العجري، الناطق باسم وزارة الداخلية التابعة لجماعة الحوثي، عبر موقع “الإعلام الأمني”، بأنهم متورطون في التزوير أو التلاعب بوثائق ومحررات عقارية، وتسببوا في غالبية النزاعات على العقارات.

وفي هذا الصدد، أدانت نقابة المحامين اليمنيين فرع صنعاء، استمرار قيام الأجهزة التابعة لجماعة الحوثي، في سجن الأمناء الشرعيين.

وقالت النقابة إنها “تدين ما أقدمت عليه وزارة العدل في القبض على الكثير من الأمناء الشرعيين أو محامين بذريعة التزوير أو انتحال صفة الأمين الشرعي، والأغرب أو بالأصح الأرعن اعتقال الأمناء أو بعض الأمناء أو بعض المحامين على ذمة الانتظار كما هو حال ما نحن فيه”.

وأوضحت، في بيان حصل “المشاهد” على نسخة منه، أن “الاعتقال وتشكيل اللجان لاستقبال شكاوى المواطنين ضد الأمناء الشرعيين، يُعد خارج نطاق القانون، حيث لا ندري في أي ملة أو مذهب أو تشريع يحلل حبس عباد الله حتى تقديم شكاوى ضدهم، مع أن مقتضيات العدالة وأحكام الشريعة الإسلامية تقضي بعدم القبض على أي إنسان أيًا كان، إلا بعد إجراء تحقيق عادل ونزيه، وإدانته بالجرم، وهذا للأسف لم تلتزم به أجهزة العدالة، ولا تعير أي اهتمام في تعسفها وممارستها القمعية بعيدًا عن الشريعة الإسلامية الغراء وأحكام القانون”.

لمصلحة المواطن أم ضده؟

يبرر الحوثيون، أيضًا، سجن وملاحقة الأمناء الشرعيين، بأنه يهدف إلى حفظ الحقوق وحماية الممتلكات وصون الأعراض، والحيلولة دون الوقوع في خلافات وخصومات مستقبلية بسبب المحررات المشبوهة. إذ يرى الكاتب والناشط المقرب من الحوثيين مطهر شرف الدين، أن “الكثير من القضايا المتراكمة والمتعثرة في المحاكم، يرجع سببها إلى مخالفات بعض الأمناء ومنتحلي صفة الأمين الشرعي الذي يجب أن يستوفي شروط الترشيح، واجتيازه للإجراءات القانونية التي تجعله أهلًا للمهنة التي يعمل فيها”.

ومن بين المخالفات والتجاوزات التي يقوم بها بعض الأمناء، بحسب شرف الدين، “قيامهم بتحرير بصائر(وثائق تمليك) أراضٍ وممتلكات لأكثر من شخص، ومنهم من يتورط مع البائع في بيع أكثر مما هو موجود في البصيرة، حسب شرف الدين

ويضيف أن البعض من الأمناء يقوم بتحرير وكالات بالبيع دون التأكد من جميع بيانات العقار وهويات الأشخاص ومصلحتهم، وتتسبب كل أو بعض تلك التصرفات في حدوث مشاكل وخلافات وفتن لا تحمد عقباها، وظهور آثارها وأبعادها بعد أن يبدأ المشتري في البناء على أرضه”.

لكن المحامي والمستشار القانوني فتحي العسلي، يرى في حديثه لـ”المشاهد”، أن “جماعة الحوثي تهدف من خلال منع عمليات البيع والشراء، وملاحقة الأمناء الشرعيين، ومنعهم من كتابة البصائر والوثائق والمحررات، إلى محاولة حصولها على المحررات والمخطوطات اليمنية القديمة، وأبرزها وثائق ملكيات العقارات التي تخص اليهود اليمنيين الذين هاجروا إلى إسرائيل خلال العقود الماضية”.

جمال القادري :أن أي إصلاحات في قطاع العقارات، سواء في ما يتعلق بتحرير المستندات القانونية أو غيرها، ما لم تكن سريعة وفعالة، فإنها ستؤدي إلى ضرب قطاع العقارات النشط، وهو العمود الفقري لما تبقى من اقتصاد متداعٍ، خصوصًا في المحافظات الشمالية.

ويؤيده المحامي عدنان الشاطر، مؤكدًا في حديثه لـ”المشاهد”، أن “جماعة الحوثي، قامت بتعيين أمناء شرعيين جدد موالين لها من العائلات الهاشمية، بدلًا من الذين أوقفتهم واحتجزتهم في السجون”، مضيفًا أن الجماعة ألزمت الأمناء الجدد بتعليق لوحات تعريفية بهم في عدد من أحياء وحارات العاصمة صنعاء.

تأثيرات على العاملين في سوق العقار

تم وقف البيع والشراء في العقارات الخاصة وتوقيف الأمناء الشرعيين من أجل التصحيح، حسب رواية قيادات الحوثيين.

لكن هذا الأجراء أوقف نشاط مكاتب العقارات مسببا خسائر مالية فادحة، تقدر بملايين الريالات، حسب الجاكي.

وعن المشكلة ذاتها، يرى الناشط المجتمعي جمال القادري، أن أي إصلاحات في قطاع العقارات، سواء في ما يتعلق بتحرير المستندات القانونية أو غيرها، ما لم تكن سريعة وفعالة، فإنها ستؤدي إلى ضرب قطاع العقارات النشط، وهو العمود الفقري لما تبقى من اقتصاد متداعٍ، خصوصًا في المحافظات الشمالية.

ويتساءل القادري، في حديثه لـ”المشاهد”: “لا أعلم كيف يفكر القائمون على سلطة الحوثي المحاصرة، وهي في أمس الحاجة لدعم ومساندة أي قطاع اقتصادي يجنبها الكثير من الويلات! جنون وعبث وغباء مفرط، وإن كانت عناوينه الإصلاح ومعالجة الاختلالات كما قيل”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة