fbpx

المشاهد نت

يمنيات يهزمنَّ الحرب

تعز – رانيا عبد الله
بعد ستّ سنواتٍ من الحرب في اليمن، تأثر وضع المرأة اليمنية بشكلٍ كبير جداً، سواء أكانت المرأة العاملة أم ربة المنزل، وبحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، زادت نسبة العنف ضد النساء والفتيات بنسبة 63% منذ بداية الحرب باليمن عام 2015.

ورغم كلّ الصعوبات التي تعيشها اليمن وكارثية الحرب، أثبتت نساء عدة قدرتهن على تحمّل الصعاب والبقاء والنجاح.

انطلاقا من واجبها كانت الدكتورة سوسن الحضرمي (أستاذة القانون الخاص المشارك في كلية الحقوق بجامعة تعز، رئيسة مركز تنمية المرأة والطفل) أول مَن وطأ قدمه جامعة تعز عام 2017 بعد أن تحولت إلى ثكنة عسكرية، فحين تخلّى كثير عن واجباتهم، ظلّت الدكتورة سوسن تبحث مع بقيّة الأكاديميين عن إعادة افتتاح الكلية أمام الطلاب لتأدية امتحاناتهم، ضاربة أروع الأمثلة في نضال المرأة اليمنية.

تقول: “حملتُ على عاتقي مستقبل الطلاب، وكيف يمكن أن نوفّر لهم المكان الآمن لأداء الامتحانات في أثناء اشتداد المعارك عام 2016، وعملنا على توفير قاعات لتأدية الامتحانات في إحدى الجامعات الخاصة البعيدة عن المواجهات، إلى أن افتُتحت جامعة تعز بداية عام 2017، وكنتُ أول مَن دخل كلية الحقوق في جامعة تعز. رأيتُ الوضع كارثيا، فحاولت أخذ الوثائق المهمة الخاصة بالطلاب، ثم قمنا باستقبال طلاب كلية الحقوق لأداء الامتحانات في جامعة تعز، وكان ذلك إنجازا كبيرا بالنسبة لي، فقد كنتُ مشرفة مركز الامتحانات في تعز المدينة حينها”.

رأت الدكتورة سوسن أن المنظمات النسوية والعاملة في مجال المرأة والطفل قليلة وغير مدعومة، فقررت إنشاء مركز خاص بتنمية المرأة والطفل عام 2018، وبذلت جُلّ جهدها لتأسسيه ليقدم أقلّ ما يمكنه في حرب سلبت حقوق الأطفال والنساء على حد سواء.

“أحببتُ العمل كثيراً في قضايا المرأة، فأسّست مركزا خاصا بتنمية المرأة والطفل، واشتغلنا في المركز على قضايا الجندر، وعملنا مسابقات منهجية لطلاب المرحلة الأساسية، واستهدفنا عدة مدارس، وأقمنا ندوات حقوقية تنويرية بحقوق المرأة ولقاءات مجتمعية حول الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف” تقول الحضرمي.

امرأة تتحدى
تعاني المرأة العاملة والقيادية في المجتمع اليمني لإثبات ذاتها ومواجهة وتحدي الصعوبات، وقليلا ما نجد النساء يتقلّدن مناصب إدارية خصوصًا في أثناء فترة الحرب. الدكتورة إيلان عبد الحق (بكالوريوس طب أسنان من جامعة بغداد وماجستير إدارة صحية من جامعة تعز) تُعدّ المرأة الوحيدة بين أكثر مِن 6 وكلاء لمحافظة تعز.

عُيّنت وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية عام 2018 إلى جانب عملها طبيبة لتثبت قدرتها وصمودها متحدية كلّ الصعوبات التي واجهتها بجلد.

تقول: “واجهتني صعوبات كبيرة مثل أي امرأة تتقلّد منصبا إداريا لأن مجتمعنا لا يتقبل أن تكون المرأة في المواقع الإدارية ولا يعترف بجهود النساء؛ فالرجال يختلفون حول أشياء كثيرة، لكنهم يتفقون على أن المرأة لا تستحقّ هذا المنصب أو الموقع، وغالبا ما يُتحايل على الأوامر التي أصدرها أو يُتعامل معها بعدم رضا”.

عملت الدكتورة إيلان في المجال الصحي منذ عام 2008م في إدارة مستشفى الجمهوري ومستشفى الثورة في ظلّ انهيار القطاع الصحي بسبب الحرب والحصار على مدينة تعز.

وفي ظل انتشار جائحة كوفيد 19، كان أمام القطاع الصحي تحدٍ أكبر إضافة لما خلّفته الحرب.

تقول إيلان: “عملنا مع القطاع الصحي لمواجهة جائحة كورونا في ظروف صحية صعبة جدا، وقد توفي كثير من الأطباء. وأمام شحّة الإمكانات وعدم توفر وسائل الوقاية وانهيار البنية التحتية للقطاع الصحي، عملنا على مواجهة الوباء والحدّ من انتشاره، وأُصبت حينها بالفيروس”.

وتضيف: “أفتخر بأني كنتُ من القلّة الذين صمدوا في هذه المدينة المنكوبة المحاصرة، والتي تعرّضت لكثير من الظلم والحرب، وخدمتُ في ظروف صعبة جداً رغم أني تعرّضت لحملات كثيرة استهدفتني شخصياً، وتعرّض أفراد أسرتي لكثير من المضايقات، لكني واجهت ذلك بكثير من الصبر والثقة بالنفس”.

أمنيات كبيرة تتطلّع لها الدكتورة إيلان، وهي أن تحصل كلّ النساء على حقوقهن، وأن ينلن ما يستحققن، ويتقلدن مناصب قيادية وفقاً للكفاءة، وأن تتغير نظرة المجتمع تجاه المرأة.

أصغر عالمة يمنية
ما زالت المرأة في المجتمع اليمني محاطة بصورة نمطية خصوصًا من جهة الدور الوظيفي وانحصارها في وظائف مُحدّدة لها، كما يعدّها الكثير غير قادرة على الإبداع والإبتكار، إلا أن هناك نساء غيّرن الصورة النمطية للمرأة اليمنية وضربن أروع الأمثلة في التألّق والنجاح الذي يفخر به كل يمني على الرغم مما يعانيه الوطن؛ فالباحثة إقبال محمد دعقان كانت مثالاً لعظمة المرأة اليمنية ونجاحها.

إقرأ أيضاً  التعليم الأهلي.. رواتب المعلمين ممنوعة من الرفع

اضطرتها الحرب لمغادرة اليمن، تحديداً مدينة تعز، إلى دولة ماليزيا، ومن ثم إلى النرويج، وقد شقّت طريقها العلمي بنجاح فريد ولمهارتها المتميزة في التواصل وبناء الجسور بين ثقافتها وثقافات الآخرين لُقبت بـ”السفيرة الممتازة” لجامعة “أغدار” النرويجية بفوزها بجائزة “باني الثقافات” عام 2019.

تقول: “أنا فخورة بفوزي بجائزة باني الثقافات؛ فقد شعرت أني بهذه الجائزة أمثّل العرب وأمثّل بلدي اليمن ومدينتي تعز”.

لم تكن هذه الجائزة الأولى التي مُنحت للباحثة اليمنية إقبال، فقد فازت في عام 2014 بجائزة “السيفر فونديشن” كأصغر عالمة من ضمن خمسة علماء من جميع دول العالم النامي في مجال الكيمياء، وكانت الممثلة الوحيدة للدول العربية بين جميع المرشحين للفوز بالجائزة؛ إذ تُمنح هذه الجائزة من منظمة النساء للعلوم بدول العالم النامي بالتعاون مع أكاديمية العلوم بدول العالم النامي.

حصلت الباحثة إقبال دعقان على البكالوريوس من جامعة تعز في الكيمياء البيولوجيا والماجستير في الكيمياء العضوية، وعملت في تدريس الكيمياء العضوية بجامعة تعز لمدة 6 سنوات، ثم سافرت إلى دولة ماليزيا عن طريق منظمة “أوست” الإيطالية، وهي متخصّصة بدعم النساء لمواصلة تعليمهن، وأصبحت المنظمة تدعم الأبحاث العلمية خاصة للنساء في العلوم والتكنولوجيا، وحصلت على الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من جامعة “يو كي إم”، وكانت أول طالبة أجنبية تحصل على الامتياز عام 2012 في مجال “الكيمياء الحيوية”، ثم تلقّت سنة بحثية بعد الدكتوراه وكانت خاصة في “علوم الغذاء والكيمياء الحيوية” بدعم من جامعة يو كي إم في ماليزيا.

عادت دعقان إلى اليمن عام 2013 بعد حصولها على الدكتوراه حاملة معها حلما كبيرا لنقل تجربتها في الخارج إلى اليمن بافتتاح قسم يخصّ الغذاء.

“تعلمت أشياء كثيرة بالخارج، وأحببتُ أن يُطبق ذلك في بلادي، وخصوصا في مدينتي، فعملت بكل جهدي لفتح قسم التغذية العلاجية في جامعة السعيد التي كنت أعمل بها مدرسة ورئيسة لقسم المختبرات الطبية.

قدّمتُ خطط عمل ومشروعا للجامعة وحضر بروفيسورات من جامعة “يو كي إم” من ماليزيا لمساعدتي في افتتاح القسم، وكانت بداية موفقة جداً، لكن للأسف بعد عام ونصف من فتح القسم اندلعت الحرب”.

وبعد قيام الحرب في اليمن في عام 2015 اضطرت دعقان إلى مغادرة اليمن. تقول: “بعد اندلاع الحرب عام 2015 حصلتُ على فرصة لمواصلة مسيرتي العلمية عن طريق منظمة تساعد العلماء في البلدان المتحاربة ونقلهم الى بلدان آمنة لمواصلة مشوارهم العلمي، وظللتُ حتى نهاية عام 2017، وانتهى عقدي مع هذه المنظمة الأمريكية في ماليزيا، بعد ذلك ساعدتني منظمة “العلماء في الخطر” في الحصول على فرصة أخرى لمواصلة مشواري العلمي، وكانت في النرويج وتقدّمت لجامعة “أغدار”، ورُقّيتُ مباشرة من أستاذ مساعد الى أستاذ مشارك، وأصبحت أستاذا مشاركا في جامعة أغدار إلى جانب عملي باحثةً، وشاركتُ في كثير من الفعاليات العلمية داخل وخارج دولة النرويج، وفي نهاية عام 2019 انتقلتُ الى عاصمة النرويج وعملت في التدريس بجامعة “أسلو” وباحثة ايضاً”.

وتستطرد حديثها: “عندما أجد الفرصة للعودة إلى اليمن، سأعود، وأتمنى أن أعود حاليا، لكن بسبب الوضع الذي تعيشه أوروبا وخصوصا النرويج بسبب كوفيد 19 والإغلاق العام لجميع المدن يصعب عليّ زيارة اليمن، وإن عادت اليمن إلى وضعها الآمن، فقراري الأول هو العودة الى اليمن”.

إقبال وايلان وسوسن يجمعهنّ حلم واحد، وهو أن تتوقّف الحرب في اليمن معبّرات عن ثقتهن بأنّ كل الشعب يتطلّع إلى السلام والاستقرار مثل بقية شعوب العالم والوصول إلى اتفاق يحفظ مصالح الشعب اليمني وينهض بمستوى المرأة اليمنية والحصول على حقوقها.


ـ تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر الذي ينفذه مركز الإعلام الثقافي (CMC)

مقالات مشابهة