من تفكيك جدل الواقع إلى الإمساك بصدى الأمكنة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

قراءة – محمد عبدالوكيل جازم:

أصدر الناقد والمفكر محمد ناجي أحمد، كتابًا تحت عنون “جدل الواقع وصدى الأمكنة مقالات نقدية في السياسة والحكاية”. أستطيع أن أصف عتبات الكتاب الذي صدر مطلع العام الجاري، بأنها جمعت كل خيوطه المترامية الأطراف، وكثفتها في بوتقة واحدة مسبوكة ومختزله تمثلت في المنهج التحليلي الصارم.
الثيمات العريضة التي تناسلت من العتبة الأولى، تناولها الباحث وفق اشتغال يعبر عن الدلالة الكلية الخاضعة للتحولات الاجتماعية والسياسية بكل ما تفضي إليه من جدل؛ حدث في الواقع.
هذا الواقع الذي لم يكن سوى صدى للتكوينات الجهوية والطائفية والقبلية، ويمكننا هنا الإشارة إلى لوحة الغلاف التي تعكس مرارة الحقيقة، فكلما ارتفع وعي الضمير الراصد، اسودّت الجنبات، وخرج الأشباح الليليون بهراواتهم وأعقاب بنادقهم وخناجرهم، لكي يخفضوا ذلك الرأس، وسط صمت القطاع الواسع من الشعب العاري الذي يبحلق بعيون قططية لا تملك من أمرها سوى هذا الضعف والخنوع الذي رصدته فرشاة الرسام الكبير “محمد اليمني”.

عرض تاريخ اليمن

أستطيع وصف الكتاب بأنه موسوعي، ليس لأنه يقع في 712 صفحة من القطع المتوسط، ولكن لأنه يستعرض معظم الكتابات التي تناولت تاريخ اليمن، وهي كتابات وضعت الكاتب في رأس الهرم الكتابي للتاريخ اليمني بكل أطيافه، والتي بدت تحت نظراته التأملية كما لو أنه يعرض كل شيء عبر شاشات متلاحقة.
الكتاب توزع بين رسائل دكتوراه مثل “حركة القوميين العرب ودورها في ثورتي سبتمبر وأكتوبر” لإسماعيل قحطان، وسير ذاتية ومذكرات كالتي كتبها سنان أبو لحوم وعبدالرحمن الإرياني وأحمد منصور أبو أصبع وحمود المخلافي “الحبشي” وعلي ناصر محمد، وثمة أيضًا أعمال بحثية تختزل في مجملها الحديث عن الذاتية اليمنية التي استطاع الكاتب تلقفها والتداخل معها بعمق، مثل كتاب “توحيد اليمن القديم” لـمحمد عبدالقادر بافقيه، وكتاب “حقيقة الثورة وأسرارها” لـعبدالقادر الخطري، و”الخيوط المنسية” للكاتب عادل الأحمدي، وكتاب “اليمن واليمنيون..” لـأوليغ بيريسيبكن.
بمجرد قراءتي للكتاب الذي يعلي من الكتابة الجدلية، استوقفتني جهود الكاتب وحفرياته المضنية، وبالتالي صبره على مناقشة القضايا الوطنية، وسعة اطلاعه التي مكنته من الوصول إلى استنتاجات منطقية لا يمكن بأية حال من الأحوال القفز فوق دلالاتها. وهنا تتجلى أهمية الحكاية في موازاة السياسة المتصلبة والحكاية التي تروي، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تصمت، لأن ما يحدث من عبث في الحقيقة يفوق الخيال، ويحرض على الكلام والصراخ إن أمكن.

حلم كاتب

يقف الكاتب بيقظة ومسؤولية حتمية أمام الأحداث والتقلبات والمصائر التي آلت إليها الجماعات والمشروعات الفردية. ذكر في المقدمة أن هذا العمل حصيلة العام المنصرم، وأن هذه الموضوعات نُشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، ونبّه إلى ما يشير إلى أنه في هذا الكتاب استخدم منهجه العلمي نفسه الذي درج عليه في تفكيك التحيزات عبر تحليل الكتب البحثية ومراعاتها وتقييمها وتصويب أخطائها بما يتسق والقراءة المعرفية الوطنية كما تتجلى في الكتابات الأكاديمية الثابتة.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن الكاتب وضع الكثير من المفاتيح الكتابية في المقدمة، وهي مفاتيح تتعلق بمشروع الكتاب العام للمؤلف، ومن ذلك ما جاء في هذا المقتبس “طيلة العقد الأخير كانت كتبي تصدر شاملة اهتماماتها الموسوعية المختلفة، وتطبع في كتاب بحسب السنة التي أنتجت فيها، لا بحسب وحدة موضوعاتها البحثية” (ص13). فعلى الرغم من أهمية هذه الملاحظة الواضحة، إلا اننا نرى أن المؤلف قد اعتمد على ما هو أبلغ، وهو وحدة المنهج الذي يغيب لدى الكثيرين حتى وهم يكتبون أبحاثًا جامعية، أما الاهتمام بإصدار الكتب وفق الوحدة الموضوعية والمنهجية، فإنه يعمل على تسهيل قراءة المتلقي من أجل إدارة العملية البحثية والاستفادة من نتائجها.
في كل مفاصل الكتاب ترى حلم الباحث في بناء مجتمع ودولة يمنية تنهض بالعلم والسياسة والاقتصاد والذاتية، وفي كل الثيمات هناك حلم بتشكيل دولة حديثة بعيدة عن الدماء والصراخ والعويل، وهو ما نراه في قراءته مثلًا لكتاب محمد المقالح “خمس وجهات وسياسي واحد”، الذي صدر في 2020، وهي القراءة التي انتقد فيها ناجي ازدواجية المثقف حين تساءل: “أين كان موقف وموقع المؤلف منذ أن اقتتل اليمنيون خلف رايات يغيب عنها المشروع الوطني؟ هل التزم بصوت الحكمة واللحمة اليمنية والوطنية الجامع؟”(ص48).

كيان يفنى وآخر يولد

وإجمالًا يمكننا أن نخلص في عرضنا هذا إلى أن الكاتب مضى في بحثه عبر مسارات وكيانات سياسية عامة، كيانات أسهمت في حكم البلد بشكل أو بآخر؛ ثم أصبحت خارج السلطة أو في المعارضة، بعد صدامات دموية قُتل على يديها، بشكل أو بآخر، مشروع بناء الدولة اليمنية الحديثة، وكأن كل كتلة غير متجانسة كانت حين تنتهي من مهمتها تسلم المهمة إلى كتلة أخرى تحمل داخلها بذور فنائها، ومن هذه الأطر الكيانية:

  • ثورة 26 سبتمبر وعلاقتها بحركة الضباط الأحرار، وملابسات نشاطهم مع الدستوريين، ثم السلال وعلاقته بناصر حينها. تدخلات عبدالله بن حسين الأحمر والمؤتمرات القبلية في خمر والطائف، وفترة حكم الإرياني.
  • التجربة الناصرية في اليمن وتداخلاتها مع الرئيس إبراهيم الحمدي؛ ومع حركته التصحيحية، وتطورات ملامحها التي كان من مخرجاتها كتاب “حركة 13 يونيو التصحيحية” لمؤلفه محمد سعيد ظافر، وكتاب آخر للمؤلف نفسه بعنوان “إبراهيم الحمدي والتنظيم الناصري في اليمن”. تَنَاوُل هذه المرحلة ردود أفعال تشنجية بسبب آراء المؤلف حول علاقة الحمدي بالتنظيم وعلاقة البيضاني بالناصريين والشخصنةفي تسمية الناصرية التي ينتقدها المؤلف، وخطب عيسى محمد سيف والمؤتمر السري للناصريين في الحديدة، ثم إفشاء سر حضور الحمدي في هذا المؤتمر، وغير ذلك.
  • الكتلة الثالثة التي وقف الباحث إزاء تجربتها، هي الأحزاب اليسارية ابتداءً من إرهاصاتها الأولى في حركة القوميين العرب وحزب اتحاد الشعب ممثلًا بعبدالله باذيب، ثم قيام ثورة 14 أكتوبر تحت راية الجبهة القومية، وتأسيس الحزب الديمقراطي الثوري والجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي اليمني الذي يصفه الكاتب بأنه “ولد ميتًا سريريًا”، وثمة كيان رابع تمثل بالحركات الدينية، وغير ذلك. فقد امتدت تحديقات المؤلف إلى عوالم شاملة في النقد والأدب والفلسفة.
    شخصيات سياسية عملاقة اجترحت الكثير من المهام الوطنية، لكن الحياة البحثية والسياسية في اليمن تجاهلت جهودها، وذلك كما جاء تحت عنوان “وفاة (فارس) سلطان أحمد عمر بين عجز الاشتراكي ومكايدة صالح”.
    أخضع ناجي مجهر قراءته لهذه الثيمة بدقة، ولم يدعها تفلت من بين يديه، وبحسه الثاقب ربط بين كتابات سعيد الجناحي وأحمد الشرعبي وعبدالكريم الخميسي، يقول عنه الجناحي: “فارس هو اسمه التنظيمي في الحركة.. ربما يكون هو الوحيد الذي لم يرتبط بوظيفة رسمية عالية المكان في السلطة، رغم قدراته وكفاءته، لقد ظل منذ أواخر الخمسينيات وحتى وفاته متفرغًا للعمل السياسي، فالنبع الجيد يعرف في الجفاف، والمناضل الجيد في الشدة، ونبع سلطان من صلب المصور الوطني أحمد عمر” (ص80).
    يقول ناجي مستندًا إلى مقال الجناحي، إن قلب سلطان كان يحتاج إلى 300 ألف دولار نفقات تبديل قلب، ولكن الحزب الاشتراكي تقاعس عن الدفع والحكومة كذلك، ورئيس البلد يومها علي صالح.. جميعهم خذلوا عطاء القلب الكبير. “ولتظل أصوات الفلاحين والعمال باحثة عن فارسها الذي أراد لها ثورة شعبية كثورة الجزائر وفيتنام” (ص82)، هكذا أنهي بن ناجي حديثه عن الفارس، فاتحًا باب قضية اغتيال عبدالفتاح إسماعيل، رئيس دولة الجنوب الأسبق، جراء أحداث يناير الدموية.. تناول هذه الحادثة انطلاقًا من كتاب الرئيس علي ناصر محمد “ذاكرة وطن”، الذي كان الطرف الأول في عملية نشوب مجزرة 13 يناير، يقول: “يتحدث علي ناصر محمد، في كتابه هذا، عن تجربة جمهورية اليمن في الشطر الجنوبي من الوطن، وفيه يتداخل السياسي مع الجغرافيا مع الأيديولوجي مع المراجعات النقدية مع تصفية الحسابات الشخصية” (ص101).
    تتنامى القراءة وفق العديد من الاتجاهات الاستقصائية التي تكون أحيانًا تحليلية علمية، وأخرى وصفية، وأحيانًا نفسية، على أننا نصل في الغالب إلى نتائج منطقية، فلجنة التحقيق -بحسب علي ناصر- التي شكلت برئاسة السيلي، في جريمة مقتل فتاح، توصلت إلى أن فتاح استشهد مساء 13 يناير 1986، بفعل احتراق المدرعة التي جاءت لإنقاذه” (ص129). يرى ناجي أن السفير السوفيتي روى أن فتاح ظل على تواصل معهم خلال أيام 13-17 يناير، وهو ما أكدته زوجة فتاح من أنه تواصل معها خلال الفترة نفسها التي ذكرها السفير، وأورد المؤلف بعد ذلك رأي علي الصراف، مؤلف كتاب “اليمن الجنوبي”، “إنه في اليوم الخامس، وبعد جلاء الموقف العسكري، وتقهقر قوات الرئيس، وانسحاب قسم كبير منها إلى أبين معقل علي ناصر محمد ومسقط رأسه، اقتيد عبدالفتاح إسماعيل من منزل سعيد صالح مخفورًا بحراسة قريب لهذا الأخير يدعى “جوهر” تولى قتله وإحراق جثته ودفن بقاياه في مكان لا يبعد كثيرًا عن منزل سعيد صالح الذي سيتقلد واحدًا من أهم المناصب الحكومية” (ص129).
    إلا أن التكثيف العميق يتجلى في تعليق المؤلف حين قال: “كان الحكيم مؤسس حركة القوميين العرب، قد نبه قبل الكارثة إلى أن عبدالفتاح سيكون ضحية الطرف المنتصر؛ فكل طرف يراه عقبة أمام طموحاته في السلطة”(ص129). والأمر ينسحب في تصوري على ما نلاحظه اليوم في تقسيم مدينة تعز، فهذه المدينة يرى الحكام المتعاقبون على اليمن أنها تقف ضد طموحهم نظرًا لمطالبة أبنائها بالعدالة والمساواة. عادة
    جرائم السياسيين التصفوية لا تغتفر، وهي سلسلة حلقات تمكن المؤلف من رصدها عن كثب أحيانًا، ومن بعيد أحيانًا، ومن ذلك اغتيال الحمدي في قصة شهيرة ملفقة يعرفها اليمنيون جميعًا، لنصاعة وضوحها، وانكشاف مدبريها لحظة وقوع الجريمة. وهو ما يؤكده استخدام الباحث هنا هذه الصياغة: “في الحقيقة، فإن اغتيال الحمدي وأخيه عبدالله تم في بيت نائبه أحمد الغشمي، حين تم استدراجه بحجة عزومة الغداء على شرف عبدالعزيز عبدالغني وعبدالسلام مقبل، ثم بعد ذلك نقلت جثتاهما إلى بيت في حدة، وأُلقي إلى جانبهما بجثتي الفرنسيتين، كي يتم إخراج جريمة الاغتيال بأنها اقتتال بين الاخوين على الفرنسيتين!”(ص98).
  • الكتلة الرابعة التي حصلت على حضور ملفت في الكتاب الموسوعي الذي بين أيدينا، كتلة اليمين السياسي بأذرعه القبلية وفصائله المشيخية والعقائدية العديدة.. من موضوعاته “تجمع الإصلاح وأزمته البنيوية”، “الإخوان المسلمون في اليمن.. من الحاكمية إلى العلمانية”، “التعددية في المواقف والرؤى في الحركة الإسلامية دليل حيويتها وقدرتها لا انتهازيتها”، “طبقية تجمع الإصلاح اجتماعية وليست سلالية”، و”الذاتية اليمنية والتجمع اليمني للإصلاح”.
  • كتلة المقالات المتفرقة، والتي يأتي ضمن أولوياتها: القراءات الأدبية عن رواية “أرض المؤامرات السعيدة” لوجدي الأهدل، ورواية “جوهرة التعكر” لهمدان دماج، وعن مجموعة “أحذية ورمال” للمبدع مروان الشريفي. وتطرقت هذه الثيمة أيضًا إلى الهموم المعيشية الراهنة سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا، وغير ذلك.
إقرأ أيضاً  حقيقة سيطرة الحوثيين على سد مأرب

“طواف حول سيرة لم تكتمل”

إن من أهم الإيحاءات التي تركها المؤلف، أنه ربما الآن أنجز واحدًا من تأملاته، ويستعد للانتقال إلى ثيمة متجانسة أخرى تستلهم المعرفة الذهنية العالمية بكل تناقضاتها وانعكاساتها على الداخل والخارج، بعد أن أثبت في هذا الكتاب أنه صوت ناي أصيل ومختلف له وسائله الجديدة ونفسه الجديد في الوصول إلى الهدف. وما أشرت إليه من تقسيم للكتاب، لا يعد سوى قراءة ربما تحتمل وجهًا من وجوه الكتاب، كثيمة المعاني والدلالات، مع الأخذ بعين الاعتبار إحاطة الكاتب بمفتاحين كبيرين؛ الأول مقدمة الكتاب، والثاني “طواف حول سيرة لم تكتمل”(ص661).
وفي المنجز الذي انتهى إليه كاتبنا، نشير إلى أنه قدم نصًا قرائيًا خالدًا يوازي عبء التاريخ المليء بالألم، ويطرح في النهاية الحكمة التي يتوجب أن تؤول إليه الحكاية.
وأخيرًا، أرى أن الاتفاق أو الاختلاف مع المؤلف، لا يعني سوى الباحثين عن الحقيقة والمعنيين بإدارة القرار في البلد، وبخاصة أولئك الذين وجه لهم الكاتب قراءات بنّاءة، فإن عليهم الاستماع إلى صوت العقل الداخلي، استنادًا إلى مقولة كتبها إيمانويل، كانت مفتتحًا لعصر التنوير في أوروبا: “لتكن لديك الشجاعة والجرأة على استخدام عقلك الخاص”.
الكتاب متداخل ومتشابك ومترابط في الوقت نفسه، لكنه يحتاج إلى الرؤية الصائبة التي وضعها المؤلف، مستبقًا ناقده الداخلي، في مقدمته.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة