fbpx

الطلاق وصمة اجتماعية بذنب لم يُقترف

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – زكريا حسان :

صارت “أمل” أقلّ ثقة بنفسها، وعانت كثيرًا من الاكتئاب منذ طلاقها قبل قرابة عامين. قررت الانعزال عن الناس حتى لا تواجه نظراتهم القاسية، ولا تسمع عبارات اللوم والتأنيب، لا تُحمّل مسؤولية فشل حياة زوجية بذلت أكثر مما تحتمل لإنجاحها، وصبرت فوق حدود الصبر.
سنوات طويلة والثلاثينية “أمل” -وهو اسم مستعار بناء على رغبتها- تتعرض لأصناف من العنف المنزلي والإهانات اللفظية والجسدية، على يد زوجها الذي كان يُمعن في إذلالها أمام أسرته التي تتقاسم معها المنزل نفسه.

الخيار المر

لم تحظَ “أمل” بتعليم جيد؛ فقد توقفت عن الدراسة في الصف الرابع من التعليم الأساسي، وهي لا تمتلك عملًا تعتمد عليه، وهذا جعلها أكثر حرصًا على استمرار الزواج، إلا أنها وصلت إلى قناعة أن البقاء على ذمة زوجها لم يعد يعني سوى المزيد من الذل والألم، فقررت طلب الطلاق للتحرر من حياة كانت أشبه بالجحيم.
وعلى الرغم مما تعرفه أسرة “أمل” عن حياتها الزوجية، وما تعيشه من قهر وظلم، عارضت الأسرة قرارها بشدة، خوفًا من الوصمة الاجتماعية التي تلحق بالمرأة المطلقة، وخصوصًا في مجتمع تقليدي وبلد محافظ مثل اليمن.
تشيح بوجهها، وتحاول جاهدة أن تحبس دموعها، وتقول: 6 سنوات وأنا أعيش حياة كلها رعب وامتهان، وأصبر حتى لا أهدم منزلي، ولا أصير مطلقة تتلقفها ألسن الناس، وإرضاء لأمي وإخوتي الذين كلّما ذهبت غاضبة إليهم، لا أجد منهم شيئًا إلا النصائح بالحفاظ على أسرتي والصبر.
حصلت “أمل” على الطلاق، لكن الضغوط النفسية التي تواجهها من المجتمع، وحرمانها من أطفالها الثلاثة منذ قرابة عامين، جعلها تقرّر العزلة عن الناس، فتدهورت نفسيتها، ودخلت في مرحلة من الاكتئاب، وماتزال تحاول الخروج من تلك الحالة عبر جلسات العلاج، كما تشير في حديثها.

طوق النجاة الأخير

الطلاق في المجتمعات العربية ليس أمرًا هيّنًا على المرأة، وذلك نتيجة للنظرة القاصرة التي تحملها مسؤولية الانفصال وتشتت العائلة؛ فهي -في عيون المجتمع- الآثمة والفاشلة في حياتها الزوجية، وتختلف قدرات التحمّل والصبر من امرأة إلى أخرى؛ ففي اليمن حيث تزداد نسبة الأمية بين النساء، وتقل أعداد الملتحقات بالوظائف الحكومية والخاصة، تكون المرأة أكثر صبرًا على تحمل المعاناة، وأكثر حرصًا على إنجاح الزواج، فلا تقرر الانفصال وتحمل تبعاته إلا حينما تكون المشاكل فوق طاقتها.
وبحسب الدكتورة رضية باصمد (أستاذ علم الاجتماع المساعد ونائب عميد كلية الآداب بجامعة عدن لشؤون خدمة المجتمع والتطبيق العلمي) لا تصل المرأة عادة في الوطن العربي، واليمن على وجه الخصوص، إلى مرحلة طلب الطلاق، إلا بعد أن تقدّم كثيرًا من التنازلات، ويصير الاستمرار في الزواج أكثر ضررًا من الانفصال، ويصبح الطلاق طوق نجاتها الأخير.
وتقول باصمد: الإهانة المستمرة سواء اللفظية أم الجسدية أم الجنسية، وعدم القدرة على التكيف مع الزوج، أو تخلي الزوج عن مسؤولياته والاستهتار بواجباته إلى الحد الذي تتعرض فيه الأسرة للأذى، من أبرز العوامل التي تدفع المرأة للطلاق.
وتضيف: لا يجوز لوم الزوجة لطلبها الانفصال إذا كان الزوج يمارس سلوكيات غير أخلاقية ومخلّة بالشرف، أو يقيم علاقات محرمة، أو مرتبطًا بأعمال إجرامية وغير قانونية، أو إذا حاول إجبارها على القيام بأعمال غير أخلاقية.

متمرّدة في نظر المجتمع

“مشيرة” امرأة أخرى تحاشت الوصول إلى الطلاق، وقدّمت الكثير من التنازلات خوفًا من الوصمة المجتمعية، وأحاديث الناس التي ستلوك سيرتها أينما ذهبت، فضحّت بوظيفتها إرضاء لزوجها، ولتزيل التوتر الذي زادت حدته مع مرور الوقت.
ولم تكن مشيرة -وهي الزوجة الثانية- أفضل حالًا من أمل، فقد تعرّضت للعنف الجسدي واللفظي، إلى جانب الإهمال والتعامل معها بتعالٍ وتكبر، نظرًا لأن مستوى الزوج الاجتماعي والمادي أفضل من أسرتها.
تتحدث مشيرة عن الماضي وقسوته بألم، وتقول: للأسف كنت أحبه، وكنت حريصة على إسعاده، إلا أن وصول الأمر إلى الضرب ومسّ الكرامة، جعلني أرفض العودة إليه، ولجأت إلى المحكمة لطلب الخلع على الرغم من معارضة الأهل.
لا تعاني مشيرة من قسوة النظرة المجتمعية فقط، فالأسرة نفسها تتعامل معها كأنها عبء ثقيل على كاهلها، رغم أنها تسعى لإرضائهم بتحمل أغلب أعمال المنزل، وصناعة وبيع الحلويات، لتُسهم في تحمل النفقات، لكن الأسرة تحاول دائمًا التخلص منها، وتزويجها من أي شخص، وكأنها عار تحمله على ظهرها، وعندما ترفض عريسًا، تواجه معاملة قاسية حتى من أمها التي تثور في وجهها، وتسألها بتهكم: إلى متى ستظلين بالبيت؟! بحسب ما تقول مشيرة.
وتُرجع المحامية والناشطة الحقوقية منى اليزيدي، أسباب المعاملة القاسية التي تواجهها المطلقة، إلى نقص الوعي والإحساس لدى الأسرة وأفراد المجتمع بمعاناة المرأة، والظلم الذي واجهته مع زوجها ودفعها لطلب الطلاق.
وتقول اليزيدي: صفة “مطلقة” تواجه بشيء من النبذ والرفض في المجتمع الذي ينظر إلى تلك المرأة متمردةً، وخارجةً عن طاعة الزوج، وعلى الرغم من تفاقم ظاهرة الطلاق في اليمن بسبب الحرب وتبعاتها الاقتصادية وانقطاع المرتبات عن شريحة واسعة من الموظفين، لم تتغير هذه النظرة الرجعية.

إقرأ أيضاً  رغم ضجيج الحرب.. جهود شبابية لإحياء تراث الغناء التهامي

اضطهاد وتحرّش

ترى مشيرة أن المطلقة امرأة أقوى من كثير من النساء الأخريات؛ لأنها اختارت الطريق الصحيح لحفظ كرامتها، ورفضت تقييد حريتها، وامرأة حوّلت ضعفها إلى قوة، لكن المجتمع يحكم عليها بطريقة ظالمة، ويعتبرها غير سوية، وعرضة للوقوع في الخطأ. ولهذا تحاول أن تخفي عن الناس كونها مطلقة، حتى لا يتغير تعاملهم معها، وتعتقد أن الرجال ينظرون إلى المطلقة فريسةً سهلة، مما يجعلها تتعرّض لكثير من المضايقات والتحرش.
وبحسب الدكتورة باصمد، يعود التحرش والاعتداء اللفظي أو الجنسي إلى سيطرة الثقافة الذكورية على المجتمعات، وإلى الاعتقاد بأن المطلقة تفتقد الرجل، ولا تستطيع الحياة من دون تلبية غريزتها الجنسية، والغريزة حقًا جزء أساسي من متطلبات الحياة، لكنها ليست الشيء الذي إذا فقدته فقدت الحياة.
ومما يشجع ضعاف النفوس على التحرش بالمطلقة، فقدانها حماية الرجل، واستغلال البعض انفصالها عن الزوج، إلى جانب سكوتها لدفع النظرة عنها، كما تقول اليزيدي.
ويُؤثر الطلاق على الوضع الاجتماعي للمطلقة، وعلاقتها مع الآخرين، وقد تتغير طريقة تعامل المجتمع معها، وقد تواجه معاملة سلبية من بعض أفراد العائلة، بسبب عدم تقبّلهم لقرار الطلاق، مما يجعلها تعاني من الرفض وتهميش رأيها، والإبعاد عن المشاركة في القرارات العائلية.
ويبدأ اضطهاد المطلقة من الأسرة التي تفرض القيود عليها، وتحدّ من حريتها وحركتها ومزاولة أمورها الحياتية، وتتعرض إلى آثار نفسية عميقة بسبب لوم الأسرة والمجتمع المتواصل لها حتى ترى نفسها المخطئة، فيما لا يتحمل الرجل حتى نصف التبعات والآثار النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة، ولو كان هو السبب.
وترى الدكتورة باصمد أن ثقافة المجتمع سبب النظرة القاصرة للمطلقة، ومتى ما وصلنا إلى الرقيّ في التعبير عن الذات، وقبلنا الرأي والرأي الآخر، واعتبرنا المرأة مكونًا مهمًا في المجتمع، ومكمّلًا للرجل، ستحصل المرأة على نفس مستوى حقوق الرجل.

عقاب قاسٍ

حصلت أمل ومشيرة على الطلاق، لكنهما حُرمتا من أطفالهما عقابًا من زوجيهما السابقين، أما مشيرة فتستطيع رؤية طفلها ومرافقته يومًا في الأسبوع، وأما أمل فلم ترَ أطفالها الثلاثة منذ قرابة العامين، وقد كان عمر أصغرهم لم يبلغ 10 أشهر.
تسيطر على أمل مشاعر الحنين والوجد لأطفالها، وتبذل قصارى جهدها لاستعادتهم، وتقول: منذ أكثر من عام رفعتُ قضية حضانة أمام المحكمة، لكن ثمة مماطلة وتأجيل للجلسات، ولا أمتلك الدعم والمناصرة في القضية حتى أستعيد أبنائي.
وتعلق المحامية اليزيدي على قضية أمل، بأنه غالبًا ما تحصل مشاكل حول حضانة الأبناء بعد الطلاق، ويتعنّت الرجل في هذه القضية لإذلال طليقته ومعاقبتها بحرمانها من أطفالها، لكن قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لعام 1992، يؤكد في مادتيه 139 و140، أحقية الأم في الحضانة إذا ثبتت أهليتها، ويحدّد سنّ الحضانة بـ9 سنوات للذكر، و12 سنة للأنثى.
وتقول: قانون حقوق الطفل رقم 45 لسنة 2002، نصّ على ذلك أيضًا، وشدد كقانون الأحوال لأحوال الشخصية، على أنه إذا كان الصغير عند أحد والديه، كان للآخر حق رؤيته بالطريقة التي يتفقان عليها أو بما يراه القاضي.
وترجع أسباب التعنت والمماطلة في قضية أمل، وحرمانها من أطفالها، إلى أنها تعيش في مجتمع قبلي، تسوده القوة والنفوذ، ولا يحتكم إلى القانون.

تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر، الذي ينفذه مركز الإعلام الثقافي cmc

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة