الأعراس الصنعانية من أغاني الفرح إلى الزوملة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – عصام صبري:

يحاول ساكنو العاصمة صنعاء وبعض مناطق الشمال في اليمن، التمسك والحفاظ على طقوس وعادات خاصة تميزهم عن غيرهم في بقية المحافظات اليمنية الأخرى، منذ مئات السنين. لكن الأمر تغير حينما سيطرت جماعة الحوثي على مدينة سام بن نوح (صنعاء)، إذ أصبحت الجماعة تتدخل في كل التفاصيل المتعلقة بحياة اليمنيين، ومنها ما يتعلق بحفلات ومراسيم الزواج، من خلال فرضها طقوسًا جديدة على سكان المدينة لا تحظى غالبًا بالقبول، وتارة أخرى تستهدف القائمين على تلك الأفراح وعلى من يقوم بإحيائها من مغنين وعازفين وراقصين، وحتى المتعهدين، بشتى الأساليب والوسائل العدائية. ويتساءل كثيرون لماذا يحدث ذلك؟ هل لذلك علاقة بما تسمى حملات تأصيل الهوية الإيمانية التي تتبناها الجماعة المدعومة من إيران؟
“المشاهد” يكشف عن ذلك من خلال أحاديث مواطنين وباحثين ومهتمين بالطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية لليمنيين.

طقوس متجذرة في أعراس صنعاء

إلى ما قبل العام 2015، كانت تقام الأعراس في صنعاء ومختلف المناطق الشمالية، بشكل طبيعي، كما اعتاد عليها اليمنيون، ويعتبر يوم الخميس للصنعانيين هو اليوم المفضل، ويسبقه يوم الأربعاء ليلة الحناء والسمر، إذ يجتمع أقارب ومحبو العريس، وعلى أنغام الموسيقى والأهازيج الفرائحية، يتم وضع الحناء (مادة نباتية للتجميل ذات لون أسود)، بين يدي العريس، الذي يأخذ قليلًا منها ويلطخها في كفي يديه وقدميه، وما بقي من الحناء يتنازعه الشبان الذين يقدمون الهدايا والهبات للعريس.
ويسرد عبدالله القاضي، أحد أهالي صنعاء، لـ”المشاهد” تفاصيل مراسيم حفل العُرس الصنعاني، قائلًا: “صباح يوم الخميس يحرص القائمون على العرس، على فتح أغاني الزفة والعُرس، عبر مكبرات الصوت، لإعلام الناس بالعُرس، ومن ثم يجتمع الناس لمشاركة وحضور رقصة البرع، التي يستخدم فيها الراقصون الجنابي (خناجر يمنية) على إيقاع الطبول المسماة “المرافع”. عقب ذلك يتهيأ القائمون على حفل العُرس للتحضير لوليمة العُرس، التي تكون عادة وجبة غداء، تتنوع في مائدتها أكلات بنت الصحن والشفوت والفحسة وحساء المرق واللحمة مع الأرز”.
بعد تناول وجبة الغداء يبدأ المقيل عصر اليوم ذاته، وفيه يمضغ ضيوف العريس القات (نبتة يمنية يتعاطاها الناس بعد ظهر كل يوم)، ويُدشن المقيل بما يُعرف بزفة الديوان، وفيها يردد المنشد مقطوعات إنشادية فيها أبيات شعرية تتضمن الدعاء للعريس وللضيوف والحضور بعد كل أنشودة، والصلاة على النبي محمد، ويردد الضيوف كلمات متعارفًا عليها بعد أن يحمسهم المنشد.
ثم يأتي دور الشعراء والفنانين، إذ يعزف فنانون مقطوعات غنائية ذات اللون الصنعاني بآلة العود الموسيقية، ويستمر الحال حتى وقت ما قبل المغرب، وهي الفترة التي يُطلق على تسميتها شعبيًا “الساعة السليمانية”. وينتهي العُرس بزفة ليلة الدخلة التي تُلقى فيها الأناشيد الصنعانية تباعًا، يرتدي فيها العريس عقود الفل، ويتوج بالعكاوة (إكليل الشذاب والزهور يوضع على رأس العريس)، ويحمل العريس السيف أو البندقية في يده اليمنى.
تكون الزفة بشكل دائري يرتص فيها الحضور، العريس يقابل المنشد في الدائرة ذاتها، بمسافة طويلة، وتتوسطهم المزاهر التي توضع فيها الزهور والورود ذات الألوان الزاهية، كما توضع المباخر ذات الروائح الزكية، ويوضع البيض الذي تُكتب فيه عبارات الصلاة على النبي، حماية من أعين الحساد، كما يعتقد الصنعانيون. وتنتهي الزفة بعد أن يحمل الحاضرون العريس على أعناقهم، وبعد التقاط الصور التذكارية.

وللنساء طقوسهن

على خلاف الرجال، فإن النساء الصنعانيات والمنتميات لبعض المحافظات الشمالية في اليمن، يحرصن على أن تستمر حفلة العرس أسبوعًا كاملًا، بحسب توضيح الباحثة في التراث أروى الزبيري، لـ”المشاهد”.
وتبدأ طقوس عُرس النساء في صنعاء، من يوم “التوديع”، وهو اجتماع الفتيات في جلسة غنائية لتوديع العزوبية، فكل شابة يجب عليها أن تحضر طبقًا من الحلويات والمعجنات إلى منزل العروسة التي يُطلق على تسميتها باللهجة الدارجة “الحريوة”.
“الحمام”، وهو اليوم الذي تذهب العروس إلى حمام بخاري، وتعود لمنزل والدها ومعها صديقاتها وقريباتها.
ويصاحب ذلك اليوم حفل غنائي داخل منزل العروس. ثم يأتي يوم “الذبال” الذي ينظمه أقارب العريس، وترتدي فيه العروس والنساء المدعوات أزياء تراثية صنعانية، وتحييه مغنية شعبية تعزف إيقاعات شعبية بالصحن والملعقة.
وفي اليوم الرابع المسمى يوم “النقش”، تحرص أم وشقيقات العروس على نقشها بالخضاب (مواد كيميائية ونباتية تستخدم للصبغ والتزيين) والحناء.
يليه اليوم الخامس المسمى “الحفلة”، والذي يشهد الاحتفال الخاص بالنساء في إحدى القاعات المخصصة لهن. ثم يأتي اليوم السادس المسمى “النسمة”، وفيه تُنقش العروس من جديد، وترتاح في منزلها لليوم السابع المسمى ليلة “الدخلة” الذي تُزف فيه إلى زوجها، وترتدي الفستان الأبيض.

ما الذي تغير في حفلات الزفاف بمناطق سيطرة الحوثيين؟

قبل منتصف تسعينيات القرن المنصرم، كانت تُنصب الخيام من أجل إقامة جلسة المقيل في حفلات الأعراس، ومع تغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أصبحت حفلات الأعراس تقام في قاعات مخصصة للمناسبة ذاتها، واستمر هذا الحال حتى فترة ما قبل سيطرة جماعة الحوثي، إذ إن الكثير من ساكني صنعاء لم يعودوا قادرين على دفع إيجارات صالات المناسبات الباهظة التي يقول مالكوها إنهم مضطرون لرفع تكاليف إيجارها بسبب الجبايات الكثيرة التي يجنيها الحوثيون منهم في مختلف المناسبات، تحت مسمى دعم المجهود الحربي. ففي جلسة المقيل بزفاف العريس عبدالله، أحد قاطني العاصمة صنعاء، دخل مشرف الحوثيين في الحي الذي يقطنه العريس، إلى القاعة، وبصحبته داعية ديني، أخذ المايكرفون من المنشد، وتحدث عن انتصارات مقاتلي الحوثي، ودعا للسيد ولآل البيت، من بعده أخذ “المزومل”، وهو الشخص المؤدي للزوامل الحوثية، المايكرفون، وبدأ يردد الزوامل التي تمجد في كلماتها زعيم جماعة الحوثي وقيادات حوثية، وكلمات أخرى تحريضية لقتال القوات الحكومية والتحالف العربي، وأخرى مذهبية تُحرض على قتال النواصب، والوقوف مع شيعة الإمام علي، حد قولهم.
كان المزومل يطلب من ضيوف العريس المتواجدين في القاعة، إعلان البراءة ممن سماهم أعداء الله، وترديد الصرخة الحوثية.
حينها تضايق العريس الشاب العشريني عبدالله علي، لأنه لم يدعُ المزومل لحضور حفل زفافه، ولا يريده أن يكون حاضرًا لتأدية زوامله، كما يقول عبدالله لـ”المشاهد”، ويضيف: “لقد فرض الحوثيون علينا دعاة ومزوملين، واستقطعوا من الوقت المخصص للمنشدين والمغنين والعازفين، وأرادوا أن يوصلوا رسالة للحاضرين بأننا ننتمي للحركة الحوثية، وهو الأمر الذي يجافي الحقيقة”.
وبحسرة يقول عبدالله: “لقد أفسد الحوثيون يوم زفافي”.
وبحسب مواطنين قاطنين في صنعاء، تحدثوا لـ”المشاهد”، فإن “جماعة الحوثي تحرص على إرسال الدعاة والمزوملين في حفلات الأعراس، دون رغبة من أصحاب الأعراس، بُحجة مشاركتهم فرحة العريس”.
وفي بعض الأحيان يمنع مشرفو الحوثي في بعض حارات صنعاء، إكمال سهرات حفلات الأعراس، ويمنعون المغنين والعازفين من تقديم أغانيهم، بحُجة أن الأغاني في الأعراس تؤخر انتصارات الجماعة في حربها مع القوات الحكومية والتحالف العربي.
ويرى همدان رزيق، أحد قاطني محافظة عمران، أن قاطني صنعاء هم أحسن حظًا من باقي المواطنين القاطنين في مناطق أخرى واقعة تحت سيطرة الحوثين، بسبب استخدام الحوثيين قوة السلاح لمنع تواجد عازفين ومغنين لإحياء أعراس عديدة في مناطق “عمران وحجة والمحويت وذمار”، على وجه التحديد، إذ غالبًا ما ينتهي حفل العُرس بوقوع قتلى وحرجى، أو بسجن المغني أو العازف أو العريس أو أحد أقاربه في أبسط الحالات.

إقرأ أيضاً  تضليل الحوثيين بشأن قيمة إيرادات النفط والغاز في اليمن

فرض المعتقدات في قاعات الأعراس

ولم يكتفِ مشرفو وأتباع الجماعة الحوثية باستخدام أساليب ووسائل فرض الدعاة والمزملين على الأعراس، بل تعدى ذلك لأمور أخرى، ومنها فرض وضع شعار الحركة الحوثية في دعوات الزفاف، وتضييق الخناق على من يرفض ذلك، من خلال فرض غرامات مالية عند إطلاق الألعاب النارية، والزعم أنها أعيرة نارية، وهو الأمر الذي حدث مع جمال، وهو عريس من صنعاء، كان حفل زفافه في أغسطس الفائت.
ويقول جمال لـ”المشاهد” إن والده دفع 20 ألف ريال لقسم شرطة الحصبة كغرامة مالية بسبب ادعاءات أن عائلته أطلقت الرصاص في يوم العرس، لكن جمال يعرف أن حقيقة الأمر هي أن تلك المزاعم جاءت كردة فعل عقابية له، بسبب رفضه وضع شعار الحوثيين في دعوة الزفاف حينما طلب منه ذلك أحد أتباع الجماعة.
ويدافع ناشطون وصحفيون مقربون من الحوثيين عن توجه جماعتهم، ويرى بعضهم أن ما يتحدث عنه البعض بخصوص انتهاكات الحوثيين لخصوصيات المجتمع اليمني، ومناسباته الاجتماعية، بما فيها حفلات الأعراس، هو مبالغة ومحض افتراء.
ويرى الصحفي المقرب من الحوثيين عبدالغني الحداد، أن “منع المعازف والغناء في الأعراس يأتي في إطار احترام دماء “الشهداء”، الذين ضحوا بأرواحهم لحماية اليمن من الغزو الخارجي”.
وفي حديثه لـ”المشاهد”، يؤكد الحداد أن الحوثيين لا يفرضون معتقداتهم وطقوسهم على أحد، لأنهم جزء من الشعب، وأن بعض الانتهاكات التي يرتكبها بعض المشرفين، هي تصرفات فردية، ولا تعكس توجه الحوثيين العام”.
ويقول: “من واجب أنصار الله أن يسعوا إلى تبصير اليمنيين بهويتهم الإيمانية وتأصيلها، لأن تمسك الشعوب بهويتها الإيمانية يُعد مصدر قوة واعتزاز لها، ودرعًا منيعًا يمكنها من الصمود في مواجهة الغزاة والمعتدين”.

مقاومة بلا سلاح

في العامين الماضيين بدت في حفلات الأعراس بصنعاء ظاهرة يرى باحثون أنها مضادة لمضايقات الجماعة الحوثية لأصحاب الأعراس، إذ يحرص القائمون على تلك الأعراس على وضع مجسم للطير الجمهوري ككوشة توضع خلف العريس، كما يحرص القائمون على تلك الأعراس على تدشين يوم مقيل وحفل الزفاف بفتح النشيد الوطني اليمني، وترديد عبارة “بالروح بالدم نفديك يا يمن”.
وعن ذلك يقول الباحث الاجتماعي مجيب الورد، إن “ذلك يعتبر بمثابة مقاومة للمشروع الحوثي في اليمن، وأن اليمنيين مايزال لديهم الوعي الكافي لعدم تقبل ما يريد الحوثيون فرضه عليهم وعلى طقوسهم ومعتقداتهم”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة