fbpx

المشاهد نت

رُبا جعفر.. صورة مصغرة لمقاومة مدينة

القاهرة ـ آيـــة خــالــد

الفتيات اليمنيات يثبتنّ ذواتهن بجدارة ويحققن نجاحات مختلفة تمكنهن من الاستمرار والانخراط بأسواق العمل بمجالات مختلفة تطوعية وربحية.. وعندما بدأت الحرب في مارس 2015م غيرت كل الملامح وأجبرت كثير من النساء على العمل وتحمل العناء، والانضمام لأعمال ربما لا تناسبهن ولكن الظروف أحكمت عليهن ذلك، بيوم وليلة وجدت الأم اليمنية نفسها تقوم بدور الأم والأب معًا في حال قُتل الأب، المرأة اليمنية والدها قتيل وزوجها أسير وأخاها مخطوف، وولدها في الجبهات ومع ذلك استطاعت تغطية غيابهم والعمل بدلًا عنهم.
في الحالمة تعز العاصمة الثقافية لليمن الوضع أشد صعوبة وخطورة أيضًا.. هذه المدينة كل من فيها يُقاوم بطريقته فالمرأة تُقاوم لأجل أسرتها وكيانها، والطالب يُقاوم لأجل مستقبله، وبين كلمة اليوم وغدًا ألف قصة وحدث وتفاصيل لن يشعر بها سوى من عاشها.. في هذه المدينة يُسجن الأب لتظل ابنته تبحث عنه طيلة أربعة أعوام، وتتبنى قضيته هذه هي قصة الدكتورة الصيدلانية: ربا عبد الحميد جعفر – البالغة من العمر 27 سنة- البنت الثانية لأبيها- عملت مصورة ميدانية خلال الحرب التقيتها لنتعرف على قصتها أكثر.
عندما بدأت معها الحوار وسألتها كيف تحبِ أن يُعَرِفكِ الناس؟
أجابت بسرعة “أحب أن يعرفني الناس أول ما يذكر كلمة وطن أو قضية أو تضحية يكون اسمي في المقدمة”.
تميل ربا للكتابة الأدبية وتتمنى تتطور مع الأيام وتكون كاتبة قصص قصيرة أو روايات وترى أنها أهملت هذا الجانب مؤخرًا وتتمنى العودة لها قريبًا وبقوة.
شاركت في مبادرات كثيرة تدعو للسلام وكان دورها أولًا عمل نزول ميداني؛ لقياس ردود الناس ووجهات نظرهم، وشاركت في ندوات سواء عبر مواقع زووم أو على الواقع.
معروفة ربا بنشاطها المستمر في جوانب عدة وحسب قولها: ” أينما وجد نقص أجدني يعني طبيًا انسانيًا، اعلاميًا، وبرضه بجهات للمقاومة من دعم، ومثلًا بداية الحرب والنداء الطبي اللي فعلوه نتيجة نقص الكادر رحت غطيت النقص ووقفت بالصيدلية والجانب الطبي، كنا ندعم أدوية ونستقبل بنفس الوقت، نوزعها للناس بداخل المستشفى، ولو في جريح بحاجة دواء مش موجود نكلم فاعلين الخير إنه يجيبوا قيمته وكانت تتحقق حاجات كثيرة رغم الحرب”.

وتُضيف: ” نشاطاتي برضه بالجانب الإنساني انقاذ جرحى وقت القصف وأحيان من بين الركام وإسعافهم، إغاثة ونازحين كنا نرصد ونجيب لهم سلل غذائية، وننظم قوافل طبية لهم، وأحيانًا ندخل أولادهم وندعمهم للمدارس وكله عبر فاعلين الخير بدون ما يطلبوا منا حتى نصور أو نكتب”.
تحاول ربا أن تكون أعمالها مجردة من الانتماء لحزب سياسي أو جماعة معينة وتؤكد على ذلك: “ما أحب انه أي عمل من أعمالي يكون تحت إطار أي حزب أو أي مبادرة أو حتى جهة، صحيح كنت اشارك مع مبادرات كثيرة لكن كتعاون مني وكتكاتف وقت الحرب وشيء لابد منه إنه نكون يد واحده”.
عملت وتنقلت ربا بمهن عديدة منها صيدلانية في أكثر من مرفق صحي وصيدليات خارجية، مسؤول مالي لجهات مختلفة، مسؤول صرفيات في أكثر من مؤسسة، مدونه في مواقع، مراسلة لدى مواقع، مصورة احداث في الحرب، ادارة صفحات إخبارية، ادارة مشاريع، رصد المتضررين، اغاثة المتضررين، ومسؤول اعلامي في أكثر من جهة من بينها المجلس التنسيقي لمستشفيات تعز في الحرب.

كيف اثرت الحرب على ربا؟


حين سألت ربا عن تأثير الحرب عليها أجابت: “الحرب اكسبتني صبر وقوة تحمل، وخلتني اصبر على أشياء كنت أقول ما بصبر عليها ابدًا.. علمتني كيف اعتمد على نفسي؟ كيف أضعف وأقوى؟ كيف أواجه المواقف والأحداث؟ الحرب ربتنا رغم أنه فقددنا فيها أعز الناس وتشردنا بعدنا عن بيوتنا وأهلنا لكن على قدر كل ما سبق كنا أقوى”.
بحب وشغف ربا وانتماءها لتعز وللإنسان استطاعت التوفيق بين دراستها الطبية وعملها الإعلامي والميداني وتوضح ذلك بقولها: “لما تحبي الشيء تبذلي علشانه كل حاجة، وللعلم ما أحب المجال الاعلامي لكن حبيت القضية اللي من خلال الإعلام وصلتها للناس، وعلشان القضية اللي بيدنا حبيت كل ما يؤدي لها، مسكت الجانب الإعلامي؛ لأني شفت إنه جانب مناسب عشان من خلاله أقدر أقدم للقضية خدمتي”.


ظلت ربا لفترات طويلة تصور الانتهاكات اللي حصلت بتعز وتنشرها على الانترنت وتتناقلها عدة مواقع وكانت تلاقي ترويج وصدى كبير خصوصًا أنها مجان ومتاحة للجميع وكانت تكتفي بأنها حققت الهدف ورسالتها تنشر كما تقول.
تُردف ربا “ومرات ألجأ للكتابة عشان وصف اللي يحصل لنا داخل تعز، ومرات كثيرة نشر أخبار يعني كذا شامل عشان نكون قدمنا ولو شيء بسيط، ولكن من أبرز الصعوبات ما كان في جهة رسمية أنشر فيها أعمالي، يعني أني لو دخلت مكان ما أحد يدخله وصورت وعملت كل شيء كنت ما أدور بعد القنوات عشان يأخذوا العمل بمقابل، فهذا الشيء خلاني أقول إنه في جانب أهم من جانب فالجانب اللي كان بحاجتي أكثر وقت الحرب هو الجانب الطبي”.

إقرأ أيضاً  رنا الأصبحي.. تواجه النزوح بصناعة الحلي والاكسسوارات


كيف تلقت خبر اختطاف والدها؟


ظلت ربا تتابع بعد قضية والدها المختطف في سجون الحوثيين أربع سنوات وهي بين كر وفر وبحث مستمر وذكرت لنا تفاصيل هذا اليوم: “يوم مفزع ما اشتي اتذكر تفاصيله الأستاذة: هديل اليماني مراسلة قناة الجزيرة في تعز آنذاك اتصلت لي عشان تتأكد من الخبر وأني اصلًا مش عارف بالخبر، كانت صدمة خصوصًا كنت أحاول أتواصل مع أهل البيت كلهم تلفوناتهم مغلقة مع الحادثة، كان بابا بخطر والأهل كلهم بخطر وأني بالمدينة لحالي مش عارف كيف اتصرف عشان بس اوصل لخبر تطمين عنهم”.
عن الجهود التي بذلتها في سبيل قضية والدها هي كانت وحيدة لكن الجميع يكاتفها كما تُشيد: “للأمانة لما تكون بتعز ما بتلاقي نفسك تعمل جهود فردية؛ لأنه كلهم ساعتها يتكاتفوا معك بمصيبتك، ويجتهدوا عشان هذا الشيء.. بالمدينة وقفوا وسندوا وبحثوا من أول يوم خطف لبابا جابوا لي أول شيء أخباره طمنوني عنه، وبعدها بدأنا نبحث عن طريقة نخرجه فيها.. والحمد لله”.


كفتاة تُقاوم في مجتمع يمني ووضع حرب كيف قاومت ربا؟


“ما تنوصف ولا تكتب بسطور هذه المقاومة، ما بين تهديدات الحوثي واسناد الناس اللي حولي ما بين أيام صعبة وحزن وانكسارات متتالية، ما بين بعد وتشرد قذائف وموت ما كنتش اخاف من الموت غير عشان شيء واحد انه أموت بالحرب وعادني ما خرجت بابا من سجنه ولا شفته لا هو ولا أهلي اللي بمنطقه بعيدة كانت مهمة صعبة بس ربك يهب لنا صبر على قدر المصيبة، والحمد لله حققت أمنيتي”.

تهديدات وابتزاز


تعرضت ربا لمواقف سلبية كثيرة وتهديدات خلال سجن والدها وتشير له” كنت ما ارضي اتواصل مع الحوثيين رأسًا أخلي اللجنة حق المختطفين هي اللي تتواصل معهم عشان أشياء كثيرة مش المفروض تُذكر.. لكن مرات كثيرة وصل لي تواصل من طرفهم وكنت بنفس الأسلوب أي تواصل منهم أو رسائل اجيبها للجنة أو لأي جهة مسؤولة وهي من ترد بس وصل لي اذاهم مثلًا أحيانًا عبر الفيس رسائل تهديد وأحيانًا sms أو يتصلوا ويهددوا بالذات رقمي الأول اللي اخذوه من تلفون بابا بعد الخطف”.
وتُضيف: “المواقف السيئة منهم كثيرة لما يجي حد يهددك بشرفك، أو يطرح لك شروط أنه بنخرج أبوك بشرط من شروطهم، أو إنه يرسلوا لك رسائل تقول إنه أبوك يتعذب ويشرحوا لك كيف يعذبوه، أو يهددوك بعائلتك اللي هي ساكنة بمناطقهم، كل هذا مضمون تهديداتهم، ووعودهم الكاذبة هذا كله شكل شتات وضغط نفسي فيني”.
وتُشير “بس بالمقابل في مواقف إيجابية مثل وقوف الناس حولي وتعاونهم حتى لما خرج بابا ما كانش هدفي وحدي تحول الهدف لمطلب الجميع وحاول عشانه الجميع ويوم استقباله يبقى بذاكرتي طول العمر وذاكرة كل من يعرف جعفر والحمد لله”.

لماذا يصف الناس ربا بالقوة؟


“كل من كان يلقبني بهذا اللقب كان يمتدح جانب عملي الطوعي بالذات بفترة الحرب وتنوعه ما بين انساني إعلامي طبي ومجالات كثيرة، وكنا بفترة الحرب بين نيرانها كله وصدمات مثلنا مثل أي مواطن عادي داخل تعز، وهذا شيء واجب علينا مش تفضل مننا، لكن هم كانوا يقولوا لي قوية عشان هذه الأشياء”.
“اليوم ربا متواجدة في تعز، وتجدها بأي عمل ميداني، أو أي عمل يبرز تعز وتضحياته، وترى أن أهم قضية في الوقت الراهن هي: تعز وتتمنى أن تتحرر تعز وتكون بلدة آمنه، ويعيش أبناءه الحياة التي يتمنوها كما تقول”.

عن واقع المرأة في تعز بنظر ربا؟


“أرى أن المرأة التعزية اليوم متاح لها المشاركة والعمل بأي مجال بعد ما كان محصور بمجالات معينه، وأصبح اسمها يذكر بأي أعمال سواء تجارية أو انسانية وحتى بالجيش وكل المجالات”.
طموح ربا؟
أكيد أي شخص منا عنده طموحات شخصية بمجال تخصصه، وأتمنى يجي اليوم اللي أشوف فيه مشروعي الخاص بمجالي الصيدلاني، وبرضه أتمنى من نفسي أنه يكون لي أي روايات من حروفي.


رسالة ربا لنساء بلدها

وفي ختام المقابلة وجهت رسالة للمرأة اليمنية” على المرأة اليمنية أن تنتهز الفرص بهذا الوقت؛ لأن كل الأشياء واقفة معها أكثر من أي وقت سابق والمجتمع الدولي يقف مع حقوقها والمجتمع المحلي مشجع لها بشكل كبير، فتنتهز الفرص وتتولى أمور وتثبت ووجودها”.
ربا نموذج لقصة مقاومة من مدينة تقاوم كل يوم لأجل الحياة، وغيرها كثير من الفتيات اليمنيات اللاتي يقاومن المجتمع وظروفه والحرب وويلاتها؛ لينعمن بالحياة بسلام.
*هذه المادة أُعدت في إطار مشروع القيادات النسائية.. محفز لتعزيز بناء السلام والاستجابة الإنسانية في اليمن، بتنظيم شبكة أصوات السلام، بالشراكة مع مجموعة التسعة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان والحكومة اليابانية.

مقالات مشابهة