الحرب مِعوَل لهدم التلاحم الأسري

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
تتسع التشققات الأسرية في اليمن بفعل الحرب بسبب تدني الوعي

عدن-رانيا عبد الله

منير وعلاء شابان لم يمنحهما القدر العيش بسلام، فقد أصبحا مشروع موت وسببًا في شقاق بين أسرتيهما بسبب الحرب الدائرة باليمن. التحق منير (25 عامًا)، بداية العام 2015، بجبهة القتال مع القوات الحكومية، بينما ذهب ابن عمه علاء (17 عامًا) للقتال مع جماعة الحوثي.

تقول أم علاء: “الحرب جاءت لتهدم كل أسس التلاحم الأسري، فبعد اندلاع الحرب التحق ابن أخت زوجي للقتال مع المقاومة، وبعدها بثلاث سنوات التحق ابني بالقتال مع الحوثيين، وأصبح الاثنان على خلاف شديد، ولم يجتمعا منذ التحاقهما بالجبهات، وامتدت هذه الخلافات والقطيعة بين الأسرتين، وأصبحنا كأننا غرباء”.

“قُتل ابني وابن أخت زوجي بالحرب، ولم نجنِ منها إلا الدمار والشتات، وقطيعة لا أعلم متى ستنتهي، وجروحًا لا ندري كيف ستندمل، والآن أعيش بقلق وخوف بعد أن ترك ابني الآخر التعليم بعد مقتل أخيه، والتحق بالجبهة ثأرًا له”، تضيف أم علاء.

تلاشي العلاقات الأسرية

لم تعد العلاقات الأسرية في اليمن، كما كانت في الماضي، وقلّما نجد اُسرًا مازالت محتفظة بتماسكها الأسري، وعدم انجرار أبنائها للصراعات الدائرة في البلد منذ مارس 2015، إذ تحولت المشاكل الأسرية الطبيعية المعتادة إلى مشاكل سياسية، وطائفية.

وأدت الحرب إلى انقسام الأسرة الواحدة بين مؤيد ومعارض لسياسة وتوجهات الأطراف المتصارعة في اليمن، فقد قضى الشاب سامح (اسم مستعار ) سنوات طويلة مع عائلته بالنزوح، وعندما قرر العودة مع عائلته إلى قريته، لم يجد الألفة التي عاشها قبل اندلاع الحرب، يقول: “نشبت خلافات بعد عودتنا إلى القرية مع أبناء عمومتي، وكانت بسبب موقفي المعارض لتوجهاتهم وآراءهم السياسية والمذهبية، وأدت هذه الخلافات إلى أزمة كبيرة بيننا، ووصلت نتائجها إلى الأطفال”.

ويضيف سامح: “لم أحتمل البقاء في القرية في ظل تلك الأجواء المشحونة بالخلافات والكراهية، فعدت مع أسرتي للمدينة، رغم أني كنت قررت الاستقرار مع عائلتي في القرية التي نشأت وترعرعت فيها”.

ويقول الدكتور محمود البكاري، أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة تعز: “التعصب بحد ذاته سواء كان لحزب أو لطائفة أو مذهب، يعد سلوكًا اجتماعيًا غير سوي وغير مقبول، لأنه يزيد من تأجيج الأزمات والصراعات بصورة يصعب معها الوصول إلى حلول للمشاكل القائمة، وبخاصة أثناء الحروب”.

ويضيف البكاري أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود وعي اجتماعي لدى بعض أفراد المجتمع، إذ تصل بهم الحالة إلى تفجير خلافات وخصومات وصراعات أسرية، وهذا أخطر ما تنتجه الحرب، فالوضع الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية يفترض أن تكون محايدة عن كل بؤر ومولدات العنف والصراع”. ويرى أن هناك من يقف خلف هذه الظواهر ويغذيها بما يخدم ويحقق مصالحه، غير آبه بما يترتب على ذلك من أضرار تلحق بالمجتمع و التماسك الاجتماعي.

أخي صوَّب السلاح نحوي”

“زيارة أسرية كادت أن تودي بحياتي”، هكذا تقول وفاء (اسم مستعار)، وهي تتحدث عن الخلافات بينها وبين أخيها بسبب التوجهات السياسية، والتي جعلته يرفع السلاح بوجهها عند ذهابها مع أبنائها لزيارة الأسرة في أحد الأعياد الدينية، قبل عامين، تقول: “بحكم أن زوجي ينتمي لحزب مُناوئ للجماعة التي ينتمي إليها أخي غير الشقيق، بدأ يستفزني أثناء اجتماعنا في منزل والدي في زيارة عيدية، وعندما بدأت أناقشه عن توجه الجماعة التي ينتمي إليها، وعن أفكارهم المغلوطة، فز غاضبًا موجهًا السلاح في وجهي، مرددًا: هذه أفكار زوجك القذرة، وتدخل إخوتي الآخرون، وفضوا الشجار بيننا، لكن بعد ذلك الموقف لم ألتقِ به أو أتحدث معه”.

إقرأ أيضاً  حراك نسوي لإشراك المرأة في مفاوضات السلام

وبحسب المستشارة الأسرية، الدكتورة ألطاف الأهدل، فإن الحروب والنزاعات المسلحة لعبت دورًا سلبيًا في تمزيق البنية الاجتماعية، وتقويض معطياتها، وتحويل معاييرها الأخلاقية، وتشتيت توجهاتها القيمية، بخاصة في المجتمعات ذات الأسس الاقتصادية الهشة، لما تتبعه من مناهج الضخ المادي والتدفق المالي وبيع وشراء الذمم والولاءات الضيقة، ومحاولة تطويع الآراء وجذب التوجهات في طريق أهدافها.

وتقول الأهدل: “ما يحدث في المجتمع اليمني اليوم هو خير شاهد على أسوأ صور التمزق المجتمعي في ظل وضع اقتصادي متصحر ومساحة احتياج وفقر لا يمكن تبريرهما أمام حجة المصالح المتعاظمة يومًا بعد يوم في أوساط النخبة الحاكمة”.

وتضيف: “أسهمت هذه الحرب العبثية في تمزيق عرى التوافق والتواد والمواءمة المجتمعية، وشقت بعصا الجوع والفاقة طريقًا يبسًا إلى ساحل الشقاق والنفاق والآفاق المخضبة بالرؤى الذاتية والأحكام الفردية، فليس غريبًا أن نجد شتاتًا يلف أواصرنا الأسرية، وإعصارًا هائلًا يجتث علاقاتنا الإنسانية من أعتى جذورها بحثًا”.

وليس من الغريب أن تظهر في أوساط المجتمع اليمني تلك القناعات والتوجهات الرامية إلى فك الرابط الأخوي وسحق أوداج الأخوة تحت رحى المكاسب المؤقتة، إذ تجسدت مشاهد التمزق بين أفراد الأسرة الواحدة، وأصبح فيها من يقف مع فئة باغية، وآخر يقدم رأسه قربانًا لفئة مستنصرة، وثالث يحاول أن يضع قدمًا على أرض هؤلاء وأخرى مع أولئك، وفق الأهدل.

مبادرات مجتمعية

تقول كريمة الصمدي، أخصائية علم نفس: “نحن بحاجة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وإيجاد مساحة كافية للتعايش بعيدًا عن أي توجهات أو حسابات سياسية، فإذا استمر الصراع فإن المنظومة الاجتماعية ستنهار، وعلينا إدراك حجم الكارثة وتلافي أي مخاطر قبل وقوعها، وباستطاعتنا خلق  مبادرات تدعو إلى التعايش حتى وإن كان كل شخص ينتمي إلى جهة أو حزب أو جماعة بفعل الحرب، وهذا أقل ما نستطيع القيام به كمجتمع متعايش، حتى إذا وضعت الحرب أوزاها استطعنا الحفاظ على التماسك الأسري والنسيج الاجتماعي، وإلا فإننا أمام كارثة اجتماعية حتى بعد توقف الحرب”.

وأودت الحرب بحياة 233,000 شخصٍ، بمن في ذلك 131,000 حالة وفاة نتيجة لأسباب غير مباشرة، مثل نقص الغذاء أو الخدمات الصحية، أو غياب البنية التحتية، بحسب تقرير صادر عن مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة