fbpx

المشاهد نت

عصر إعادة الإعمار دروس أميركية لليمن في هيكلة المجتمع والقطيعة مع الماضي

Vintage illustration features the surrender of Lord Charles Cornwallis and the British army at Yorktown, Virginia, in 1781, which ended the last major campaign of the American Revolutionary War.


القاهرة – وضاح الجليل :

أية حرب تحقق انتصارًا للحقوق والحريات العامة والخاصة، هي حرب مفيدة بالتأكيد؛ لكن فائدة الحرب لا تنفي قسوتها وكلفتها، ولا تعيد قتلاها إلى الحياة، فهل تستحق تلك الفائدة؛ كل تلك التضحيات؟!

تعد الحرب الأميركية أكبر حدث هزّ الولايات المتحدة في عمقها، كتعبير عن الانقسام المجتمعي الكبير، الناتج عن التغير الاقتصادي وتجديد الرأسمالية لصورتها الأكثر قوة، وتكبدت الولايات المتحدة من الخسائر البشرية والمادية أكثر مما عرفته في كل تاريخها


توصف الحرب الأهلية الأميركية بأنها حرب مفيدة؛ ليس فقط لأنها أدت إلى إحداث قطيعة مع الماضي بما فيه من عبودية واضطهاد وقمع وانقسام؛ بل لأنها حدثت في الأساس ولدى كل طرف فيها قناعة تامة أنه يحمل الحقيقة ويدافع عن نفسه. لقد بدا للجميع وقتها أنهم يدافعون عن وجودهم، والأمر هنا لا يخضع لمسألة النسبية؛ بل لأن حركة التطور الاقتصادية اقتضت هذه الحرب؛ وإذا كان عنوان الحرب الأبرز هو مناهضة العبودية؛ فإن الشمال الذي سعى إلى إلغائها؛ لم يكن قد تجاوز العنصرية بعد، ولم يكن كافة البيض فيه أصبحوا مؤمنين بالحرية والعدالة التي تتجاوز التمييز على أي أساس، بما في ذلك العرق واللون، وفي الجنوب كان غالبية البيض من فقراء المزارعين؛ لا يملكون عبيدًا، وليس لديهم مصلحة في تأييد العبودية، كانت حربًا بين الحداثة والتقليد.
تعد الحرب الأميركية أكبر حدث هزّ الولايات المتحدة في عمقها، كتعبير عن الانقسام المجتمعي الكبير، الناتج عن التغير الاقتصادي وتجديد الرأسمالية لصورتها الأكثر قوة، وتكبدت الولايات المتحدة من الخسائر البشرية والمادية أكثر مما عرفته في كل تاريخها، إذ شارك فيها ما يقارب الثلاثة ملايين محارب، وقتل حوالي ثلثي مليون شخص وأمثالهم من الجرحى، في وقت كان تعداد السكان 35 مليون نسمة، لكن هذه الحرب وصفت بالمفيدة، لأنه، وبرغم كل هذه الخسائر، خرجت البلاد منها منتصرة مستقرة؛ حسب مقتضيات العصر ومعطياته ومنطقه.

حقيقة الانقسام

كانت الثورة الصناعية الأولى تحصد ثمار نجاحها منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت الثورة الصناعية الثانية التي من أهم منتجاتها الآلات الضخمة وتقنيات التصنيع الحديثة، والتي تبحث عن فرض نفسها على حساب أدوات الإنتاج السائدة، والتي كان العبيد هم مجمل تلك الأدوات، ويمكن حصر عهد الثورة الصناعية الثانية بين عام 1870 وعام اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، إذ كانت الشركات العالمية المسيطرة تبحث عن طرق إحلال آلات التصنيع والتقنيات الصناعية الحديثة بدل العبيد الذين يعدون أدوات إنتاج رخيصة جدًا وزهيدة التكلفة، لكنها بطيئة الأداء والإنتاج، وبالتالي تعرقل نمو الشركات وتسارع أرباحها.
ترافق ذلك مع نشوء حركة حقوقية واسعة تدعو إلى تحرير العبيد وإلغاء الرق؛ استجابة لتلك التطورات الرأسمالية، لكن ملاك الأراضي الواسعة والإقطاعيين في الريف والجنوب الزراعي عارضوا التوسع التقني، ورفضوا إحلال الآلات محل العبيد، فنشأ جدل متصاعد تحول إلى عنف مجتمعي بين المثقفين الرأسماليين والساسة الإقطاعيين، وكان النقاش يذهب إلى ادعاء كل طرف تمثيل الأمة الأميركية، فالرأسماليون يطالبون باستجابة الولايات المتحدة إلى التطور الصناعي والأخذ بزمامه ومجاراة أوروبا في حداثتها، بل التوجه إلى قيادة العالم الرأسمالي الجديد؛ بينما يرى الإقطاعيون ضرورة الحفاظ على إرث وتقاليد الولايات المتحدة، وعدم السماح باختراقها من طرف الرأسمالية وسلب روحها الإقطاعية الأصيلة، وبينما كان المثقفون في الشمال يبحثون عن الإنسانية التي تقتضي تحرير العبيد؛ كان مثقفو الجنوب يتحدثون عن التعايش المزعوم بين ملاك الأراضي والعبيد باعتبارهم عمالًا لا يرغبون في حداثة الشمال وحريته، ومع تصاعد الجدل وتمسك كل طرف بنهجه؛ كان من الصعب أن يتحول تحرير العبيد وإلغاء نظام الرق إلى قانون يصدر من خلال السلطة التشريعية المتمثلة في الكونجرس؛ لأن هذه السلطة منقسمة في ذاتها باعتبارها تمثل الجميع.
تتشابه مقدمات الحرب الأهلية الأميركية نوعًا ما مع مقدمات الحرب اليمنية؛ فالجدل الذي شهدته اليمن خلال الأعوام الثلاثة السابقة على حدوث الانقلاب على السلطة المعترف بها في صنعاء، ومؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي كان محاولة لتجاوز الأزمة والخروج من المأزق السياسي الاقتصادي الاجتماعي، يناظر الجدل الأميركي من أجل إنهاء الرق والعبودية، وقد تصاعد الجدل اليمني حتى انفجر على هيئة انقلاب سياسي وحرب أهلية واجتماعية يتم التحريض على خوضها بمبررات مناطقية وطائفية، بمثل ما فشل الجدل الأميركي في حسم الصراع حول قضية الرق؛ وتحول إلى حل عسكري بانفجار الحرب.

النزاع حول نظام الرق

بعد الاستقلال من الاحتلال البريطاني تمت صياغة الدستور الأميركي بتوازن دقيق بين الولايات المختلفة في الثقافة والنهج اليومي والنشاط الاقتصادي والاجتماعي، وخضعت مواده لعدد من المعايير التي أخذت في الحسبان أحجام الولايات وأنشطتها الاقتصادية وعدد سكانها؛ إلا أن كل هذا لم يمنع تصاعد الخلافات بينها وصولًا إلى الحرب الأهلية، وهي الحرب التي لم تسعَ فيها ولاية إلى تغيير النظام السياسي للدولة، أو توزيع الثروة والقوة وإعادة التوازن، بل كانت حربًا يمكن وصفها بحرب التقاليد الاقتصادية والاجتماعية.
تقول الكثير من المصادر التاريخية؛ إن عدد العبيد لم يتجاوز 700 ألف إنسان عند الاستقلال من بريطانيا؛ إلا أن هذا الرقم تضاعف حتى أصبح حجم سلعة الرقيق يساوي 11% من إجمالي السكان عند اندلاع الحرب الأهلية.
بدأ الشمال بتبني دعوات القضاء على العبودية، لإجبار الولايات الجنوبية على شراء التكنولوجيا الحديثة في أعمال الزراعة، وبالتالي سيادة نمط الإنتاج في الولايات الشمالية على كل البلاد، وكان من المنادين بهذا التغيير قادة ومثقفون أسهموا مباشرة في صياغة وثيقة الاستقلال التي راعت الاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين الولايات، أي أنها حافظت على العبودية كنمط إنتاج وحياة، ومن هؤلاء القادة جيمس ماديسون وجون آدمز.
كانت ولاية ماساتشوستس الحاضنة الأولى لدعوات إلغاء العبودية، بمثل ما كانت حاضنة شرارة حرب الاستقلال، بصفتها الولاية الأكثر حداثة في ذلك الوقت، وانتشرت الدعوات من هذه الولاية حتى تحولت إلى حركة تحرير شاملة في كل الولايات بما فيها ولايات الجنوب، وفي مقابلها ظهرت المقاومة الجنوبية الرافضة للتحرير، وظهرت الكثير من التبريرات بما فيها الدينية، إذ اشتغلت العديد من كنائس الجنوب على دعم مقاومة التحرير ورفضها، مستندة إلى نصوص العهدين القديم والجديد، وعلى سلوك المسيح الذي لم يلغِ العبودية، واتسع الجدل حتى وصل إلى الكونجرس الذي حاول الساسة الشماليون دفعه لتعديل الدستور والنص صراحة على إلغاء الرق وتجريمه، لكن ذلك لم يكن ليحدث لأن ممثلي الجنوب وقفوا بالمرصاد، فارتفع سقف الجدل وتجاوز هذه الحالة السياسية.
نتج عن هذا الصراع التوصل إلى توافق “ميزوري”، وهو قانون لتنظيم العبودية والرق حاز على رضا الطرفين كمحاولة لتجاوز الأزمة، تمت المصادقة عليه في 1820، ونص على منع الاسترقاق في أراضي لويزيانا عدا المناطق الواقعة في حدود ولاية ميزوري.
لكن توافق “مزوري” ألغي بعد ذلك بقانون “كانساس-نبراسكا”، المقدم للكونجرس من قبل ستفن دوجلاس، في يناير 1854، وهو القانون الذي فتح القانون أراضي كانساس وأراضي نبراسكا أمام العبودية وسمح باستمرار العبودية والسماح للمستوطنين الذكور البيض في تلك الأراضي بممارسة الرق، وهو الأمر الذي أثار غضب أعضاء حزب التراب الحر والكثير من الشماليين الذين تعاطوا مع الأمر باعتباره مناورة توسعية عدوانية من ملاك العبيد الإقطاعيين الجنوبيين، فنشأ نتيجة هذا الحدث وتداعياته الحزب الجمهوري.
أحيت الحرب الأميركية المكسيكية النزاعات حول العبودية مجددًا، بسبب الخلاف حول هوية الأراضي الجديدة التي استولى عليها الأميركيون في الحرب، فنشأ تبعًا لذك تسوية عرفت بـ”المواءمة” عام 1850، وجعلت كاليفورنيا حرة، ووضعت مبدأ “السيادة الشعبية” للولايات الجديدة على أراضيها، لتقرر هي اختيار مبادئها في التعامل مع الرق، لكن وفي المقابل أيضًا تم تغليظ عقوبة العبيد الهاربين، وأصدر الكونجرس تشريعات توفيقية أخرى في العام نفسه، بعضها يسمح باستمرار الرق على أن تمنع تجارته في واشنطن، وأخرى تلزم السكان الشماليين بإعادة العبيد الهاربين إلى أصحابهم، وفي 1854، عندما صدر قانون كانساس-نبراسكا الذي أجاز الاسترقاق في الولايتين، وبموجبه أصبح لأية ولاية جديدة الحق في إباحة الرق أو تحريمه فيها بالتصويت العام.
إلا أن الأمر لم يحسم بهذه التوافقات، فالتوافقات السياسية كانت تؤجل العنف لا أكثر؛ طالما وكل طرف يرى أن منطقه ونهجه هو الذي ينبغي أن يسود، وشهد عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر، تصاعد الجدل حول العبودية في مختلف الأروقة السياسية، وخصوصًا داخل الكونجرس، حتى وصل الأمر إلى عراك بالأيدي، وكان لا بد للحرب أن تحدث.
وجميع هذه الأحداث تشبه إلى حد بعيد الجدل والخلافات التي شهدها مؤتمر الحوار الوطني خلال عامي 2013 و2014، والذي انتهى بوثيقة مخرجات الحوار التي تحولت بدورها إلى موضوع خلاف حول تنفيذها واستحقاقات التنفيذ، وتعاطي وقبول مختلف القوى السياسية والاجتماعية بذلك.

قضية سكوت وتفجير الأزمة

ادعى دريد سكوت، وهو أحد العبيد، الحرية لأنه كان من قبل يعيش في ولاية حرة ومنطقة حرة، ووصلت قضيته إلى المحكمة العليا؛ لكن قرار المحكمة رفض ادعاءه، وقضى بعدم أحقيته، أو غيره من العبيد، أن يصبحوا مواطنين أميركيين، وليس في يد الكونجرس إبطال الرق المكتوب عليهم، وهذا الأمر أدى إلى تعميق الأزمة أكثر، فقد ادعى الشماليون أن الخلاف حول الرق لا يمكن حله قضائيًا، فكانت تلك محطة جديدة في طريق الصراع.
انتقلت ملكية سكوت بين عدد من البيض، واشترى أحد هؤلاء امرأة من العبيد أيضًا وزوجها من سكوت، قبل أن تنتقل ملكيتهما إلى أرملته التي رفضت تحريرهما طبقًا لقوانين ولاية إلينوي التي تمنع امتلاك العبيد، فلجأ سكوت وزوجته إلى القضاء الذي ظل لمدة 11 عامًا ينظر في القضية حتى أوصلها إلى المحكمة العليا التي رفضت منحهما الحرية بدورها، برغم تحولها إلى قضية رأي عام، ومناصرة العديد من الشخصيات السياسية الشمالية لها، فقد كان رئيس المحكمة العليا روجيه تاناي؛ أحد ملاك العبيد.
ورأت المحكمة أن سكوت ليس مواطنًا أميركيًا، ولا يحق له مجرد مقاضاة مواطنين أميركيين، وليس المطالبة بحريته فحسب، فكانت هذه سابقة قضائية تحرم 4 ملايين من أشباه سكوت في الولايات المتحدة من حقوقهم، وهو ما يعني إضافة المزيد من الحطب إلى نار الأزمة المتفاقمة.

انهيار الأحزاب المتطرفة

أدى هذا الجدل السياسي المتصاعد إلى انهيار الأحزاب السياسية التي كانت تعبر عن أزمة عميقة في المجتمع الأميركي؛ إذ كانت هذه الأحزاب متطرفة وراديكالية ترفض وجود المختلفين مع توجهاتها الحادة، ومن ذلك الحزب اليميني، والحزب اللاأدري الذي بدأ كحركة اجتماعية نشأت كرد فعل على التغيرات التي كانت تشهدها البلاد جراء تواصل عمليات الهجرة من جهة والدعوة المتزايدة لإلغاء

عاشت اليمن قبل أكثر من 50 عامًا تحت حكم نظام ثيوقراطي استبدادي استعلائي جعل اليمنيين مجرد رعية مجردين من كل الحقوق والحريات في وضع يشبه نوعًا ما حالة العبودية في الولايات المتحدة؛ مع فارق التفاصيل بين نظام حكم يمارس العزلة بحق المواطنين بالكامل، ونظام رق يجرد السود من حقوقهم بالكامل، ويمنح الإقطاعيين حق استعبادهم.

العبودية من جهة ثانية، وتحول لاحقًا إلى حزب يحظى بملايين الأتباع الذين أوصلوه إلى مواقع صنع القرار، وكانت أكثر أنشطته ودعواته مخصصة لرفض هجرة الأجانب وخصوصًا المسيحيين الكاثوليك، باعتبار الولايات المتحدة مملكة الإنجيليين بعد أن أفسد الكاثوليك مملكة الرب في أوروبا، ونشأت على أنقاض هذه الأحزاب أحزاب تؤمن بالسياسة أكثر، إذ ظهر حزب الاتحاد والحزب الحر والحزب الجمهوري، ولاحقًا انشق الحزب الديمقراطي عن الحزب الجمهوري، ليشكل الاثنان الثنائية الحزبية الحاكمة للولايات المتحدة الأمريكية.

الحاجة إلى المواطنة يمنيًا وأميركيًا

يمكن وصف الصراع حول الحرية والعبودية في الولايات المتحدة؛ بصراع الحاجة إلى دولة المواطنة، أي وجود دولة تتعامل مع جميع المواطنين بالتساوي دون تمييز من أي نوع أو شكل، وحماية حقوقهم من أي انتهاكات.

تبقى دولة المواطنة هي ما ينقص اليمنيين للوصول إلى السلام الحقيقي، فبرغم كل الثورات والتغييرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال الـ50 عامًا الماضية؛ إلا أن دولة المواطنة لم تتحقق، وظلت مجرد شعارات لا تجد سبيلًا للتحقق على أرض الواقع


عاشت اليمن قبل أكثر من 50 عامًا تحت حكم نظام ثيوقراطي استبدادي استعلائي جعل اليمنيين مجرد رعية مجردين من كل الحقوق والحريات في وضع يشبه نوعًا ما حالة العبودية في الولايات المتحدة؛ مع فارق التفاصيل بين نظام حكم يمارس العزلة بحق المواطنين بالكامل، ونظام رق يجرد السود من حقوقهم بالكامل، ويمنح الإقطاعيين حق استعبادهم.
وبرغم أن ثورة سبتمبر جاءت لإسقاط هذا الحكم وبناء دولة المواطنة؛ إلا أن هذه الدولة لم تتحقق بشكل كامل، وظلت مطلبًا شعبيًا وجماهيريًا طول العقود الماضية، ومع صعود جماعة الحوثي المعروفة بـ”أنصار الله”؛ تبدو ثمة إرهاصات كثيرة لاستعادة هذا النظام الثيوقراطي، بشكل مقنع ومحدث، وظهر ذلك من خلال وصاية قائد الجماعة على كل الأمور بدون صفة رسمية يملكها حتى وإن كانت عن طريق الانقلاب، واعتبار أحاديثه مرجعية لا تقبل النقد أو النقاش، وتولي أسرته وأقاربه وسلالته العرقية مقاليد الأمور وتوليهم سلطات الأمر الواقع، وتجيير كل إمكانيات البلاد ومؤسساتها لصالحهم.
تبقى دولة المواطنة هي ما ينقص اليمنيين للوصول إلى السلام الحقيقي، فبرغم كل الثورات والتغييرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال الـ50 عامًا الماضية؛ إلا أن دولة المواطنة لم تتحقق، وظلت مجرد شعارات لا تجد سبيلًا للتحقق على أرض الواقع، وإذا ما أمكن إيقاف الحرب؛ فإن إعادة الإعمار ينبغي أن تبدأ مباشرة وبدون تأجيل، أو السماح لأي تطورات أن تؤدي إلى عودة الحرب.

بزوغ نجم القائد

وخلال هذا الصراع المحتدم؛ ظهر إبراهام لينكولن المحامي الفاشل الذي تحول بكاريزميته وعلاقاته إلى قائد سياسي ملهم للحقوقيين ولتحرير العبيد، إذ رأى ساسة الشمال في فشله المهني خيارًا مناسبًا لاستغلاله ضد محاولات استقلاله عن المصالح العامة للولايات الشمالية.

كن القول إن لينكولن تمت صناعة نجوميته من طرف القوى السياسية الشمالية، باعتبارها وكيلة القوى الرأسمالية الراغبة في إلغاء العبودية لخدمة مصالحها ومستقبلها، وهذه القوى دعمت لينكولن في تبني ملف الرق، وتم تصعيده في عضوية الحزب حتى أصبح أشهر النجوم السياسيين للمرحلة.


ولد إبراهام لينكولن في ولاية كنتاكي عام 1809، وورث عن والده العمل في القانون والمحاماة، لينشط لاحقًا في الحزب اليميني، وصار عضوًا في مجلس النواب لمدة عامين فحسب، وفشل فيهما في تحقيق أي إرث سياسي أو حزبي أو برلماني، خلال الفترة من 1847 إلى 1849، وفشل في الترشح لعضوية مجلس الشيوخ.
عارض الحرب الأمريكية المكسيكية، ونشط ضد الرئيس جيمس بولك بسبب شنه تلك الحرب، وبسبب انتصار الولايات المتحدة في تلك الحرب؛ لم يتمكن لينكولن من تحقيق شعبية كافية للظفر بعضوية الكونجرس مجددًا؛ فعاد لمزاولة المحاماة من جديد، وكانت أنشطة لينكولن المعارضة للحرب أحد أسباب انهيار الحزب اليميني الذي ينتمي إليه ويمارس نشاطه من خلاله.
عارض لينكولن قانون كانساس-نبراسكا الذي يسمح لملاك العبيد بتقرير مصير عبيدهم، وخسر الانتخابات بسبب هذا الموقف عام 1854، لكنه عاد وحصل على المركز الثاني ليكون مرشحًا للحزب الجمهوري الناشئ حديثًا؛ لمنصب نائب رئيس الحزب، قبل أن يرشحه الحزب لخوض انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، لكنه خسر الانتخابات أمام مرشح الحزب الديمقراطي ستيفان دوغلاس، بسبب معارضته العبودية.
يمكن القول إن لينكولن تمت صناعة نجوميته من طرف القوى السياسية الشمالية، باعتبارها وكيلة القوى الرأسمالية الراغبة في إلغاء العبودية لخدمة مصالحها ومستقبلها، وهذه القوى دعمت لينكولن في تبني ملف الرق، وتم تصعيده في عضوية الحزب حتى أصبح أشهر النجوم السياسيين للمرحلة، وأظهر موقفًا حازمًا إزاء دعوات الانفصال في الجنوب، لكن هذا الموقف لم يكن متشددًا إلى درجة التهديد بالعنف أو اللجوء إلى القوة، إذ كان موقفًا متسامحًا براجماتيًا حتى يظهر النجم الجديد بمثابة قائد يحترمه العالم الرأسمالي الذي يؤمن بالسياسة التي تعني بالضرورة المصالحة الوطنية وتجاوز خيار العنف، وهكذا أوصت مختلف القوى الرأسمالية حول العالم أن يكون لينكولن هو المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري في انتخابات 1806، وهي الانتخابات التي كانت الفصل الأخير من الموسم الأول من الصراع، أي الفصل الأخير من المعركة السياسية.
وصل الصراع السياسي إلى ذروته في تلك الانتخابات، إذ كان منافس لينكولن هو جون بريكنريدج من حزب الجنوبيين الديمقراطيين، أي أن لينكولن كان مرشح الشمال وبريكنريدج مرشح الجنوب، وهو انقسام مناطقي كبير غير مسبوق، وكان فوز أي من المرشحين يعني بالضرورة إلغاء كافة القوانين التي تتعارض مع نهج ومطالب الولايات التي تقف خلفه.

اندلاع الحرب

فاز لينكولن بالرئاسة ليصبح أول رئيس جمهوري، وعقب توليه الحكم في مارس 1861؛ أعلنت الولايات الجنوبية “ساوث كارولينا وفلوريدا وميسيسيبي وألاباما وجورجيا ولويزيانا وتكساس”، بقيادة جيفرسون ديفيز؛ سحب نفسها من الاتحاد وتكوين دولة مستقلة باسم الولايات الكونفدرالية الأمريكية، فقرر الرئيس شن الحرب للحفاظ على وحدة الأمة الأميركية، وأصدر أحكامًا عرفية تقضي باعتقال وسجن المتعاطفين والمتعاونين مع الاتحاد الكونفدرالي.


هاجمت القوات الجنوبية موقع حامية فورت سيمتر العسكرية في كارولينا الجنوبية، وأجبروها على الاستسلام، فأمر لينكولن باسترداد موقع الحامية عسكريًا، وهو الأمر الذي عدّه الجنوبيون إعلان حرب، بعد شهرين من تولي لينكولن مقاليد الرئاسة؛ انضمت ولايات جديدة للولايات الجنوبية التي أعلنت الانفصال، وهي: فيرجينيا، أركنساس، كارولينا الشمالية، وتنيسي، وأُعلنت ريتشموند، عاصمة فيرجينيا، عاصمة كونفدرالية.
اختيرت مدينة مونتجومري في ولاية ألاباما عاصمة للكونفدرالية، وفيها حدث الاجتماع التأسيسي، وتم انتخاب جيفرسون فينس ديفيز رئيسًا للجمهورية الأميركية الجديدة، وألكسندر هاملتون ستيفنز نائبًا له.
أصبح جيفرسون ديفيز رئيسًا للكونفدالية في 22 فبراير 1861، وإبراهام لينكولن رئيسًا للولايات المتحدة في 4 مارس 1861، وفى 12 أبريل 1861 اندلعت الحرب.
وتتابعت الأحداث باستقالة ممثلي الجنوب في مجلسي الشيوخ والنواب، وهو ما أتاح الفرصة لممثلي الشمال، وجلهم من الجمهوريين؛ تمرير مشاريع قوانين رفض الممثلون الجنوبيون الموافقة عليها قبل الحرب، ثم وظف قانون الإيرادات للعام 1861 ضريبة الدخل للمساعدة في تمويل الحرب.
بقيت 23 ولاية موالية للاتحاد أثناء الحرب، هي: كاليفورنيا، كونكتيكت، ديلاوير، إلينوي، إنديانا، آيوا، كانساس، كنتاكي، ميريلاند، ماساتشوستس، ميتشيغان، مينيسوتا، ميزوري، نيوهامبشير، نيوجيرسي، نيويورك، أوهايو، أوريغون، بنسلفانيا، رود آيلاند، فيرمونت، ويسكونسن. وانضمت نيفادا، وفيرجينيا الغربية إلى الاتحاد، وعادت ولايتا تينيسي ولويزيانا إلى الاتحاد في بداية الحرب، وحاربت ولايات كولورادو، داكوتا، نبراسكا، نيفادا، نيو مكسيكو، يوتا، وواشنطن، إلى جانب الاتحاد، في حين ساندت العديد من قبائل مالكي العبيد الكونفدرالية، ونشبت حرب أهلية دموية على نطاق محدود في إنديانا.
كانت ثمة ولايات حدودية بين الشمال والجنوب تنتمى للاتحاد؛ فرجينيا الغربية التي انفصلت عن ولاية فرجينيا، وأربع من الولايات الخمس الشمالية للعبيد هي ميريلاند، ديلاوير، ميزوري، وكنتاكي.
في ولاية ميريلاند مارس الموالون للكونفدرالية أعمال شغب ضد الفيدرالية في بالتيمور، فأعلن لينكولن الأحكام العرفية، وقبل أن تدرك الحكومة الكونفدرالية ما يحدث، أحكم لينكولن السيطرة على ولاية ميريلاند، واعتقل جميع أعضاء حكومة الولاية واحتجزهم دون محاكمة.
اختارت ولاية ميزوري البقاء ضمن الاتحاد، أما كنتاكي فلم تنفصل، وأعلنت نفسها محايدة، ومع وصول القوات الكونفدرالية إليها في سبتمبر 1861؛ أعلنت ولاءها للاتحاد، مع محاولة الحفاظ على الرق، وفي ولاية فرجينيا التي أعلنت الانفصال؛ طلبت الحكومة الاتحادية من 48 مقاطعة التصويت على قانون لإنشاء دولة جديدة في 24 أكتوبر 1861؛ فاستجابت 41 مقاطعة، وصوتت نسبة قليلة بكثافة لصالح الدولة الجديدة التي سميت كاناوا قبل أن يعاد تسميتها “ويست فيرجينيا”، وانضمت للاتحاد في 20 يونيو 1863، وانضمت مقاطعتا جيفرسون وبيركلي إلى الدولة الجديدة أواخر عام 1863.
تعد الحرب الأهلية الأميركية نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحروب، ففيها بدأت الحروب الحديثة، أو ما يمكن وصفها بالحروب الرأسمالية بطابعها الذي يستنفر التعبئة العامة بما في ذلك المنشآت المدنية، وتحويل أنشطتها لخدمة ما يعرف بالمجهود الحربي، وصناعة وزراعة الألغام، واستخدام أحواض بناء السفن، والبنوك، ووسائل النقل والإمدادات الغذائية.
فشلت الكونفدرالية فشلًا ذريعًا في الحرب، فلم تحقق سوى بضعة انتصارات محدودة، لم تؤثر في مسار الحرب، استطاع الجنرال يوليوس جرانت حسم الجبهة الغربية مع الكونفدرالية قبل أن تتوحد الجيوش الأميركية تحت إمرته، ثم تستسلم الجيوش الكونفدرالية له في 9 أبريل 1865.
أُعلنت الولايات الكونفدرالية الأميركية استسلامها في 26 أبريل 1865، وانتهت الحرب الأهلية فعليًا في 9 مايو 1865.
وبحسب الإحصائيات المتوفرة عن تلك الحرب، فقد راح ضحيتها تقريبًا 110 آلاف جندي من الشمال، و93 ألف جندي من الجنوب، وربع مليون مدني من الشمال، و167 ألف مدني من الجنوب، أي أن 620 ألف أميركي تقريبًا قضوا في تلك الحرب.

إقرأ أيضاً  رنا الأصبحي.. تواجه النزوح بصناعة الحلي والاكسسوارات

عصر إعادة الإعمار

بقدر ما خسرت الولايات المتحدة في هذه الحرب؛ إلا أنها -أي الحرب الأهلية الأمريكية- لعبت الدور الأهم في صناعة قوة وسطوة الولايات المتحدة الأمريكية على مختلف المستويات.
لا يمكن لأية حرب أهلية أن تؤدي إلى بناء دولة قوية بمجرد انتهائها، فكل معطيات ما بعد أية حرب أهلية تشير دائمًا إلى إنهاك القوة المجتمعية والسياسية للبلد الذي شهد الحرب، إلا أن هذه المعطيات يمكن أن تتغير وفقًا لإرادة الأطراف المنتصرة أو المتصالحة، ورغبتها في تجاوز أسباب الحرب ومخلفاتها، وإصلاح البنية المجتمعية والسياسية، ومعالجة المترتبات الاقتصادية، وهو ما تحقق في الولايات المتحدة في ما سمي “عصر إعادة الإعمار”.

العفو عن البيض الجنوبيين

شدَّد الرئيس إبراهام لينكولن على أن ينص الدستور الجديد على إلغاء الرق، لكنه اغتيل بعد أقل من أسبوع من انتهاء الحرب، وتحديدًا في الـ9 من أبريل 1865، ليحل محله نائبه أندرو جونسون، الذي أصدر عفوًا عامًا عن كل البيض الجنوبيين، فيما عدا قادة الكونفدرالية ورموز الحرب الرئيسيين.
وألزمت خطة جونسون الولايات الجنوبية بتشكيل حكومات جديدة تتعهد بالولاء للاتحاد الفيدرالي الأميركي، وتعمل على إلغاء الرق، إلا أن هذه الخطة لم تمنح السود دورًا مهمًا في بناء الدولة الجديدة.
لم يحصل السود على حريتهم مباشرة، فبرغم كل ما حدث خلال العقود الماضية وصولًا إلى الحرب ونهايتها بهزيمة مشروع استمرار العبودية؛ إلا أن الحكومة الجديدة أصدرت مجموعة قوانين في ما عُرِف بـ”المدونة السوداء”، التي لم تمنع ملاك العبيد السابقين من السيطرة عليهم والاستبداد بهم وحتى ضربهم، وتحول السود من العبيد إلى العمل بالسخرة وفقًا للقوانين، كما أن العديد من الإقطاعيين استمروا بسجن السود العاطلين عن العمل، وواصلت جماعات من البيض الرافضين للوضع الجديد الهجوم على السود وإيذاءهم، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى رفض حق السود في الانتخابات وشغل الوظائف العامة، وتأسست منظمة “كوكلوكس كلان” في ولاية تينيسي لممارسة أعمال العنف ضد السود ومن يتعاطف معهم من البيض.
وأسست الدولة الجديدة مدارس مدعومة ومعفية من الضرائب في ولايات الجنوب كجزء من إعادة الإعمار؛ إلا أن البيض امتنعوا عن الالتحاق بها فأصبحت مدارس معزولة عنصريًا، وهو ما اضطر إلى إصدار قانون لإلغائها.
تباطأت الزراعة في الجنوب بعد الحرب؛ ولم تعد هناك أموال كافية لدى الجنوبيين لإحداث أنشطة اقتصادية بديلة، أو حتى تحديث وتنشيط الزراعة، فكان على الحكومة اتباع سياسات لجذب رؤوس الأموال الشمالية للاستثمار في الجنوب.
رأى الرئيس جونسون أن كل حكومة في الولاية يمكن أن تقرر أفضل السبل التي أرادها السود لعلاج أوضاعهم، وكان تسامح جونسون مع الجنوبيين الكونفدراليين والسماح بعودتهم إلى السلطة؛ مثار غضب الكثيرين في الشمال؛ وفي انتخابات 1866، حرص الجمهوريون على الوصول إلى السلطة من أجل معاقبة الجنوب بقرارات سياسية وقوانين إجرائية، وصدرت الأوامر للجيش بإعادة الإعمار عام 1867، والذي قام بتقسيم الجنوب إلى خمس مناطق عسكرية؛ محددًا كيف يتم تصميم الحكومات الجديدة.
كانت عملية إعادة الإعمار معقدة وطويلة، وظلت تتعاطى مع قضايا حساسة جدًا؛ كقضية مستقبل قادة الكونفدرالية السابقين، الذين تم تصنيفهم كخونة، والوضع القانوني الجديد للسود بعد إنهاء العبودية، ومساواتهم بالسكان البيض.
سنت الولايات الجنوبية قوانين تمييزية ضد السود ومقيدة لحرياتهم، كانت هناك رؤية عامة ومترسبة لدى أصحاب القرار أن السود عنيفون وغير أسوياء، وهذا يؤكد أن العنصرية تجاه السود لم تكن سلوكًا يقتصر على الولايات الجنوبية، بل إنه سلوك عام حاول الشمال تهذيبه من أجل خططه ومصالحه.


لكن هذه القوانين لم تصمد، وأثارت غضبًا وجدلًا مستمرين في الكونجرس، ما أدى إلى استبدال نهج الرئيس جونسون في إعادة الإعمار الرئاسي، بنهج إعادة الإعمار الراديكالي الذي تبناه جناح في الحزب الجمهوري، ونتج عنه إقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1866، بمنح السود حق التصويت لأول مرة تاريخ الولايات المتحدة.
قبل نهاية الحرب قدّم الرئيس إبراهام لينكولن خطة “العشرة في المائة لإعادة الإعمار”، والتي تقضي أنه إذا أدى 10% من ناخبي ما قبل الحرب في ولاية كونفدرالية قسم الولاء للاتحاد؛ فيُسمح لهم بتشكيل حكومة ولاية جديدة بنفس المزايا الدستورية قبل الحرب.
لكن هذه الخطة فشلت؛ فلجأ الكونجرس إلى إقرار قانون ويد ديفيس عام 1864، الذي يمنع الولايات الكونفدرالية من الانضمام إلى الاتحاد حتى يقسم غالبية الناخبين في الولاية على الولاء للفيدرالية.

إعادة الإعمار الرئاسي

اغتيل الرئيس لينكولن في أبريل 1965، فتولى أندرو جونسون الرئاسة خلفًا له، ليبدأ خطة إعادة الإعمار الرئاسي، التي تضمنت عفوًا عن جميع الأشخاص البيض الجنوبيين باستثناء قادة الكونفدرالية وأصحاب المزارع الأثرياء، واستعادة جميع حقوقهم الدستورية وممتلكاتهم باستثناء الأشخاص الذين مارسوا العبودية، وذلك بهدف استعادة الاتحاد المنقسم.
ووفقًا للخطة؛ فالولايات الكونفدرالية السابقة مطالبة بإلغاء العبودية، والتخلي عن الانفصال، وتعويض الحكومة الفيدرالية عن نفقات الحرب الأهلية، مقابل السماح لهذه الولايات المستعادة بإدارة حكوماتها وشؤونها التشريعية، وبرغم هذا العرض، بادرت الولايات الجنوبية إلى سن سلسلة من قوانين التمييز العنصري المعروفة باسم الرموز السوداء خلال عامي 1865 و1866، والتي كان مضمونها تقييد حرية السود واستمرار التعامل معهم كقوة عاملة رخيصة، وتبع صدور تلك القوانين إلزام جميع السود في تلك الولايات بتوقيع عقود عمل سنوية، ومعاقبة وتغريم الرافضين، أو إجبارهم على أداء أعمال بدون أجر لأصحاب الملكيات الزراعية الكبرى، لكن كل هذا أدى إلى منح الجناح الأكثر راديكالية في الحزب الجمهوري تأثيرًا متصاعدًا في الكونغرس، وهو الجناح الذي يطالب بالقضاء الفوري والكامل والدائم على العبودية، ودفع باتجاه التحرير الكامل للعبيد من خلال التبني الكامل للحقوق المدنية للأشخاص المستعبدين سابقًا، متحججًا بأن إجراءات الرئيس أندرو جونسون، عام 1866، لم تؤدِّ إلا إلى استمرار إساءة معاملة السود المستعبدين سابقًا في الجنوب، وعارض هذا الجناح شغل ضباط الجيش الكونفدرالي السابقين في الولايات الجنوبية للمناصب، وطالب بقيام الحكومات الجديدة في الولايات الجنوبية على قواعد المساواة العرقية، ومنح حقوق التصويت لجميع السكان الذكور بغض النظر عن العرق.
وسن الكونجرس في أبريل 1866 مشروع قانون الحقوق المدنية لعام 1866، الذي أصبح أول تشريع يحقق المساواة في الولايات المتحدة، إلا أنه استثنى الهنود الأمريكيين، قبل أن يمنح جميع المواطنين “الفائدة الكاملة والمتساوية لجميع القوانين والإجراءات الخاصة بأمن الأشخاص والممتلكات”.

قوانين إعادة الإعمار

لم يتم إلغاء العبودية دفعة واحدة؛ واضطر الكونجرس إلى إجازة سلسلة تعديلات دستورية بين عامي 1865 و1870، وصادقت الولايات على ثلاثة تعديلات دستورية ألغت العبودية في جميع أنحاء البلاد، وعالجت أوجه عدم المساواة الأخرى في الوضع القانوني والاجتماعي لجميع الأمريكيين السود.

بدأ الجمهوريون الراديكاليون التراجع عن تعريفهم الواسع لسلطة الحكومة الفيدرالية، في حين كان للديمقراطيين رأي حول استبعاد أصحاب المزارع البيض من المناصب السياسية، بوصفه سببًا لأحداث العنف وانتشار الفساد في الجنوب؛ فتراجعت فعالية قوانين إعادة الإعمار والتعديلات الدستورية بشكل أكبر من خلال سلسلة من قرارات المحكمة العليا، ابتداء من عام 1873.


ومن تلك التعديلات التي أحدثت فارقًا في عملية إعادة الإعمار؛ منح الجنسية لجميع الأشخاص المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة، بمن في ذلك الأشخاص المستعبدون سابقًا، في يوليو 1868، عن طريق توسيع نطاق حماية قانون الحقوق إلى الولايات، وضمن التعديل الرابع عشر الحماية لجميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو حالة العبودية السابقة، وعدم حرمان أي مواطن من حقوق الحياة أو الحرية أو الملكية، دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، وفي مارس 1869، وبعد انتخاب الرئيس يوليسيس غرانت، وافق الكونجرس على التعديل الخامس عشر، الذي يحظر على الولايات تقييد حق التصويت بسبب العرق، وفي فبراير 1870؛ تم التصديق على التعديل الخامس عشر الذي يحظر على الولايات تقييد حقوق التصويت لمواطنيها الذكور على أساس العرق أو اللون أو حالة العبودية السابقة.

أشغال إعادة الإعمار

لاقت القوانين التي تبناها الجمهوريون الراديكاليون مصادقة الكونجرس عليها خلال عامي 1867 و1868، وحددت هذه القوانين الشروط التي بموجبها سيتم إعادة قبول الولايات الجنوبية المنفصلة إلى الاتحاد بعد الحرب الأهلية، فصدر مثلًا في مارس 1867، القانون الأول لإعادة الإعمار، الذي عُرِف بقانون إعادة الإعمار العسكري، والذي قَسَّم الولايات الكونفدرالية السابقة إلى خمس مناطق عسكرية، يدير كل منها جنرال اتحادي، ووضع القانون المناطق العسكرية تحت الأحكام العرفية.
وخلال العقد التالي، بدأ الجمهوريون الراديكاليون التراجع عن تعريفهم الواسع لسلطة الحكومة الفيدرالية، في حين كان للديمقراطيين رأي حول استبعاد أصحاب المزارع البيض من المناصب السياسية، بوصفه سببًا لأحداث العنف وانتشار الفساد في الجنوب؛ فتراجعت فعالية قوانين إعادة الإعمار والتعديلات الدستورية بشكل أكبر من خلال سلسلة من قرارات المحكمة العليا، ابتداء من عام 1873.
وبرغم هذا التراجع؛ وبرغم ما تسبب به الكساد الاقتصادي خلال هذا العقد من دخول الجنوب في دوامة فقر استمرت حتى نهاية العقد؛ وما تبع ذلك من سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب وإعلان نهاية إعادة الإعمار؛ إلا أن نتائج إعادة الإعمار منذ منتصف العقد السادس، وحتى منتصف العقد السابع، كانت قد أنتجت التأثير الكافي لتجاوز الدمار الاجتماعي والسياسي اللذين تسببت بهما الحرب والعبودية، وكان يكفي أن أربعة ملايين إنسان من السود حصلوا على الحرية من العبودية، الأمر الذي أدى إلى تغيير في بنية المجتمع الأميركي وخصوصًا في الجنوب، وفي 1870، انْتُخِبَ جوزيف ريني من ساوث كارولينا في مجلس النواب الأمريكي، ليكون أول عضو أسود منتخب شعبيًا في الكونجرس، وبالرغم من أنه لم يحدث أبدًا تناسب تمثيلي في المناصب السياسية بين البيض والسود؛ إلا أن أكثر من 2000 رجل أسود تولوا مناصب منتخبة من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني أثناء إعادة الإعمار.

الدروس الأميركية لليمن

برغم أن التدخلات الإقليمية والدولية في الحرب اليمنية مؤثرة جدًا، وتحدد الكثير من مسارات الحرب وسياقات الأزمة؛ إلا أن الحرب يمنية في الأصل، والحل لن يكون إلا يمنيًا، وهذا الحل بالتأكيد لا يمكن أن يخرج عن تحديد علاقة اليمن بالدول التي تتدخل في هذه الحرب، وترتيب المصالح وأولوياتها، ولأن الحديث هنا عن مقارنة يمنية أميركية؛ فإنه ينبغي أن يتركز حول كيفية الحل اليمني مقارنة بالولايات المتحدة؛ مع ترك تفاصيل ترتيب علاقات اليمن بالدول المتدخلة لحديث آخر.
تجاوزت الولايات المتحدة الحرب وآثارها المدمرة وما ترتب عليها من شروخ اجتماعية، بمنظومة قانونية وإجرائية لتجاوز الأسباب والنتائج معًا في عملية طويلة ومعقدة، للوصول إلى تحقيق العدالة والإنصاف للجميع.
أنتجت الحرب في اليمن شرخًا اجتماعيًا يتوسع كل يوم، وماتزال مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل توضع عند كل حديث عن السلام باعتبارها المرجعية لحل الأزمة، وبرغم أن الوقت والحرب قد تجاوزا هذه المخرجات؛ إلا أنها ماتزال محل إجماع يمني شامل، فهذه المخرجات بحاجة إلى تحريرها من منطق الخطابية والغنائية، وتحويلها إلى منظومة قانونية عادلة وقادرة على التعاطي مع الواقع، وتجاوز كل نتائج وأسباب الحرب.

إعادة الإعمار المطلوبة يمنيًا

تتمثل إعادة الإعمار الممكنة في اليمن في إجراء عدد من الإصلاحات القانونية تبدأ بصياغة دستور توافقي يراعي كافة خصوصيات المجتمع اليمني بشكل عام، وخصوصيات المجتمعات المحلية.
كانت منظومة القوانين واللوائح والإجراءات التي أنتجها نظام الحكم السابق تنظم سياسات مجحفة بحقة المواطنين، وتنتج نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير عادل يحتكر الثروة والتمثيل السياسي، وهو ما يستدعي إنتاج منظومة قانونية ودستورية تنقض كل تلك الاختلالات.
إن تحقيق السلام في اليمن لن يتأتى من خلال وقف إطلاق النار، فهذا إجراء شكلي يقتضي عودة المواجهات العسكرية بشكل أو بآخر لاحقًا، لأن وقف إطلاق النار أو حتى توقف الحرب لا يعني نهايتها، إذ كل طرف سيقف عند حدود نفوذه وسيطرته، ويستعد لجولة جديدة سواء حدث وقف الحرب بتسوية سياسية أو بهدنة معلنة أو غير معلنة، وخلال فترة التوقف يعد كل طرف العدة لجولة جديدة.
والحرب بما هي مواجهات عسكرية بغرض الاستعلاء والجبروت، وسعي للسيطرة والنفوذ والاستحواذ؛ فإن السلام يأتي بإنهاء الرغبة في الاستعلاء ومنع أي طرف من السعي للنفوذ والسيطرة، وهذا لا يحدث إلا بعد وقف إطلاق النار، والبدء بعملية إعادة إعمار حقيقية وفاعلة.
إن إعادة الإعمار ليست عملية ميدانية كما يذهب التفكير عند سماعها؛ وإن كانت إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب تشمل هذا المفهوم بالتأكيد، خصوصًا وأن البنية التحتية إحدى وسائل تحقيق العدالة المجتمعية، وتنمية المجتمعات وتحقيق السلام فيها؛ إلا أن المعنى الأكثر شمولية لإعادة الإعمار هو تحقيق الإصلاح السياسي، وتجاوز المظالم الاجتماعي، وتحقيق نماء اقتصادي، وتوزيع عادل للثروات والموارد.
يتشابه الحال اليمني مع الحالة الأميركية في كثير من العموميات وقليل من التفاصيل، وتبدو إرهاصات الحرب اليمنية أشبه بالجدل الأميركي السابق على الحرب الأهلية، وهو الجدل الذي فشل في إنهاء العبودية وحل الخلاف بين الشمال والجنوب حول هذه القضية، ما أدى إلى اندلاع الحرب.
في اليمن ظلت الأزمة السياسية منذ فترة حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، تعبيرًا عن أزمات اجتماعية واقتصادية تعاني منها المجتمعات المحلية، وتؤدي تباعًا إلى شعور بالتمايز بين أبناء المناطق المختلفة، وشعور عام بالغبن والظلم والاستبداد، مع تفشي الفساد وسياسات التجويع والإفقار والتهميش، وقد كانت ثورة فبراير 2011 تعبيرًا عن وحدة وطنية تحاول تجاوز الواقع الذي أنتجته سياسات النظام؛ غير أن تلك الثورة لم تستطع اختصار الطريق، وكان من نتائجها حدوث ثورة مضادة أنتجت تفشيًا كبيرًا للعصبيات.
إن التشبث بمخرجات الحوار الوطني الشامل وحدها في مرحلة إعادة الإعمار غير كافٍ، فهذه المخرجات بحاجة إلى حوار جاد ودائم حولها، ومثلما حدث في الحالة الأميركية؛ فلا بد من وجود عدد من المؤسسات والهيئات الدستورية الحاكمة للبلاد، كالرئاسة والبرلمان، لتقوم بتنفيذ تلك الإجراءات، وتجريب عدد من التعديلات الدستورية والقانونية ومتابعة تنفيذها وتجريبها وتعديلها لاحقًا حسب إمكانية تنفيذها وتحقيقها للعدالة، للوصول إلى الوضع الأمثل الذي تتم معه القطيعة التامة مع أسباب الانقسام ونتائج الحرب.

مقالات مشابهة