fbpx

فيروس نقص الأكسجين يتجول في مراكز العزل

تعز – شهاب العفيف :

يعيش سكان مدينة تعز (جنوبي اليمن) وضعاً صحياً متهالكاً، فقد أدى فيروس كورونا المستجد في موجتته الثانية نتيجة غياب الوعي المجتمعي بالإجراءات الاحترازية إلى تفاقم مأساتهم، وحصد أرواح العشرات منهم.

وعلى الرغم من صدور عدد من القرارات والتوجيهات من للسلطة المحلية بالمحافظة المتمثلة بإغلاق الأسواق والمساجد وأماكن التجمعات وقاعات الأفراح، إلا أنه لم يتم تنفيذها، حيث غابت الإجراءات الاحترازية كاستخدام الأدوات الوقاية الطبية -القفازات والكمامات والمعقمات- من قبل المواطنين في شوارع المدينة.

وصاحبت الموجة الثانية من كوفيد-19 نقص حاد في الأكسجين والذي تسبب بتأثيرات كبيرة ناتجة عن هذا النقص في مركز العزل الوحيد في المدينة والمستشفيات العامة والخاصة.

موتى بسبب نقص الأكسجين

فارق الحياة عدداً كبيراً من مرضى كورونا ، البعض منهم تدهورت حالته الصحية، بسبب عدم حصولهم على مادة الأكسجين أو جهاز التنفس الاصطناعي أثناء الإصابة بالفيروس.

” كنتُ أشاهد جدتي تختنق أمام عيناي ولا من يغيث، حاولتُ كثيراً الحصول على تنفس اصطناعي لأخفف عنها لكن دون فائدة” بهذه الكلمات المؤلمة يصف طيب رشاد الصحافي في مدينة تعز الوضع في تلك اللحظة ، ويضيف “كنت كالغريق الذي يبحث حتى عن قشة فكان مركز العزل هو الوهم والأصغر من القشة”.

طيب رشاد أحد الذين توفي أقاربهم في مدينة تعز بسبب نقص الأكسجين و قّلة أجهزة التنفس الاصطناعي سواء في مركز العزل في المستشفى الجمهوري الوحيد بالمدينة أو المراكز الصحية والمستشفيات في عمومها.

تم إبلاغ رشاد في العناية بمركز العزل من قبل الكادر الطبي بأن أسرّة المركز التي فيها تنفس اصطناعي ممتلئة ولا يوجد جهاز آخر متوفر فتوفت قريبته بسبب ذلك.

وبحسب رشاد فإن أحد الأطباء في العزل أبلغه أن هناك غرف خاصة لا يدخلها إلّا من كان لديه تزكية -وساطة- من السلطات الصحية في المركز ومكتب الصحة، أو لأبناء المسؤولين وأصحاب النفوذ كذلك المحسوبيات والمجاملات.

مدير مكتب الصحة بتعز الدكتور راجح المليكي، أكد أن أكثر من نصف حالات الوفيات في الموجة الثانية بالمدينة، بسبب نقص مادة الأكسجين، فيما تضاعفت بقية الحالات للسبب نفسه.

نقص الأكسجين

شهدت محافظة تعز، خلال الفترة الماضية، أزمة حادة في توفّر أجهزة الأكسجين، في الوقت الذي تواصلت فيه أعداد الإصابات بفيروس كورونا بالارتفاع، ضمن الموجة الجديدة منه لتصل إلى 1,484 حالة وفقاً لإحصائية مكتب الصحة حتى 20 يونيو 2021، بينها 215 حالة وفاة، و1,196 حالة تعافٍ خلال الفترة نفسها.

يوجد في مدينة تعز محطتان لتعبئة الأكسجين فقط، الأولى متواجدة في مستشفى التعاون تم توفيرها من قبل الهلال الأحمر القطري، والأخرى في هيئة مستشفى الثورة العام تعمل بدعم من مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية، وتنتج هذه المحطتان ما يقارب 200 أسطوانة أكسجين يومياً، وتوزع على مراكز العزل وجميع المستشفيات في محاولة لتغطية احتياجات المدينة، لكن بحسب المليكي أنها لا تغطي حصة المركز مما يتسلمه من تلك المحطات إذ أنه بحاجة إلى 450 أسطوانة يومياً.

من جهته قال مدير المستشفى الجمهوري التعليمي العام الدكتور نشوان الحسامي، إن مشكلة نقص الأكسجين في مدينة تعز مشكلة قديمة حديثة، ظهرت شرارتها منذ العام 2015 بسبب الحصار الذي تشهده المدينة من قبل جماعة الحوثي، وأن مشكلة نقص الأكسجين تفاقمت في الفترة الأخيرة أثناء انتشار موجة كورونا الثانية.

وأرجع الحسامي أسباب النقص وأزمة الأكسجين إلى مشكلتين الأولى عدم وجود مصانع تعبئة لإنتاج كميات كافية من الأكسجين للعمل على سدّ فجوة الاحتياج القائم، والثانية عدم وجود خطة منظمة وهادفة من العام 2017  لقطاع الصحة في المدينة.

يقول “تعود الأسباب لأنه لا يوجد مصانع أكسجين في محافظة تعز تنتج أسطوانات كافية لتغطية الاحتياج القائم سواء بالمستشفيات الخاصة أو العامة، ناهيك عن مراكز كوفيد19”.

لذا ما حدث من عجز ونقص في أسطوانات الأكسجين لجائحة كورونا كان بسبب أن مركز العزل في المستشفى الجمهوري يمتلك 80 أسطوانة فقط. ولكن بعد المتابعة عملت السلطة المحلية وجهات داعمة على توفير قرابة 1000 أسطوانة لمركز العزل في الجمهوري مما جعله في شبه اكتفاء بالأسطوانات.

وفي السياق قال نائب مدير مكتب الصحة في مديرية المخا، الدكتور نصر عسكر، إن مركز العزل في مستشفى المخا بالساحل الغربي لتعز، يعاني من أزمة الأكسجين بشكل كبير خاصة مع زيادة ارتفاع حالات الإصابة، مطالباً الجهات المعنية بتوفير الأكسجين والأجهزة الاصطناعية إذ يمتلك المركز جهازين تنفس فقط.

وأوضح عسكر أن مركز العزل يعتبر المركز الوحيد الذي يغطي مديريات الساحل الغربي بالكامل ويفتقر للأدوية والأدوات الاحترازية والأجهزة اللازمة للعناية بالحالات المصابة بالفيروس المستجد. مشيراً إلى وجود حالات لم يحددها بعد، توفيت بسبب نقص الأكسجين في مركز العزل.

إحصائيات

يوجد في مركز العزل بتعز 35 سريراً،  و16 جهاز تنفس صناعي فقط، إضافة إلى 20 جهاز مراقبة حيوية يقيس درجة الحرارة ونسبة التنفس والدم.

وتقول الدكتورة أمل عبداللطيف مشرفة مركز العزل في المستشفى الجمهوري”إن بعض أجهزة التنفس الاصطناعي المتواجدة في المركز أصبحت غير صالحة للاستخدام، بسبب العمل الكثيف عليها منذ بداية الموجة الثانية نهاية شهر مارس الماضي ،والبعض الآخر شبه متهالك، وتحتاج لإعادة صيانة بأقرب وقت”.

وفي خلال شهر أبريل الماضي بلغت الوفيات في مركز العزل أكثر من 100 حالة وفاة. ومنذ بداية الموجة الثانية بتاريخ 25 مارس وحتى نهاية شهر مايو الماضي بلغت إجمالي الوفيات في مركز العزل 150 حالة وفاة، فيما بلغت عدد الحالات المصابة 218 حالة إصابة، و62 حالة خروج متحسن -شفاء- بحسب إحصائية للمستشفى الجمهوري. وبالنسبة للأسطوانات المستهلكة في المركز بلغت في أبريل 8700 أسطوانة، وإجمالي الأسطوانات التي تم استهلاكها في نهاية مارس-بداية الموجة الثانية- وحتى مايو، 21 ألف و800 أسطوانة أكسجين.

وتستهلك الحالة المستقرة من 5-10 أسطوانات في اليوم الواحد، فيما تحتاج الحالة الحرجة من 15 – 20 أسطوانة يومياً.

إقرأ أيضاً  أوصال الداخل المقطعة تشل صادرات اليمن

ويرقد حالياً في مركز العزل 10حالات مصابة بكورونا، بحسب الدكتورة أمل، مشيرةً إلى أن الوفيات في شهر أبريل وحتى نصف مايو كانت بمعدل 7 حالات وفاة يومياً، بعد أن وصل عدد الحالات المرقدة في المركز 45 حالة في اليوم الواحد.

فيما أصيب 5 أشخاص من العاملين الصحيين في المركز بينهم صحيات، بسبب نقص إجراءات الوقاية الاحترازية. والحالات المصابة التي كانت معرضة للوفاة هي من فئة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، والذين كانوا يوصلوا المركز وقد تضاعفت حالته.

أسطوانات فارغة

على الرغم من وجود كل هذه الأسطوانات إلّا أنها لم تحل مشكلة نقص الأكسجين فهناك أسطوانات دون وجود مصانع لتعبئتها. فقد كان المركز يستهلك في اليوم من 350-400 أسطوانة. بحسب الحسامي.

ويشكو مدير مكتب الصحة بتعز المليكي، من نقص حاد بالأكسجين في المحافظة، ويرجع ذلك إلى عدم تواجد مصنع لإنتاج الأكسجين، وأن إنتاج المحطتان المتواجدتان في المدينة لا يغطي الاحتياج الكافي خاصة في ظل جائحة كورونا.

وكشف المليكي، عن اتفاق بين وزراة الصحة في الحكومة اليمنية وعدّة منظمات أبرزها الصحة العالمية، لإنشاء ثلاث محطات لتعبئة الأكسجين خلال الشهرين القادمين في مراكز العزل الثلاثة (مركز العزل بالجمهوري – مركز مستشفى المخا – مركز مستشفى خليفة بالتربة).

وفي حال تواجدت هذه المحطات بمراكز العزل الثلاثة في محافظة تعز ستعطي المراكز الاكتفاء الذاتي من احتياجهم المستمر للأكسجين. إذ يصل احتياجهم اليومي نحو 800 أسطوانة يومياً.

وأشار راجح إلى وجود خطة لإنشاء مركز عزل ثانٍ في المدينة، كان قد اختير بالقرب من شارع الثلاثين غربي المدينة والذي سيخدم المصابين بمديرية المظفر، أو سيتم توسعة مركز العزل المتواجد في الجمهوري حال عدم تلقيهم الدعم الكافي.

المليكي طالب الحكومة والمنظمات المختصة لبناء مستشفى خاص ومتكامل للعزل والحميات، كون محافظة تعز ذات كثافة سكانية عالية، معتبراً الحالات المعلنة نسبة قليلة من الإصابات الحقيقية.

وتشهد أسواق ومحلات بيع الأسطوانات في تعز ارتفاعاً غير مسبوقاً في أسعارها والتي تزايدت مؤخراً بشكل كبير، إذ ارتفعت قيمة الأسطوانة الفارغة من 70 ألف ريال إلى 150 ألفاً، فضلاً عن ارتفاع أسعار التعبئة والتي وصلت 6000 ألف في محطتي الثورة والتعاون، كما ظهرت السوق السوداء لبيع اسطوانات الأكسجين في شوارع المدينة.

الدكتور الحسامي أكد أن هناك وفيات لمرضى كورونا بسبب عدم اسعافهم إلى مركز العزل، خوفا من شائعة ابر الرحمة -ابرة الموت- وعدم حصولهم على الأكسجين، إذ أن الحالات التي كانت تصل وهي بالمراحل المتأخرة جداً وقد دخلت بمضاعفات كبيره هي60 % من حالات الوفيات المقيدة لدى المركز، وكان يتم إجراء فحوصات لهذه الحالات في المختبر المركزي ليتم رفعها إلى لجنة الطوارئ في وزارة الصحة بعد التأكد من إيجابية النتيجة.

كورونا في المنزل

تفيد معلومات عن مصادر طبية متعددة، أن لنقص مادة الأكسجين، وعدم توفره بكميات مناسبة؛ أو لأخطاء واختلالات في معايير الضغط ومعدل النقاوة؛ دوراً في وفاة مصابين بفيروس كورونا، سواءً داخل مركز العزل العلاجي بالمستشفى الجمهوري، أم في المنازل التي يستخدم فيها المصابون الأكسجين.

مسؤول طبي بمدينة تعز “فضل عدم ذكر اسمه” أكد أن 6 حالات مصابة بالفيروس، توفيت بسبب نقص الأكسجين بمركز العزل والمستشفيات خلال الموجة الثانية.

وبحسب الدكتورة أمل عبد اللطيف فإن بعض الحالات التي كانت تصل عن طريق الطوارئ إلى مركز العزل متوفية بسبب المضاعفات التي حصلت للحالة المصابة، وعدم حصولها على الأكسجين، وهو ما تكون الحالة بحاجة شديدة له.

وتضيف عبد اللطيف في حديثها “عندما كنا نسأل مرافقي الحالات التي وصلت متوفية، يتشابه أعراضها مع أعراض الإصابة بكوفيد-19”. ولهذا كان يُسمح في مركز العزل أن يدخل مع كل مريض مرافق له، ليكون على إطلاع بحالة مريضه ويشاهد ما يمر به من معاناة ويشارك في عملية علاجه، ولكي يتم كسر حاجز شائعة ابر الرحمة في أوساط المجتمع والتي جعلت من المواطنين لقمة صيد للفيروس في منازلهم. تؤكد أمل.

سلطان عبدالله أحد المواطنين في جبل حبشي بريف تعز الغربي يقول إن والده أصيب بزكام وسعال وحمى بداية معاناته مع المرض، وبعد أكثر من أسبوع بدأ والده يعاني من ضيق في التنفس، فعمل جاهداً على توفير الأكسجين له- وذلك لتساهلهم في المرض- دون إسعافه إلى مركز العزل ، ليتأكد ما إذا كان مصاب بكوفيد-19.

يقول سلطان ” لقد حصلتُ على أسطوانة أكسجين في محطة التعاون، بعد بحث طويل وتخبط بين مستشفيات المدينة”، ويضيف ” لم أكن أتوقع أن يأتي يوم وأحتاج لأسطوانة الأكسجين وما أعثر عليها إلا بشق النفس”، مطالباً السلطات الصحية إنهاء هذه المعاناة وتوفير الأكسجين للمرضى.

مثل سلطان الكثير منهم من حصل على الأكسجين والبعض لم يحالفهم الحظ فاضطروا إلى الرجوع إلى منازلهم خالين الأيدي من مادة الحياة “الأكسجين” كما يعتبرها البعض.

وللأكسجين أهمية كبيرة للمصابين بفيروس كورونا المستجد الذي يتسبب بالتهاب حاد ووخيم في الجهاز التنفسي، حيث تحتاج الحالة الحرجة في الساعة الواحد لأسطوانة أكسجين وفي اليوم ما يقارب 22 أسطوانة.

قابلنا في محطة التعاون سليم عبد القوي الذي يأتي منذ أسبوع لتعبئة ثلاث أسطوانات أكسجين يومياً لوالده الذي يمكث في المنزل بمديرية القاهرة وسط المدينة، والد سليم مصاب بفيروس كورونا ويعاني من ضيق في التنفس، يقول ” عاملت على إخراج 3 أسطوانات من المستشفى الجمهوري لوالدي، لأنه يعاني من ضيق في التنفس بعد إصابته بحمى وزكام” ويضيف أنه يدفع 6000 ألف ريال يمني مقابل تعبئة الأسطوانة الواحدة من الأكسجين.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من اجل حقوق الانسان و الشؤون العالمية في كندا

مقالات مشابهة