fbpx

روسيا تبحث عن طريق إلى اليمن

طارق صالح في روسيا - أرشيفية

عدن – مازن فارس:

منذ مطلع العام الجاري، تحولت العاصمة الروسية موسكو إلى محطة لمختلف أطراف الصراع في اليمن، وذلك ضمن إطار حراك سياسي يعكس على الأرجح سعي موسكو للانخراط أعمق في الملف اليمني.
البداية كانت في استضافة وفد جماعة الحوثي، أواخر عام 2018، تلاها استقبال عدة وفود من الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ومؤخرًا طارق صالح (نجل شقيق الرئيس اليمني السابق) الذي توجه إلى موسكو في أول زيارة له إلى الخارج.
الحراك السياسي الروسي المتصاعد تجاه الأزمة اليمنية، يثير الكثير من التساؤلات بشأن طبيعته ودلالته، لاسيما وأنه يأتي في الوقت الذي تكثف الولايات المتحدة الأمريكية مساعيها في اليمن من أجل إنهاء الحرب.

ثلاثة وفود في نصف عام

ثلاثة وفود يمنية استقبلتها روسيا منذ بداية العام الجاري. أولها وفد المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي، الذي وصل إلى موسكو أواخر شهر يناير الماضي، في زيارة ثانية خلال أكثر من عام ونصف.
التقى وفد الانتقالي بعدد من المسؤولين الروس، أبرزهم المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف.
حينها، قالت الخارجية الروسية، في بيان لها، إن بوغدانوف والزبيدي ناقشا بشكل مفصل التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في اليمن، وبخاصة في المناطق الجنوبية، مع التركيز على أبرز المهام المنوطة بالحكومة الائتلافية اليمنية (تشكّلت في 18 ديسمبر 2020)، التي دخل في تشكيلتها للمرة الأولى ممثلون عن المجلس الانتقالي.
وفي 26 مايو الماضي، استضافت مدينة سوتشي الروسية المطلة على البحر الأسود، محادثات بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره اليمني أحمد عوض بن مبارك، الذي كان في زيارة عمل إلى موسكو استمرت ثلاثة أيام.
خلال المحادثات التي ناقشت الوضع العسكري والسياسي والإنساني في اليمن، قال لافروف إن بلاده على اتصال مع جميع الأطراف المعنية في النزاع، مؤكدًا دعمها للدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة في التسوية اليمنية، بحسب موقع “روسيا اليوم”.
من جانبه، طالب بن مبارك روسيا بالقيام بدور أكبر في الضغط على جماعة الحوثي، ومن خلفها إيران، لوقف حربها العبثية ضد الشعب اليمني، والانصياع لجهود ومبادرات السلام، وفق وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”.
ولعلّ الزيارات المتلاحقة كانت لافتة خلال هذا العام، والتي اختتمها طارق صالح، في 11 يونيو الجاري، “تلبية لدعوة من الجانب الروسي”، حد تعبير صالح الذي قال في مقابلة مع وكالة “سبوتنيك”، إنه ناقش مع المسؤولين في روسيا “عملية دفع السلام في اليمن، ورفع العقوبات الأممية عن أحمد علي عبدالله صالح”.
ومنذ خروجه من صنعاء بعد مقتل عمه، الرئيس السابق علي عبدالله صالح، على يد الحوثيين، مطلع ديسمبر 2017، يقود طارق صالح قوات عسكرية تسمى “المقاومة الوطنية”، وتضم مئات المقاتلين، وتتمركز في عدد من المديريات التابعة لمحافظتي تعز والحديدة على الساحل الغربي لليمن.

حضور دبلوماسي

للوهلة الأولى من اندلاع الحرب في اليمن، غادرت العديد من السفارات الأجنبية البلاد، لكن موسكو قررت البقاء، وحافظت على السلك الدبلوماسي في كلٍّ من صنعاء وعدن، قبل أن تغادر الأولى عقب مقتل الرئيس السابق صالح على يد الحوثيين.
ورغم اعتراف موسكو بشرعية الحكومة التي يقودها الرئيس عبد ربه منصور هادي، إلا أنها ظلت في كل مرة تعارض قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالأزمة في اليمن.

عدة مرات؛ استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد بعض قرارات مجلس الأمن، كان آخرها اعتراضها، منتصف مارس الماضي، على إصدار بيان صحفي لمجلس الأمن، يدين التصعيد في محافظة مأرب (شمال شرق)، ويؤكد ضرورة إنهاء هجوم الحوثيين على المحافظة الغنية بالنفط، والتي تعتبر آخر معاقل الحكومة شمال البلد.


ففي أبريل 2015، سمحت موسكو على مضض باعتماد قرار مجلس الأمن 2216، الذي ينص على انسحاب الحوثيين من جميع المناطق التي سيطروا عليها، وتسليم أسلحتهم.
وفي فبراير 2018، عارضت روسيا مشروع قرار تقدمت به بريطانيا، وتدعمه الولايات المتحدة وفرنسا، يدين إيران لعدم منعها وصول شحنة أسلحة إلى الحوثيين.
عدة مرات؛ استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد بعض قرارات مجلس الأمن، كان آخرها اعتراضها، منتصف مارس الماضي، على إصدار بيان صحفي لمجلس الأمن، يدين التصعيد في محافظة مأرب (شمال شرق)، ويؤكد ضرورة إنهاء هجوم الحوثيين على المحافظة الغنية بالنفط، والتي تعتبر آخر معاقل الحكومة شمال البلد.

علاقة جيدة مع أطراف الصراع

خلال سنوات الحرب الدائرة في اليمن منذ 6 أعوام، حافظت روسيا على علاقتها مع جميع أطراف الصراع، وأبقت نفسها على مسافة متساوية منها، مع رفض إعلان دعمها الصريح لأيِّ طرف، فهي تعترف بالحكومة اليمنية، ولكنها لا تُدين جماعة الحوثيين، ولا مشكلة لديها في استضافة قيادات بالمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن؛ لكن في الوقت نفسه تؤكد على ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن.
امتاز دور روسيا في اليمن بـ”الحياد”، وفق وصف الباحث في العلاقات الدولية يوسف مرعي، في حديثه لـ” المشاهد” الذي يرى أن علاقة موسكو بالحوثيين تراجعت مع مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
“حضور روسيا في الأزمة اليمنية مؤخرًا بدا لافتًا”، كما يقول مرعي لـ”المشاهد”، مشيرًا إلى أن تقريرًا لمجلس الشؤون الدولية الروسي صدر قبل حوالي ثلاث سنوات، كان قد طالب حكومة بلاده بانتهاز الفرصة لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في اليمن، معللًا ذلك بتغير جميع المعالم الرئيسية للأزمة اليمنية.
ووفق مرعي، فإن تقرير مجلس الشؤون الدولية الروسي وضع ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصراع في اليمن. كل هذه السيناريوهات أشارت إلى استمرار الصراع، وتدهور الحالة السياسية والإنسانية ما لم يتدخل طرف خارجي قوي ومقبول من جميع الأطراف، في إشارة إلى روسيا.

إقرأ أيضاً  إلغاء مجانية التعليم باسم "المشاركة المجتمعية"

مكاسب استراتيجية

تحرص روسيا على بناء علاقة مع كل الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني، بما يضمن لها إمكانية حضورها في الساحة اليمنية كقوة دولية وسيطة تسعى إلى نهاية الحرب، بحسب مرعي.
وأوضح أن روسيا تسعى إلى تحقيق مكاسب على المدى الاستراتيجي، بما يعزز حضورها الاقتصادي العسكري في اليمن، من خلال التواجد العسكري بالقرب من طرق التجارة الدولية في بحر العرب والمحيط النهدي وخليج عدن، والقرب من القرن الإفريقي. وقال إن “القوى اليمنية الفاعلة ستكون ممتنة للدور الروسي في حال إنجاز أية عملية سياسية قادمة”.
وبشأن الاستراتيجية الروسية في المشهد اليمني، قال مرعي إن “موسكو تحاول من خلال وجودها في اليمن، أن تضمن علاقة متوازنة مع كل من المملكة العربية السعودية وإيران؛ الدولتين الإقليميتين البارزتين في المنطقة”.

تولي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أهمية خاصة للملف اليمني، ويعد وقف الحرب في البلد جزءًا من “أهدافها الاستراتيجية”. وأعلن بايدن في فبراير الماضي، وقف الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية في اليمن، بما في ذلك بيع الأسلحة والمعدات.


وأضاف أنها تسعى أيضًا إلى أن تعيد صياغة علاقتها مع السعودية والإمارات، بما يسهم في زيادة شراكتها الاقتصادية والاستثمارية في قطاعي الطاقة والتسليح، والحفاظ على أسعار الطاقة.

تنافس أمريكي- روسي

التباينات بين الإدارة الأمريكية الجديدة ودول التحالف العربي، هي أحد أسباب تكثيف روسيا لمساعيها السياسية تجاه الأزمة اليمنية، وفق مرعي، لافتًا إلى أن “تقرير الاستخبارات الأمريكية بشأن ضلوع ولي العهد السعودي بمقتل الصحفي جمال خاشقجي، جعل هذه الدول تعطي مساحة أكبر لحلفائها المحليين بالتحرك باتجاه موسكو”.
تولي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أهمية خاصة للملف اليمني، ويعد وقف الحرب في البلد جزءًا من “أهدافها الاستراتيجية”. وأعلن بايدن في فبراير الماضي، وقف الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية في اليمن، بما في ذلك بيع الأسلحة والمعدات.
ويرى مرعي أن هناك إشارة واضحة للإدارة الأمريكية أن أي حضور روسي في اليمن بما يحقق إنجاز تسوية قد تفشل فيها الإدارة الأمريكية الجديدة، سيحسب في جولات الصراع الجيوسياسية مع الغرب لصالح روسيا.
ويقول إن “روسيا تثمن عاليًا الدول التي تتشارك معها مفهوم عالم متعدد الأقطاب، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة”.

سيناريوهات محتملة

وحول سيناريوهات الحراك الروسي تجاه الأزمة اليمني، يضع رئيس مركز أبعاد للدراسات عبدالسلام محمد، سيناريوهين لذلك.
السيناريو الأول، يرى أنه استراتيجي، خلفه مشروع تواجد فعلي في اليمن ذات الموقع الاستراتيجي الهام. ويقول لـ”المشاهد”، إن “العلاقة بين روسيا وكل من الإمارات وإيران، هي بوابة التواجد في اليمن”.
بالنسبة لمحمد، فإن تلك العلاقة ستُكسب حرب اليمن “فاعلًا دوليًا جديدًا قد يكون سببًا في الاستقرار إذا كان التدخل إيجابيًا، وبالتنسيق مع الحكومة اليمنية والسعودية”.
لكنه يرى، في الوقت ذاته، أنه في حال كان التدخل سلبيًا، قد يكون “سببًا في تعقيد الحرب (…) ودعم المليشيات والتعاون مع جهات إقليمية علاقتها متصادمة مع الحكومة”.
أما السيناريو الثاني، بحسب رئيس مركز أبعاد للدراسات، فقد يكون تحرك روسيا في اليمن “تكتيكيًا، هدفه خلق توازنات إقليمية وفتح نوافذ وأبواب للتعاون مع دول المنطقة، والظهور بمظهر التأثير لتكون موسكو البديل المستقبلي لواشنطن في المنطقة كلها، وبرضا أمريكي”.
بدروه، يرى مرعى أن أي حضور روسي جديد في المنطقة يأتي في سياق استراتيجية موسكو لتقليص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط “رغم أن هناك خبراء روسًا يؤكدون على أن حجم التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة يكاد يكون بسيطًا مقارنة بالملفين الليبي والسوري”، كما يقول.
بالنسبة له، فإن أي نجاح لروسيا في اليمن قد يُصعب من حظوظ إدارة بايدن في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي. مشيرًا إلى أن أي فشل للمبعوث الأمريكي سينعكس سلبًا على الديمقراطيين.

مقالات مشابهة