fbpx

مآسي الحرب الأهلية الروسية على السكان تتكرر حاليًا في الحالة اليمنية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عدن – عبدالعالم بجاش:

كانت الحرب الأهلية الروسية حربًا كارثية بكل المقاييس، رغم قصر مدتها، تعتبر من أشد الحروب وطأة وفتكًا في التاريخ. إذ تعد مثالًا للحروب الأهلية الشرسة والأكثر وحشية، بخاصة تجاه المدنيين ومن طرفي النزاع.
وبلغت كلفتها بين ٧ ملايين و١٣ مليون قتيل، إضافة إلى مليون نازح غادروا البلاد بشكل نهائي.
لم يطل زمن الحرب الأهلية الروسية بين القوتين الرئيسيتين: الجيش الأحمر للبلاشفة والجيش الأبيض للروس البيض، عن 4 سنوات، للوصول إلى نتيجة حاسمة منذ ١٩١٧ وحتى ١٩٢٠، لتبدأ الحرب في الانحسار رغم امتداد بعض المعارك حتى العام ١٩٢٢.
وكانت القوات التي تشكل منها الجيش الأبيض مزيجًا غير متجانس من القوات والتشكيلات والتوجهات، مع ميل هذه القوات للملكية السياسية والرأسمالية والديمقراطية الاجتماعية.
رغم قصر المدة، كانت نتائج الحرب كارثية، إذ قدرت أعداد الضحايا بنحو 7 إلى 13 مليون ضحية خلال الحرب، معظمهم من المدنيين.
عشرات الآلاف من الضحايا فتكت بهم الأمراض، وتصاعدت الوفيات بسبب انتشار الأوبئة والمجاعة، وتكدس النفايات في المدن خلال الحرب.
انتهت الحرب بانتصار الجيش الأحمر التابع للحكومة البلشفية، وهزيمة الجيش الأبيض.
فرضت الحرب الأهلية عسكرة الشعب الروسي المنقسم على نفسه وقواه المتناحرة، وأدخل الصراع البلاد في دوامة من التصفيات، في ما أطلق عليه الإرهاب الأحمر، الذي قوبل بحملات مضادة من جانب الروس البيض، فيما وقع ملايين المدنيين ضحايا بين القوتين الرئيسيتين في النزاع.
الكثير من تفاصيل تجربة الحرب الأهلية الروسية فيها العديد من العبر والدروس بالنسبة لبلد كاليمن الذي يعيش حربًا أهلية للعام السابع على التوالي.

من القيصرية إلى الإمبراطورية إلى البلشفية

تعد الحرب الأهلية الروسية امتدادًا للثورة التي أطاحت بآخر قياصرة الإمبراطورية الروسية التي يعود تأسيسها إلى العام ١٧٢١، على يد الإمبراطور بطرس الأول أو الأكبر، وهو وريث قيصرة مسكوفي التي كانت تحت حكم عائلة رومانوف، وهي واحدة من أقدم الإمبراطوريات في العالم.
وفقًا للمصادر التاريخية، حكم بطرس الأول بمنطق “الشخص الوحيد في روسيا، ولعب دورًا رئيسيًا في جلب بلاده إلى نظام الدول الأوروبية، فأصبحت روسيا أكبر دولة في العالم في عهده، بعد أن ابتدأت بدايةً متواضعة في القرن الرابع عشر كإمارة موسكو”.
استمرت الإمبراطورية الروسية حتى قيام الثورة البلشفية سنة 1917، وقيام الاتحاد السوفيتي. كانت تلك الامبراطورية خلفًا لروسيا القيصرية.
وكانت تمتد من أوروبا الشرقية عبر آسيا وصولًا إلى أمريكا الشمالية، على مساحة تشمل 15.3% من المساحة الإجمالية للكرة الأرضية.
سقطت الإمبراطورية الروسية بفعل الثورة البلشفية التي تشكلت من خلال اضطرابات شعبية نتيجة تردي الأوضاع في ظل الحكم الملكي، قامت على إثر ذلك حكومة مؤقتة لتتصاعد الأحداث نحو قيام الاتحاد السوفيتي عام ١٩١٧.
وكان الاسم الرسمي للدولة قبل الإمبراطورية، هو روسيا القيصرية، حتى قيام بطرس الأول أو الأكبر بإنشاء الإمبراطورية الروسية عام 1721، وهو وريث قيصرة مسكوفي التي كانت تحت حكم عائلة رومانوف، وهي واحدة من أقدم الإمبراطوريات في العالم.
ويشير اسم قيصرة مسكوفي إلى دوقة موسكو، وكانت كيانًا سياسيًا روسيًا يتركز حول موسكو خلال الفترة من 1340 إلى 1547.
ويعد اسم روس والأرض الروسية من أقدم التسميات لدوقية موسكو الكبرى. تاريخيًا حملت الدولة اسم روسيا وموسكوفيا أو موسكوفي، وكانا رائجين خلال القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، استنادًا إلى خرائط غربية ومصادر مختلفة، وورد اسمها روسيا المعروفة شعبيًا باسم موسكوفيا.

تحرير العبيد

كانت روسيا تحت هيمنة الطبقة الأرستقراطية، في العام ١٨٦١، تم الإعلان عن تحرير العبيد، في حدث تاريخي كان الأهم في التاريخ الروسي خلال القرن التاسع عشر، وتم إرسال العمال إلى المدن، مما أدى إلى نمو القطاع الاقتصادي واتساع حجم الطبقة الوسطى وتأثيرها.
مثَّل تحرير العبيد منعطفًا تاريخيًا لإنهاء “عهد احتكار الطبقة الأرستقراطية للسلطة، غير أن الحكومة لم تقدم للعبيد المحررين الأراضي الزراعية التي كانوا يعملون فيها، وفرضت عليهم دفع ضريبة خاصة مدى الحياة، قدمتها الحكومة ثمنًا للمالكين تعويضًا عن الأرض التي صودرت منهم”.

الأحد الدامي

في 22 يناير 1905، تظاهر المئات من العمال، وساروا نحو قصر القيصر، للمطالبة بظروف عمل أفضل. تعرضت مسيرة العمال للقمع بعنف، إذ أطلق الجنود النار على العمال المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل وإصابة كثيرين. كانت تلك شرارة أولى للثورة، وأطلق على ذلك اليوم “الأحد الدامي”.
وكانت روسيا تعيش مطلع القرن العشرين، في ظل الملكية، أوضاعًا مضطربة، وعانت البلاد وشعبها من التخلف والاستبداد على أيدي كبار الرأسماليين من ملاك المصانع والأراضي والعقارات المتحالفين مع الإمبراطور، وكان القيصر الروسي نيقولاي الثاني نفسه كبير الملاك على الإطلاق.
ملاك المصانع استغلوا العمال إلى أقصى حد، وملاك الأراضي والعقارات استبدوا بالفلاحين دون رادع، بل أسهمت تشريعات أصدرتها الحكومة في إخضاع الفلاحين لكبار الملاك، ومنعهم من مغادرة القرى، مما حولهم إلى عبيد، وتفشت البطالة والفقر في البلاد، وساءت معيشة غالبية السكان.
في ١٩١٤ دخلت روسيا الحرب العالمية الأولى التي استمرت حتى العام ١٩١٧. بحسب مصادر تاريخية، بلغت خسائر روسيا في الأرواح نحو مليوني جندي، وقرابة ٥ ملايين أصيبوا خلال الحرب العالمية الأولى. وزاد الاستياء الشعبي في روسيا، وتفشت البطالة والفقر بصورة أكبر بعد أن أغلقت عشرات المصانع لانعدام الوقود والكهرباء.

سقوط القيصرية

اندلعت موجة الاحتجاجات من قبل البلاشفة من جديد في بتروجراد العاصمة الروسية وقتها، شارك فيها العمال والفلاحون وجنود ساخطون رفضًا للحرب. خلال أيام منذ ٢٣ فبراير ١٩١٧، تحولت الاحتجاجات إلى ثورة قوبلت بالقمع من قبل السلطات، وظهرت حالات تمرد في أوساط الجنود ضد القيصر، تحت تأثير الدعاية البلشفية التي توجهت إلى الجنود ودعتهم لتأييد الثورة.
تحول الجيش كله ضد القيصر نيقولاي الثاني، الذي تنازل عن العرش لأخيه ميخائيل في 3 مارس 1917، غير أن ميخائيل رفض، وسقطت القيصرية.


وقد سارعت الطبقة الأرستقراطية لإنقاذ نفسها، إذ أعلنت تشكيل حكومة مؤقتة من كبار الصناعيين وملاك الأراضي والعقارات، وقطعت وعودًا للمحتجين بتطبيق إصلاحات واسعة تتضمن الإصلاح الزراعي وحقوق القوميات، غير أن تلك الوعود تبخرت، ولم تستمر الحكومة المؤقتة، إذ سعت لاحتكار السلطة.
وكانت قد تشكلت سلطة الاشتراكيين البلاشفة “السلطة السوفيتية” على الأرض، وكانوا محل ثقة المحتجين، وحدث نوع من ازدواج السلطة بين الحكومة المؤقتة والبلاشفة، وقد تعايش الطرفان لوقت وجيز، قبل أن تتمكن الحكومة الأرستقراطية من إقصاء البلاشفة وإنهاء ازدواج السلطة.
أدى ذلك إلى تجدد الإضرابات في روسيا، التي شارك فيها قرابة مليون عامل، ضمن تحركات البلاشفة. وتم إسقاط الحكومة المؤقتة وإعلان حكومة اشتراكية بلشفية لروسيا، برئاسة زعيم البلاشفه فلاديمير لينين.
كان قرار الانقلاب على الحكومة المؤقتة قد اتخذ في 10 أكتوبر 1917، إذ صوت غالبية أعضاء اللجنة المركزية للبلاشفة لصالح قرار يدعو إلى انتفاضة مسلحة.
وفي الـ25 من أكتوبر استولت قوات البلاشفة على المرافق الحكومية الرئيسية في العاصمة الروسية بتروجراد وقتها، وأعلن البلاشفة تشكيل حكومة جديدة.
أصدرت حكومة لينين مراسيم بمصادرة أراضي كبار الإقطاعيين، وتوزيعها على الفلاحين، وسعت نحو السلام، إذ “دعت شعوب وحكومات جميع الدول المتحاربة لأجل التفاوض الفوري من أجل السلام”.
ويعزى إلى ذلك الموقف انتهاء الحرب العالمية الأولى بعد توقيع روسيا على معاهدة سلام مع ألمانيا، أطلق عليها “معاهدة بريست ليتوفسك”.

فكرة تصدير الثورة

في أكتوبر ١٩١٧، صارت السلطة في روسيا بيد الشيوعيين البلاشفة الذين أزاحوا الحكومة المؤقتة، وأعلنوا حكومة اشتراكية، وليضعوا فكرة زعيمهم لينين بتحويل الحرب الامبريالية إلى حرب أهلية، موضع التنفيذ.
كان لدى البلاشفة طموح بتصدير الثورة الروسية لتصبح ثورة عالمية. وفقًا للمصادر التاريخية كان هذا الطموح بتصدير الثورة سببًا رئيسيًا لإشعال الحرب الأهلية الروسية كوسيلة فعالة نحو الثورة العالمية.
بعد الثورة التي أطاحت بالإمبراطورية الروسية سنة ١٩١٧، تمكن البلاشفة من اجتياح روسيا بسهولة ودون معارضة. وسبق ذلك اندلاع الثورة الروسية عام ١٩٠٥، لكن الإمبراطورية الروسية تمكنت من قمعها.
اندلعت الثورة الروسية الأولى في فبراير 1905، وأرغمت الثورة نيقولا الثاني على إنشاء مجلس الدوما الإمبراطوري، باختصاصات استشارية، في محاولة لامتصاص السخط، غير أن الاضطرابات بلغت ذروتها خلال إضراب تم في أكتوبر 1905.
بعد سنوات، وفي أكتوبر ١٩١٧، اندلعت الثورة الروسية الثانية، وتمكنت من إسقاط آخر قيصر للإمبراطورية نيقولاي الثاني، بعض القوى اعتبرت تلك الثورة انقلابًا. في نوفمبر نفذ ألكسندر كولتشاك، انقلابًا للسيطرة على الدولة الروسية.
أدى سقوط الإمبراطورية الروسية إلى ظهور حركات استقلال وحروب في عدد من الأجزاء كانت تحت سلطة الإمبراطورية الروسية، وتمكنت فنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا من الاستقلال، وأصبحت دولًا ذات سيادة.
وليتم لاحقًا “توحيد بقية أجزاء الإمبراطورية الروسية السابقة في الاتحاد السوفييتي”.
اندلعت الحرب بدءًا بمناوشات محدودة عام ١٩١٧، توسعت منذ عام ١٩١٨، بين الأحزاب الروسية المتناحرة، وتحديدًا بين الشيوعيين البلاشفة الذين كونوا الجيش الأحمر، وتحالف مناهض لهم ضم عدة مجموعات غير متجانسة؛ الشيوعيين المعتدلين والمحافظين الديمقراطيين والقوميين والروس البيض، وقد شكلوا قوات متعددة في ما سمي الجيش الأبيض.

مراحل الحرب الأهلية

دارت الحرب الروسية الأهلية على ثلاث مراحل؛ كانت المرحلة الأولى هي مرحلة الانتقال من اشتباكات محدودة بين الجيشين الأحمر والأبيض، إلى معارك واسعة من أكتوبر 1917 وحتى نوفمبر 1918.
في المرحلة الثانية دارت المعارك الرئيسية التي انتهت في مارس ١٩٢٠، بفرض الجيش الأحمر سيطرته على معظم أجزاء وأراضي روسيا. آخر مرحلة انتهت في أكتوبر ١٩٢٢، إذ تراجعت حدة الحرب بعيدًا عن المدن الكبرى.
في كتابه “مقالات عن تاريخ حرب ١٩٢٧-١٩٢٠ الأهلية”، الصادر عام ١٩٢٥، حدد الكاتب أناتولي أنيشيف، وكان أحد الباحثين في أكاديمية تولماتشيف العسكرية السياسية في لينينغراد (سانت بطرسبورغ حاليًا)، حدد أربع مراحل أساسية للثورة وما تبعها. من وجهة نظر الكاتب “كانت المرحلة الأولى، أكتوبر 1917 -مارس 1918، تتميز بإسقاط البلشفيين للحكومة وتشكيل نظام دكتاتوري من طبقة العمال وتوقيع معاهدة بريست ليتوفسك، التي تنهي اشتراك روسيا في الحرب العالمية الأولى. المرحلة الثانية، أبريل-مايو 1918، نشأت فيها ثورة مضادة في الجنوب، كما نشأ فيها عدوان الفيلق التشيكوسلوفاكي الذي قضى على الحكم البلشفي في أجزاء كبيرة من روسيا. المرحلة الثالثة، يونيو-نوفمبر 1918، كانت قمة الشيوعية الحربية، إذ ناضل تحالف الطبقة العاملة والفلاحين ضد الثورة المضادة، وانتشرت المجاعة في القرى. المرحلة الرابعة نوفمبر 1918وحتى ربيع 1920، كانت تتميز بمعركة الطبقة العاملة، بالتحالف مع متوسطي الدخل من الفلاحين، ضد الثورة المضادة التي كان يقودها ملاك الأراضي. وشهدت هذه المرحلة النهائية التخلص من ثلاثة من قادة روسيا البيضاء ذوي الأهمية”.

اندلاع الحرب الأهلية

إلى جانب سياسة القمع التي مارسها البلاشفة في الريف، كان توقيع الحكومة البلشفية الروسية معاهدة بريست مع ألمانيا، مطلع مارس ١٩١٨، أحد أسباب اندلاع الحرب الأهلية الروسية، إذ اعتبر البعض تلك الاتفاقية مهينة لروسيا التي “التزمت بالاعتراف باستقلال أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وفنلندا، وتسريح الجيش، ودفع تعويض 6 مليارات مارك ألماني، وتسليم ألمانيا سفن أسطول البحر الأسود”.
كانت سيبيريا من أبرز محطات الحرب، وكانت قد شهدت تشكيل الفيلق التشيكوسلوفاكي للقتال ضد ألمانيا، بلغ عدد جنود الفيلق ٤٠ ألفًا، تم تشكيله من الأسرى التشيكوسلوفاكيين الذين رغبوا بالقتال إلى جانب روسيا ضد ألمانيا.
وعقب توقيع روسيا على اتفاقية بريست مع ألمانيا، وخروجها من الحرب، تمرد جنود الفيلق ضد الحكومة البلشفية الروسية على امتداد السكة الحديد من نهر الفولغا إلى مدينة فلاديفوستوك، واستطاع الفيلق الإطاحة بالسلطة البلشفية في سيبيريا ومنطقة نهر الفولغا.
شكل المتمردون حكومة مؤقتة لسيبيريا برئاسة الحزب الثوري الاشتراكي في يونيو 1918. كما تولى اللواء فلاديمير كابيل رئاسة وحدات المتطوعين من الروس البيض، التي تم تشكيلها في تلك المناطق، وباشرت الهجوم على بقية المدن التي كانت تحت سيطرة الحكومة البلشفية، وتمكنت قواته في أغسطس 1918، من السيطرة على مدينة قازان، والاستيلاء على مستودعات الأسلحة والإمدادات واحتياطيات الذهب للإمبراطورية الروسية.
في الشهر نفسه، كانت القوات التشيكوسلوفاكية قد سيطرت على مدن روسية كبرى مثل سامارا وسيزران وسيمبيرسك. في يونيو 1918 شكل البلاشفة قوات الجبهة الشرقية من 6 جيوش، وباشرت الهجوم المضاد منذ سبتمبر في العام نفسه، إذ تمكنت من استعادة مدن قازان وسيمبيرسك وسامارا، مما أرغم الأدميرال ألكسندر كولتشاك، قائد قوات البيض أو الجيش الأبيض، على التحرك إلى مدينة أومسك غرب سيبيريا، وحل حكومة سيبيريا المؤقتة في نوفمبر ١٩١٨، وإعلان نفسه حاكمًا لروسيا، وكان ذلك انقلابًا غير متوقع بالنسبة لقيادة وأنصار الحزب الاشتراكي الثوري، وهو الحزب الذي شارك الاشتراكيين البلاشفة في السلطة، لكنه انقلب عليهم بسبب سياستهم القمعية وتوقيعهم اتفاقية بريست.. وقد اعتبر الاشتراكي الثوري كولتشاك عدوًا أسوأ من لينين.
شنت قوات كولتشاك هجومًا جديدًا على قوات الجيش الأحمر، خلال عام 1919، وسيطرت على منطقة الأورال، كما اقتربت من نهر الفولغا، لكن حركته البيضاء التي لم تحظَ بتأييد الفلاحين في سيبيريا والأورال والفولغا، هُزمت بنهاية المطاف، وتم إعدامه مطلع عام ١٩٢٠، من قبل البلاشفة، بعد أن خانته قواته وقوات الفيلق التشيكوسلوفاكي. وكانت قوات كولتشاك تشن حملات قمعية ردًا على حملات قمعية كان يشنها الجيش الأحمر، وكان الفلاحون والمدنيون هم الضحايا بين الجانبين.

إقرأ أيضاً  خطاب كراهية وتمييز ضد الفئة الصامتة في اليمن

الإرهاب الأحمر

شن البلاشفة، وعبر تشكيلات اللجان الاستثنائية التابعة للحركة، حملات قمعية أطلق عليها “الإرهاب الأحمر”، استهدفت كل شرائح المجتمع في روسيا، وذلك عقب محاولة اغتيال تعرض لها زعيم البلاشفة لينين، في 30 أغسطس 1918.
المحاولة نفذتها فانيا كابلان اليهودية العضوة في الحزب الثوري الاشتراكي الذي كان حليفًا وشريكًا للبلاشفة في السلطة، ثم فض شراكته بعد توقيع البلاشفة اتفاقية بريست مع ألمانيا، والتي خسرت روسيا بموجبها مليون هكتار من الأرض.


خلال مرحلة الإرهاب الأحمر، تم تنفيذ الإعدام دون محاكمات لقرابة ربع مليون شخص، بعض المصادر التاريخية تحدد العدد بعشرات الآلاف. وكانت الإعدامات تتم للأشخاص باعتبارهم أعداء للشعب، دون تحقيق ولا محاكمات.
من بين الآلاف الذين تم إعدامهم رجال دين، كما أصدرت الحكومة البلشفية قرارًا بإعدام الإمبراطور الروسي الأخير نيقولا الثاني وأسرته في مدينة يكاترينبورغ بمنطقة الأورال.

جنرالات الحرب

تصدر عدد من قادة الروس البيض المواجهة ضد البلاشفة في أجزاء متفرقة في روسيا، وتمكنوا من انتزاع معظم أجزاء روسيا، إذ تمكن جيش المتطوعين من الروس البيض بقيادة الجنرال كورنيلوف، والجنرال أنطون دينيكين، من التقدم وتحرير القوقاز الشمالي من البلاشفة.
وشن جيش الدون القوقازي بقيادة الجنرال كراسنوف الموالي لألمانيا، هجومًا على الجيش الأحمر، خلال أغسطس وسبتمبر 1918، وتقدم نحو مدينتي فورونيج وستالينغراد.
ومطلع عام ٢٠١٩، انتقلت قيادة جيش المتطوعين البيض إلى دينيكين، الذي أمكنه قمع مقاومة البلاشفة في القوقاز الشمالي، وإخضاع جيش الجنرال كراسنوف لجيش المتطوعين من الروس البيض، والحصول على دعم من التحالف الرباعي الذي ضم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
وأعلن دينيكين اعترافه بالأدميرال كولتشاك الذي نصب نفسه حاكمًا لروسيا، وبلغ تعداد قوات جيش المتطوعين البيض ١٠٠ ألف فرد.
وتوالت انتصارات جيش المتطوعين الروس البيض عام 1919، إذ استطاعت قواته دحر الجيش الأحمر والسيطرة على عدة مدن تساريتسين و خاركوفويكاترينوسلافل ومنطقة القرم، وكان الصراع انتقل من شرق روسيا إلى جنوبها، وعقب إصدار دينيكين توجيهاته لجيش المتطوعين بالتوجه نحو موسكو للإطاحة بالحكم البلشفي، أعلن البلاشفة التعبئة العامة، واستطاعوا تجنيد ١٨٠ ألف فرد في الجبهة الجنوبية لروسيا، حيث تركز الصراع، مما كان له أثر في إبطاء حركة تقدم جيش المتطوعين من الروس البيض.
وكان الجيش الأبيض أحرز انتصارات في سبتمبر ١٩١٩، واستولى على كييف وفورونيج وأوريول وكورسك وصولًا إلى مدينة تولا أحد أبرز معاقل البلاشفة.

ذروة الصراع المسلح في الحرب الأهلية

في أكتوبر من العام نفسه، بلغ الصراع المسلح ذروته مع تحول الجيش الأحمر إلى الهجوم على امتداد جبهات جنوب روسيا. وبعد استيلائه على مدينتي كييف وخاركوف ومنطقة دونباس الصناعية في أوكرانيا، عام ١٩٢٠، انتقل زمام المبادرة في الحرب إلى قبضة الجيش الأحمر، فيما بدأت مسيرة الجيش الأبيض في التداعي والتمزق وصولًا إلى الانهيار في شهر أبريل ١٩٢٠، بعد هزيمة الجيش الأبيض في منطقة كوبان، مما اضطر قواته إلى الجلاء إلى شبه جزيرة القرم. بالتزامن مع إعدام البلاشفة لـكولتشاك الذي كان قد أعلن نفسه رئيسًا لروسيا وقائدًا عامًا لقواتها المسلحة، وكان على دينيكين أن يخلفه في القيادة، لكنه آثر مغادرة روسيا إلى بريطانيا، بعد أن سلم القيادة إلى الجنرال فرانغلو.

الجيش الأبيض يصل ضواحي بطرسبورغ

لم تنتهِ المعركة مع إعدام كولتشاك ورحيل دينيكين، إذ كان للروس البيض محاولات أخرى تولاها قادة آخرون، أحدهم الجنرال الروسي نيقولاي يودينيش.
لعب هذا القائد دورًا رئيسيًا في تشكيل قوات معادية للبلاشفة في فنلندا، خلال النصف الأول من عام ١٩١٩، لتشكيل الجبهة الشمالية الغربية في شمال غرب روسيا.
وكان كولتشاك عين يودينيش، في يونيو ١٩١٩، قائدًا للقوات الروسية البرية والبحرية في الجبهة الشمالية الغربية، ولمرتين حاولت قواته الاستيلاء على مدينة بطرسبورغ، ووصلت تلك القوات إلى ضواحي المدينة، وأخفقت محاولاته بسبب خيانة قوات كانت حليفة له.
توالت خسائر الجيش الأبيض مع انسحاب الحلفاء من شمال وجنوب روسيا، في الوقت الذي توالت فيه انتصارات الجيش الأحمر الذي دمرت قواته شرق روسيا عبر مواجهة الجيش الأبيض في مدن تشيتا وياقوت، وتمكن الجيش الأحمر من تقسيم جيوش الدون والمتطوعين، وإرغامهم على الإخلاء في مدن نوفوروسيسك في مارس، وشبه جزيرة القرم في نوفمبر 1920.
ولمدة عامين استمرت مقاومة البيض متفرقة حتى انهيار الجيش الأبيض في ياقوت في يونيو 1923.
ويعزو المؤرخ البريطاني أورلاندو فيجس، سبب هزيمة الجيش الأبيض إلى الصورة النمطية التي تكونت عنه لدى الشعب الروسي، وارتباطه بروسيا القيصرية، وسعيه إلى استعادتها.
مثلت الحرب الأهلية الروسية نواة قيام الاتحاد السوفيتي الذي استمر حتى نهاية القرن العشرين، إذ تم حله وعودة اسم روسيا.

التدخل الخارجي

تسبب التدخل الخارجي في تأجيج النزاع الأهلي في روسيا. التحالف الخارجي الذي كان يضم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، إضافة إلى تدخل دول أخرى منها اليابان وكندا وإيطاليا وألمانيا وأستراليا واليونان وتشيكوسلوفاكيا.
وكان للتدخل الخارجي دور في تأجيج الصراع، وقد برز التدخل الخارجي في شؤون روسيا منذ المرحلة الأولى للحرب خلال الفترة من أكتوبر 1917 وحتى نوفمبر 1918. تقلص التدخل الخارجي خلال المرحلة الثانية للحرب التي استمرت نحو عامين ونصف، دارت خلالها المعارك الرئيسية بين الجيشين الأحمر والأبيض، وانتهت في مارس ١٩٢٠، بفرض الجيش الأحمر سيطرته على معظم أجزاء وأراضي روسيا، ولتبدأ آخر مرحلة للحرب الأهلية لمدة عامين ونصف، انتهت في أكتوبر ١٩٢٢. خلال المرحلة الأخيرة تراجعت حدة الحرب بعيدًا عن المدن الكبرى.

مجاعة وتدمير الاقتصاد وانهيار العملة

كان من نتائج الحرب الروسية تدمير الاقتصاد، إذ دمرت المصانع والمنازل والبنية التحتية كالجسور، وتضررت السكك الحديدية بشكل كبير.
وانتشرت المجاعة والأوبئة، وكانت القمامة تتكدس في المدن. كما تراجعت مساحة الأرض المزروعة إلى ٦٢% عام ١٩٢١ عما كانت عليه قبل الحرب.

في اليمن، تعد الحرب انعكاسًا وامتدادًا لطموح مماثل من جانب أحد أطراف التدخل الخارجي، وهي إيران التي تطمح وعملت فعليًا على تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى بعض دول المنطقة. وينظر إلى جماعة الحوثي الانقلابية باعتبارها جزءًا من محور إيران التي ترى أنها نجحت في تصدير الثورة الخمينية إلى أربع دول في المنطقة حتى الآن.


وانخفض سعر الصرف مع الدولار الأمريكي من روبلين للدولار الواحد عام 1914، إلى 1200 روبل للدولار الواحد في 1920. في اليمن لاتزال مشكلة تدهور قيمة العملة الوطنية قائمة في ظل الحرب الجارية، وتعد أخطر معضلة تواجه اليمن، وتهدد بانهيار الاقتصاد والمعيشة، تتمثل في انخفاض قيمة العملة الوطنية، ووصول سعر الصرف إلى ٩٠٠ ريال للدولار الواحد في مناطق تسيطر عليها الشرعية، وقرابة ٦٠٠ ريال للدولار في مناطق تسيطر عليها جماعة الحوثي الانقلابية، في ظل انقسام نقدي خطير للعملة اليمنية التي صار لها قيمتان لنفس العملة في مناطق الطرفين.

دروس لليمن

ترشدنا تجربة الحرب الأهلية الروسية إلى دروس وعبرة هامة في ما يخص اليمن وتجربته المريرة الراهنة، ذلك أن اليمن الذي يشهد حربًا أهلية يلعب التدخل الخارجي فيها دورًا مؤججًا، غير أن اليمن لا يشكل حالة شاذة من حيث التدخل الخارجي ودوره في تأجيج النزاع، ففي تاريخ الحروب الأهلية في كبريات الدول، ومنها روسيا، شكل التدخل الخارجي فصلًا بارزًا في الحرب، وكان مصدرًا لتأجيج النزاع وزيادة حدته.
على أن الدرس بالغ الأهمية هو الكلفة البشرية الباهظة لبعض الأفكار، مثل فكرة تصدير الثورة، إذ طرح زعيم البلاشفة لينين، عام ١٩١٤، فكرة تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية، وهو ما تحمس له مسؤولو الحكومة البلشفية في روسيا، معتبرين أن الحرب الأهلية هي المنطلق للحريق العالمي الذي سيمهد لانتشار نموذج الثورة الروسية في العالم كله، ودون اعتبار للكلفة البشرية من وراء إشعال الحروب، بخاصة على المدنيين.
هذا التوجه الفكري كان أصيلًا بالنسبة للشيوعيين البلاشفة في روسيا، وقد شكلت لاحقًا فكرة لينين سيناريو الحرب الأهلية وإطارها النظري في سبيل تحقيق طموح فرض النفوذ الشيوعي عالميًا من خلال تصدير الثورة الشيوعية، وهو ما نتج عنه واحدة من أكثر الحروب الأهلية التي اتسمت بالشراسة الشديدة، بخاصة ضد المدنيين، وراح ضحيتها بين ٧ ملايين و١٣ مليون شخص، معظمهم من المدنيين.
في اليمن، تعد الحرب انعكاسًا وامتدادًا لطموح مماثل من جانب أحد أطراف التدخل الخارجي، وهي إيران التي تطمح وعملت فعليًا على تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى بعض دول المنطقة. وينظر إلى جماعة الحوثي الانقلابية باعتبارها جزءًا من محور إيران التي ترى أنها نجحت في تصدير الثورة الخمينية إلى أربع دول في المنطقة حتى الآن، هي اليمن والعراق ولبنان وسوريا، ونقل تقنية صناعة الصواريخ إلى بعض تلك الدول، وهو ما تعتبره بعض دول العالم تهديدًا للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الحيوية.
تتبنى جماعة الحوثي رسميًا شعار “الصرخة”، وهو شعار ثورة الخميني، كما تتبنى رسميًا العديد من المحتوى الفكري والمذهبي الشيعي للثورة الإسلامية في إيران، والتي تنص في أدبياتها على فكرة تصدير الثورة وإشعال الحريق الإقليمي، بل العالمي.
هذا الترابط يمثل أحد مظاهر التدخل الخارجي في الحرب الأهلية اليمنية، إذ تلعب إيران دورًا داعمًا للحوثيين الذين يخسرون فرصًا كبيرة يعرضها المجتمع الدولي ضمن جهوده لإحلال السلام.
وتدعم السعودية الحكومة، وتدعم الإمارات كيانات أخرى، من بينها كيانات جنوبية انفصالية، وأخرى مناهضة لجماعة الحوثيين، ومتصارعة مع الحكومة الشرعية اليمنية في الوقت نفسه.
وحتى الآن، التدخل الخارجي يؤجج النزاع في اليمن، غير أن ثمة شبه إجماع دولي حول الدور الإيراني الذي يوصف بأنه دور سلبي في اليمن.
هناك جهود دولية لإحلال السلام نشطة في مواجهة نزعة إيرانية نحو إشعال حريق إقليمي وإعاقة المسار السياسي، مدفوعًا بنزعة لدى النظام الإيراني لتصدير الثورة الإيرانية.
هذا الطموح للهيمنة على المنطقة دفع إيران إلى تشديد قبضتها ونفوذها في اليمن، وتصعيد الهجمات على مأرب والسعودية، مما عقَّد الوصول إلى تسوية نهائية للأزمة اليمنية، رغم الجهود الدولية المكثفة، خصوصًا منذ مطلع ٢٠٢١، والرامية لوقف شامل لإطلاق النار تمهيدًا لتسوية نهائية على أساس تقاسم السلطة بين أطراف الصراع.

الأمم المتحدة: ربع مليون قتيل ضحايا الحرب في اليمن

ولايزال اليمن ينزف، نتيجة تحويله بشكل أساسي إلى ميدان لتطبيق تجربة خارجية إيرانية تقوم على تصدير الثورة الخمينية، في وقت يستدعي استلهام العبرة من التجربة الروسية، إذ تمكن الشيوعيون البلاشفة من الفوز بالحرب، لكنهم أخفقوا في تصدير ثورتهم أو فرض فكرهم على العالم من خلال العنف وقوة السلاح.
ووصل عدد ضحايا الحرب الأهلية في اليمن والوفيات لأسباب تتعلق بالحرب، إلى قرابة ربع مليون قتيل حتى الآن، معظمهم من المدنيين، بحسب الأمم المتحدة، فيما لاتزال الحرب مستمرة.
بحسب تقرير صادر عن مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، نهاية أبريل ٢٠١٢، فإن 233 ألف شخصٍ توفوا لأسباب تتعلق بالنزاع في اليمن، منهم 131 ألف حالة وفاة نتيجة لأسباب غير مباشرة، مثل نقص الغذاء أو الخدمات الصحية أو غياب البنية التحتية. وهناك أكثر من مليون امرأة وأكثر من مليوني طفل يعانون سوء تغذية حادًا، وبحاجة للعلاج.
تشير الأرقام إلى أن خطر المجاعة يتهدد الشعب اليمني، ومزيدًا من تردي الوضع الإنساني، فهناك -وفق تقرير مكتب غريفيث- أربعة ملايين نزحوا من منازلهم، و١٦ مليون يمني يقدر أنهم يعانون من الجوع، ونحو مليوني طفل خارج المدرسة.
هذه الأرقام تذكِّر بمأساة الحرب، بخاصة على المدنيين، كما حصل خلال الحرب الأهلية الروسية.
ومنذ مطلع عام ٢٠٢١، مع عودة الاهتمام الدولي لإنهاء الحرب في اليمن، بتحفيز أمريكي، يبدو طريق السلام المسار الوحيد الواعد أمام جميع الأطراف، وبخاصة جماعة الحوثي الانقلابية، فيما يبدو الموقف الإيراني متصلبًا تجاه توجيه قرار جماعة الحوثي، مما يتسبب في خسارتها الفرص المتاحة حاليًا عبر المجتمع الدولي، وبروز التأثير الخارجي لإيران في الشأن اليمني، في تأجيج النزاع من خلال الدفع نحو مزيد من التصعيد العسكري عبر الحوثيين في الداخل اليمني، واستهداف السعودية، توجه يلائم ويخدم مصالح إيران أكثر من غيرها.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة