fbpx

المدينة التي لا يذكرها السلام

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعز – محمد علي محروس:

لم يعتد عبدالنور الشميري أن يجد نفسه مقيدًا كلّما همّ بالسفر لرؤية أولاده، فقبل 7 سنوات كان يفعل ذلك متى ما أراد. نصف ساعة من الزمن و500 ريال (دولاران بسعر عام 2015) لأية وسيلة نقل ستوصله إلى قريته.
اليوم على العكس تمامًا، فما كان متاحًا بالأمس بات مُحكمَ الإغلاق، وعندما يريد الشميري لقاء أولاده، فإنه يفكر لأيام قبل اتخاذ قرار السفر الذي بات يحدث مرة واحدة كل 3 أشهر؛ فالنصف ساعة أصبحت 8 ساعات، والـ500 ريال تضاعفت حتى وصلت 11 ألف ريال (12 دولارًا بسعر عام 2021)، ووسائل النقل المتاحة حُصرت في وسيلة واحدة تضطر لتأجيل سفرك أسبوعًا آخر إن لم تحجز مسبقًا، وتأتِ في الموعد المحدد من قبل سائق سيارة الصالون الوحيدة في القرية.
على الحاجز العسكري المفروض من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) بمدخل مديرية جبل حبشي وسط محافظة تعز، في منطقة العيار تحديدًا، يخضع الشميري وغالبية الركّاب لفحص عسكري دقيق يُجبره على خلع ملابسه لمعاينة منطقة الكتفين إضافة للإصبع السبابة، وهذا لمعرفة ما إذا كان يعمل عسكريًا أم لا، وهذا الفحص كفيل بمواصلة سفرك أو توقيفك بشكل تعسفي وتعرضك للمساءلة وربما السجن والإخفاء القسري.

حلقة مفروغة

عبدالنور واحد من مئات الآلاف يعيشون المعاناة ذاتها، للقادمين إلى تعز والخارجين منها، إذ صنع الحصار الذي وصل عامه السادس، حالةً مختلفةً للمدينة التي كانت لا تنام، وأحالها إلى بقعة لا يُحب السفر إليها للقادمين، ولا الخروج منها للعائدين، بفعل الممارسات التعسفية من قبل عشرات الحواجز العسكرية المنتشرة في طرقها الرئيسية والفرعية.

الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاص مارتن غريفيث، لم تعمل بوتيرة ملموسة بخصوص ملف تعز الشائك، واكتفت بتفاهمات ضمن اتفاق ستوكهولم، تقضي بفتح ممرات إنسانية إلى المدينة المحاطة بسياج عسكري مُحكم، ولم يُنفذ منها شيء، بحسب مراقبين.


وتغيب تعز عن التمهيد لأية مفاوضات سلام مرتقبة في البلاد، فيما تحضر قضايا توازيها كمطار صنعاء وميناء الحديدة، اللتين تكرّس جماعة الحوثي جهودها لتصديرهما كقضيتين إنسانيتين محوريتين واشتراطين رئيسين لأية مفاوضات قادمة، وهو ما يعده البعض تضاربًا بين مطالب الجماعة واستماتتها على استمرار حصار تعز.
الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاص مارتن غريفيث، لم تعمل بوتيرة ملموسة بخصوص ملف تعز الشائك، واكتفت بتفاهمات ضمن اتفاق ستوكهولم، تقضي بفتح ممرات إنسانية إلى المدينة المحاطة بسياج عسكري مُحكم، ولم يُنفذ منها شيء، بحسب مراقبين.
المبعوث الأممي تطرق في إحاطته الأخيرة إلى الوضع في تعز، وبشكل عُد بأنه لم يتجاوز إسقاط الواجب لا أكثر، إذ قال: في تعز، هذه المدينة العريقة في قلب اليمن، يرزح المواطنون تحت وطأة الحرب منذ 6 سنوات عجاف، ورأينا العديد من الصحافيين الذين قاموا بتغطية الوضع هناك، القنص على الأطفال هو من الصور التي تراودني غالبًا، وأنا متأكد أنها تراودنا جميعًا، وتسبب لنا الصدمة.
وأضاف جريفيث: لقد عانى هؤلاء الناس من القصف المستمر على منازلهم ومدارسهم، ومن صعوبة في الوصول إلى مدارسهم، ومن الألغام على طريق مدارسهم ودور عبادتهم، والمعوّقات الكبيرة للوصول إلى أماكن عملهم لتأمين حاجات عائلاتهم الأبسط.
وتابع أنه من المخجل ألا يكون الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ستوكهولم حول تعز، قد أتى بنتائج.
إلى ذلك، أعاد ناشطون حقوقيون وإعلاميون حملةً كانوا أطلقوها قبل عامين، لتسليط الضوء على المعاناة التي تعيشها تعز جراء استمرار حالها على ما هو عليه، وتحت هاشتاج “فكوا الحصارعن_تعز” نُشرت رسومات كاريكاتير معبّرة عن الوضع المعيشي في المدينة، مصحوبة ببوستات تحكي آثار الحصار على الحياة العامة برمتها.

إقرأ أيضاً  في زمن الحرب.. عسكريون منسيون

خارج الحسابات

3 جولات من المفاوضات السياسية لم تتوصل الأطراف فيها لحل شامل، وهناك مساعٍ لجولة رابعة لم تتضح ملامحها بعد، وفي كل مرة تخرج تعز من اهتمام كافة القوى، وهو ما يعني بقاءها على الحال ذاته، وبالمعاناة نفسها التي تثير تساؤلات لم تجد من يجيب عليها بعد.
لا شيء يفسر إبقاء تعز خارج الحسابات الحكومية والأممية، سوى مركزية تعز في قلب المشروع الوطني، ودورها الكبير الذي دائمًا ما يعمل على تعديل كفة المشروع الوطني بعيدًا عن كل الحسابات الصغيرة التي يشتغل بها ويعمل لها شخوص الحكومة اليمنية لهذه المرحلة، هذا ما يراه الكاتب والباحث السياسي نبيل البكيري.
ويعتبر البكيري ما يجري لتعز حسابات انتقلت أيضًا للمبعوثين الدوليين الذين يدركون هذه الحقيقة، ويتمالؤون مع المشاريع الصغيرة في الحالة اليمنية على حساب مشروع اليمن الكبير.
إضافة لما سماها الصراعات التعزية الداخلية التي تساعد كل متجاهلي دور تعز ومكانتها ومعاناتها في ظل هذه الأزمة الراهنة، معتبرًا النخبة التعزية للأسف سببًا رئيسيًا في كل ما يجري لتعز من تجاهل، حسب قوله.
ولا حل للمعضلة الراهنة لدى البكيري إلا بتوحيد جهود الداخل التعزي الحزبي والرسمي والمحلي، وكذلك النخب التعزية المشاركة في إدارة الشرعية، وتنسيق هذه الجهود وطرحها بشكل رسمي وواضح على كل الأطراف، وفي المقدمة منها الأطراف الدولية.

كلمة فصل

وشمل الحصار كافة نواحي الحياة في مدينة تعز، فالمنفذ الوحيد الذي يربط المدينة بمحيطها ويصلها بعدن، هو الآخر يعاني من إهمال شديد بفعل التغيرات التي حدثت له دون أية معالجاتٍ تُذكر من السلطات المحلية.
ولم يستثنِ الحصار وما ترتب عليه المرأة من آثاره، إذ تشاركت الهم إلى جانب الرجل، وواجهت الكثير من التعسفات والتوقيف القسري على الحواجز لأسباب غير مفهومة.
انعكاس ذلك على الحضور النسوي كارثي، وأدى إلى تلاشي الأدوار النسوية بشكل واضح، كما ترى الصحفية والناشطة النسوية وداد البدوي.
وهذا فعل ليس مرتبطًا بالحصار وحسب، بل بما تقوم به السلطات المحلية في تعز، وهذا غير مقبول بالنسبة للبدوي التي تدعو لتحشيد الجهود من أجل إعادة الاعتبار للمرأة، ووضع حسبان لما قدمته وبذلته خلال الحرب والحصار، وعدم إقصائها وتقييدها بما يتماشى مع ما وصفتها بالتوجهات المفروضة.
وترى أنه لا بد من وجود كلمة فصل ومناصرة حقيقية من أبناء تعز لإبراز معاناة محافظتهم وما تسبب به الحصار، لا أن يكونوا مناصرين وفاعلين في كثير من القضايا، وما يحدث لمدينتهم أولى بمناصرتهم وجهودهم الفاعلة للفت الأنظار إلى ما يجري لتعز منذ 7 سنوات.
ويُنظر لحصار تعز على أنه أسوأ حدث لمدينة يمنية على مر التاريخ المعاصر للبلاد، إذ طال كافة نواحي الحياة، وتسبب في مشاهد قاسية لن ينساها السكان على مدى عقود قادمة، لكنهم يأملون في أن يُوضع حدٌّ لهذه المرحلة التي طال أمدها دون حلول تُذكر أو حتى محاولات تبعث الأمل لمئات آلاف المتشبثين بالحياة فيها.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة