fbpx

التخلص من أمراء الحرب ورفض الملكية.. دروس من الحرب الأهلية الصينية لليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعز – عبدالعالم بجاش:

تخلصت الصين من نظام الحكم الملكي عام ١٩١٢، ونشأت جمهورية الصين، قبل نصف قرن من الزمن على اندلاع ثورة الـ26 من سبتمبر ١٩٦٢، في اليمن، التي أطاحت بنظام الحكم الإمامي لأسرة بيت حميد الدين، وتأسست على أنقاضها الجمهورية العربية اليمنية.
لم تستقر أوضاع جمهورية الصين لعقود من الزمن، إذ واجهت الجمهورية صراعات، وتمزقت البلاد؛ تارة بين أمراء الحروب، وتارة في مواجهة الاستعمار الياباني، وانزلاقًا إلى حرب أهلية بين القوميين والشيوعيين، وكلهم جمهوريون، حتى استقرت الأوضاع قليلًا بتوقف الأعمال القتالية عام ١٩٥٠، وقيام جمهورية الصين الشعبية ذات التوجه الشيوعي، على البر الصيني، وجمهورية الصين ذات التوجه القومي على جزيرة تايوان.
وفي مسار مشابه، واجهت الجمهورية في شمال اليمن، تحديات متعددة وصولًا إلى تحقيق الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، واندماجهما في جمهورية واحدة، وما تلى ذلك من مجريات وحرب أهلية أولى عام ١٩٩٤ بين الشمال والجنوب، وفشل قادة الجنوب في الانفصال.
وإذ مرت العاصفة الأولى، جاءت أحداث الثورة الشعبية السلمية عام ٢٠١١، للإطاحة بنظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ليتحالف هذا الأخير مع جماعة الحوثيين للاستيلاء مجددًا على البلاد عبر انقلاب مسلح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤، أدى مطلع عام ٢٠١٥ إلى اندلاع حرب أهلية بين حكومة الجمهورية اليمنية المعترف بها دوليًا، وجماعة الحوثي الانقلابية.. ثم أخذت الحرب مسارها بشكل يشبه في بعض ملامحه بعض مسارات الحرب الأهلية الصينية التي اندلعت على مرحلتين منذ عام ١٩٢٧ وحتى عام ١٩٥٠.

لمحة جغرافية.. الأرض والناس

على مساحة 9 ملايين و600 ألف كيلومتر مربع، تمتد جمهورية الصين الشعبية؛ ثالث أكبر بلد في العالم من حيث المساحة. وهي تمثل ربع مساحة قارة آسيا، ولديها 3 ملايين كيلومتر مربع من المياه الإقليمية الخاضعة لسيادتها وفق اتفاق قانون البحار التابع للأمم المتحدة.
تقع جمهورية الصين الشعبية شرق قارة آسيا، تحدها من الشمال جمهورية منغوليا، ومن الشمال الشرقي تشترك في الحدود مع كل من كوريا الشمالية وروسيا. ويحدها من الجنوب نيبال والهند وميانمار ولاوس وبوتان وفيتنام. كما تحدها من جهة الجنوب الغربي باكستان، وتحدها من الغرب أفغانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان.


الامتداد الجغرافي برًا وبحرًا للصين، وكثافة سكانها، وحضارتها الضاربة الجذور في التاريخ، تجعل من الصعوبة بمكان توقع سقوطها بسهولة، واستعمارها من قبل دول أصغر حجمًا ومساحة، خلال فترات متفاوتة في التاريخ، ومن ذلك احتلالها من قبل اليابان، وخوضها حربين ضد الاستعمار الياباني.


ولدى الصين 6 آلاف جزيرة على طول السواحل الصينية، بمساحة تقدر بألف كيلومتر مربع، كبراها جزيرة تايوان التي تبلغ مساحتها أكثر من 35 ألف كيلومتر مربع.
وبحسب تعداد عام ٢٠١٢، تجاوز عدد سكان جمهورية الصين الشعبية مليارًا وثلث المليار نسمة، عاصمتها بكين، ولغتها الرسميّة اللغة المندرينية، وفيها ٥٦ عرقية متعددة، وتُحكم الصين بنظام الحزب الواحد.

انهيار الملكية وتشظي الصين في عهد أمراء الحرب

انهار نظام الحكم الملكي في الصين عام ١٩١١، وتنحت آخر الأسر الحاكمة، وهي أسرة تشينج، رسميًا، وتنازلت عن الحكم عام ١٩١٢، لتدخل البلاد في حالة من الفراغ والفوضى، سيطر فيها مجموعة من أمراء الحرب المتناحرين منذ عام ١٩١٦، بعد فترة من تولي صن يات ص الرئاسة كأول رئيس ومؤسس للجمهورية.
لا يختلف القوميون والشيوعيون في الصين الشعبية وفي تايوان، حول رمزية مؤسس الجمهورية صن يات صن، مؤسس حزب الكومينتانج.
عام ١٩١٢، أعلن صن قيام الجمهورية في الصين، وكان أول رئيس مؤقت للبلاد. وهو “قائد سياسي وفيلسوف ومنظر ثوري صيني”. قام صن بتشكيل حكومة مؤقتة في الصين عام ١٩١٢، بعد الإطاحة بأسرة تشينج التي حكمت الصين من عام 1644 حتى عام 1911.
وحتى اليوم يعد صن رمزًا لدى جمهورية الصين الشعبية (الشيوعية)، وجمهورية الصين في تايوان (القومية). ويوصف في جمهورية الصين الشعبية باعتباره مؤسس الصين الحديثة ورائد الثورة الديمقراطية.. وفي جمهورية الصين بتايوان يطلق عليه أبو الأمة ومؤسس الجمهورية.
لعب صن دورًا محوريًا في الإطاحة بأسرة تشينج، وشغل منصب الرئيس المؤقت لجمهورية الصين عند إنشائها، إذ جرى تشكيل الحكومة المؤقتة لجمهورية الصين في نانكينج في 12 مارس 1912، وأصبح صن يات صن أول رئيس لجمهورية الصين، لكنه سلم السلطة إلى يوان شيكاي الذي قاد الجيش الجديد، وشرع في إلغاء المجالس الوطنية والإقليمية، وأعلن نفسه إمبراطورًا لإمبراطورية الصين في أواخر عام 1915، لكن طموحاته بإعادة الحكم الملكي تلاشت عام ١٩١٦، إذ “عارض تابعوه بشدة طموحات يوان الإمبراطورية، وفي مواجهة احتمال التمرد، تنازل عن العرش في مارس 191٦، وتوفي لأسباب طبيعية في يونيو”.
عقب ذلك، انزلقت الصين نحو عهد أمراء الحرب، إذ “تركت وفاة يوان عام 1916، فراغًا في السلطة، وكانت الحكومة الجمهورية ممزقة بالكامل، مما فتح الطريق لعصر أمراء الحرب”.
عاشت الصين لفترة ممزقة في ما عرف بعهد أمراء الحرب، وكانوا مجموعة من القادة العسكريين والزعامات المحلية المستقلة من الأقوياء، وكان لكل منهم جيشه الخاص ومنطقة نفوذ، جعلت البلاد في حالة تشظٍّ.
كما هو المشهد في اليمن حاليًا في الحرب المحتدمة للعام السابع منذ عام ٢٠١٤، إذ تشظت البلاد بين مجموعات وأطراف مسلحة هم أقرب إلى أمراء الحرب، وتراجع وضعف للحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا في العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحررة في الجنوب والشرق والغرب، باستثناء تأديتها بعض وظائف الحكومات كدفع رواتب موظفي الدولة في المحافظات المحررة، وحكومة شكلها الانقلابيون الحوثيون غير معترف بها تسيطر على العاصمة صنعاء ومعظم أجزاء شمال اليمن، دون القيام بكثير من وظائف الحكومات، ومنها -على سبيل المثال- دفع رواتب الموظفين الحكوميين.. المجريات الراهنة تشير إلى أن اليمن يعيش حاليًا عهد أمراء الحرب والتشظي الذي عاشته الصين من قبل في فترة الفراغ الدستوري عقب سقوط الملكية عام ١٩١٢، وقبل استعانة حزب الكومينتانج بدول خارجية للقضاء على نفوذ أمراء الحرب وإقامة حكومة مركزية جمهورية.
كان للقوميين في الصين، ممثلين بحزب الكومينتانج، الدور الأبرز في إسقاط الملكية، وقيام جمهورية الصين، غير أن حكم أمراء الحرب استمر لسنوات، وكانوا قد سيطروا على معظم أجزاء الصين الشمالية، وحال نفوذهم دون استطاعة حكومة الصين حكم البلاد وفرض سلطتها على كامل أراضيها.
حاول صن يات صن، زعيم حزب الكومينتانج، وأول رئيس جمهورية للصين عقب انهيار الملكية، طلب معونة الدول الغربية لفرض سلطة الحكومة الصينية، لكنها تجاهلت مساعيه، غير أن الاتحاد السوفيتي وجد مصلحة في دعم حزب الكومينتانج، ودعم خصومهم، وهم الحزب الشيوعي الصيني، في الوقت نفسه.


كان زعيم حزب الكومينتانج صن يات صن، بدأ عام ١٩٢١، في الاعتماد على الاتحاد السوفيتي، بهدف توحيد الصين تحت سلطة حكومة قوية، سبق ذلك بسنوات دور سوفيتي لتوحيد الحزب الشيوعي الصيني ضمن حزب الكومينتانج، بهدف إقامة حكومة ائتلاف موحدة.
وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني كان حزبًا ناشئًا حتى ذلك الوقت، وتعداد أفراده لا يتعدى المئات، إلا أن بذور الصراع على السلطة ظهرت من وقت مبكر.
في ١٩٢٣ أرسل الاتحاد السوفيتي مبعوثًا له إلى الصين بهدف المساعدة من أجل “إعادة تنظيم وتقوية حزب الكومينتانج على غرار الحزب الشيوعي السوفيتي”.
وصدر بيان مشترك للمندوب السوفيتي وزعيم حزب الكومينتانج، تعهد فيه الاتحاد السوفيتي بالمساعدة لتوحيد الصين. تضمن البيان اتفاق تعاون ثلاثي بين السوفيت وحزب الكومينتانج والحزب الشيوعي الصيني، وتشكيل جبهة متحدة لتوحيد الصين، ينضم الحزب الشيوعي الصيني ضمن حزب الكومينتانج بشكل فردي.
كان مسموحًا لأعضاء الحزب الشيوعي الصيني الالتحاق بالكومينتانج بشكل فردي، حسب اتفاق فرضه السوفيت، الذين ساعدوا وعلى نحو سريع الكومينتانج في تأسيس أكاديمية عسكرية وتشكيل جيش الحزب لتوطيد سلطة الحكومة القومية والقضاء على أمراء الحرب.

تكوين جيش الكومينتانج بهدف القضاء على أمراء الحرب

تأسست أكاديمية هوامبوا العسكرية عام ١٩٢٤، تابعة لحزب الكومينتانج، برئاسة تشيانك كاي-شك، أحد أهم معاوني زعيم الحزب صن وخليفته في رئاسة الكومينتانج، وأبرز الزعماء الرئيسيين في الحرب الأهلية لاحقًا.
كان صن ابتعث تشيانك إلى موسكو في ١٩٢٣، للدراسة العسكرية والسياسية لعدة أشهر، بهدف تكوين جيش الحزب، بدءًا بتأسيس أكاديمية هوامبوا العسكرية، والتي أمدها السوفيت “بالمواد التعليمية والتنظيم والمعدات والذخائر والعديد من التقنيات للتعبئة الشاملة”.
لم تكن الأكاديمية العسكرية حكرًا على أعضاء حزب الكومينتانج فقط، فقد شارك فيها أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، وبعضهم صاروا معلمين في الأكاديمية العسكرية التي كانت نواة تشكيل جيش الكومينتانج، وإلى ذلك الوقت كان القوميون والشيوعيون كتلة سياسية ضمن الكومينتانج، لها أهداف مشتركة.
كان صن يات سن “يطمح إلى هزيمة أمراء الحرب عسكريًا”. وفقًا للتقديرات، بلغ عدد أعضاء حزب الكومينتانج عام ١٩٢٣، ٥٠ ألف عضو، كأكبر حزب سياسي، في المقابل كان الحزب الشيوعي الصيني في طور النشأة، وبعدد ١٥٠٠ عضو فقط، عام ١٩٢٥.. وكان ذلك قبل عامين على اندلاع الحرب الأهلية بين الحزبين بعد انشقاق الكومينتانج غثر وفاة زعيمه ومؤسسه صن.
بحلول عام ١٩٢٧، انشق الشيوعيون عن الكومينتانج، واندلعت الحرب بين الحزبين القومي والشيوعي.
تحول الصراع جذريًا إلى حرب أهلية، بعد أن تمكنت الصين من تجاوز عهد أمراء الحرب.
في مرحلة قادمة يتطلب في اليمن استلهام هذه الجزئية من تاريخ الحرب الأهلية الصينية، وتكوين قوات عسكرية خاصة لمكافحة شبكة معقدة من المصالح أفرزتها الحرب، تابعة لأمراء الحرب، وممن تكون لهم نفوذ خارج القانون في مختلف المناطق، وهي شبكة ترسخت خلال سنوات الحرب، ومن شأنها عرقلة تعافي اليمن من آثار الحرب في مرحلة ما بعد الحرب، كما ستعوق قيام حكومة قوية، مما يقتضي ضرورة معالجة ملف ما يمكن وصفه بأمراء الحرب وأصحاب المصالح والنفوذ الجدد.

التجريدة الشمالية

تمكن حزب الكومينتانج “الحزب القومي الصيني”، من القضاء على أمراء الحرب الإقليميين وإسقاط حكومة بييانغ الديكتاتورية، من خلال ما عُرف بالتجريدة الشمالية، وهي حملة عسكرية للجيش الثوري الوطني التابع لحزب الكومينتانج قادها القائد العام للجيش شيانج كاي تشيك، من عام 1926 وحتى عام ١٩٢٨.
كان الهدف الرئيسي للحملة توحيد الصين تحت سيطرة الكومينتانج، وكانت الصين قد تجزأت في أعقاب ثورة شينهاي عام 1911، التي أطاحت بالحكم الملكي.
وقد تكللت الحملة الشمالية بالنجاح وإنهاء فترة أمراء الحرب، وإعادة توحيد الصين في 1928 تحت سلطة حزب الكومينتانج، وتأسيس حكومة نانجينغ بقيادة شيانج كاي تشيك، التي مثلت الجناح اليميني داخل حزب الكومينتانج.
في أغسطس ١٩٢٧، حاول شيانج كاي تشيك إصلاح الانشقاق داخل حزب الكومينتانج، والذي كان أحد مسببيه عندما عمل على تحجيم الشيوعيين، وشن حملة تطهير داخل الكومينتانج من الشيوعيين، وذلك باستقالته من منصبه في قيادة الجيش الثوري الوطني في أغسطس 1927، ومغادرة الصين إلى اليابان.
عاد تشيك عام ١٩٢٨ من منفاه في اليابان، وتولى القيادة مجددًا.
لاتزال اليمن التي تعيش حربًا أهلية، في مرحلة شبيهة بفترة أمراء الحرب، مما يعرقل قدرة الحكومة الشرعية على الاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن، وضبط الأوضاع في المحافظات والمناطق المحررة، والعجز عن دمج الفصائل المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وهو ما نص عليه اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي ينادي بانفصال الجنوب.
وفي منتصف يوليو ٢٠٢١م، قال رئيس وزراء الحكومة الشرعية معين عبدالملك، إن الوقت حان للقضاء على المساحات التي تشكلت خارج الدولة، في إشارة إلى المكونات والفصائل المسلحة المناهضة لجماعة الحوثي الانقلابية، لكنها تنازع الحكومة الشرعية صلاحياتها، بخاصة في العاصمة المؤقتة عدن وبعض المدن، وتمنع فرض سلطة الحكومة على كامل الأراضي المحررة، بل قامت بطرد الحكومة الشرعية من عدن أكثر من مرة.
إن ظروف الصراع الراهن في اليمن، وثيق الصلة بتباينات صراع المصالح والنفوذ الإقليمي، سواء بين دول الخليج وإيران، أو الصراع الداخلي بين دول الخليج وبعضها، والذي ينعكس سلبًا على مجمل الأوضاع في اليمن، خصوصًا الصراع بين السعودية والإمارات اللتين يربطهما تحالف شكلي في إطار تحالف عربي لدعم الشرعية في اليمن، غير أن صراعهما ثبت خلال السنوات المنصرمة، وفي ظل زيادة نفوذ الإمارات، بخاصة في معظم المدن والمناطق الساحلية على امتداد الشريط الساحلي لليمن من الشرق والجنوب على البحر الأحمر وخليج عدن وإلى الغرب على البحر الأحمر.
وحتى يومنا، الحكومة الشرعية اليمنية هشة وتفتقر للمقدرة على إدارة كثير من الملفات، بخاصة منها السياسية والأمنية والعسكرية، وذلك لجملة من الأسباب، أبرزها دور الإمارات المعرقل لبسط سلطة الحكومة، والمعيق لإعادة تفعيل المؤسسات الإيرادية وتصدير النفط والغاز.
ومما يعوق دور الحكومة الشرعية تعدد المجموعات المسلحة المحلية، وبالذات الجنوبية التي كان للإمارات الدور الأبرز في تشكيلها وتمويلها، ولاتزال أبوظبي مركز اتخاذ القرار بالنسبة لهذه الكيانات اليمنية المسلحة، مما فاقم أزمة شبيهة بوضع الصين خلال عهد زعماء الحرب الذين أعاقوا توحيد الصين تحت سلطة حكومة قوية.
ويبدو أن الظروف غير مواتية بعد للتخلص من نفوذ الجماعات المسلحة في اليمن، التي تشكلت خارج إطار الدولة، كما أن جماعة الحوثي الانقلابية نفسها جزء من المشكلة، إذ تثبت المجريات خلال السنوات القليلة الماضية فشل جهود السلام الدولية بسبب قوة النفوذ الإيراني على هذه الجماعة، التي تعد هي الأخرى جماعة مسلحة فاقدة الشرعية، تسيطر بقوة السلاح على أجزاء واسعة وشريحة سكانية كبيرة، وتمارس إجراءات تقوض ما تبقى من أسس الدولة هناك، بحسب تقارير حقوقية دولية ومحلية.

إقرأ أيضاً  البحسني: سنوات من الوعود لحل مشكلة الكهرباء

اندلاع الحرب الصينية

اندلعت الحرب الأهلية الصينية على خلفية الحرب الباردة بين القوميين الصينيين المدعومين من عدة دول غربية، وكانوا يتولون السلطة، وبين الحزب الشيوعي الصيني المدعوم من الاتحاد السوفيتي، وذلك على الرغم من الدور السوفيتي السابق الذي قدم معونة بارزة لحزب الكومينتانج وللشيوعيين أيضًا، وساعد في تكوين قوات الحزبين.
غير أن الاتحاد السوفيتي تحول بوضوح بعد وفاة زعيم حزب الكومينتانج صن، عام ١٩٢٥، إلى مؤازرة الحزب الشيوعي الصيني، وأمده بالسلاح والرجال، وفقًا للمصادر التاريخية، وذلك ضد الزعيم الجديد لحزب الكومينتانج تشيانك.

مجريات الحرب

كانت المناوشات الأولى للحرب الأهلية الصينية بين القوميين والشيوعيين، بدأت منذ عام ١٩٢٧.
اندلعت الحرب الأهلية الصينية على مرحلتين خلال الفترة الممتدة من عام ١٩٢٧ وحتى العام ١٩٥٠، وراح ضحيتها قرابة ٨ ملايين شخص من المدنيين والعسكريين.
توقفت الحرب الأهلية بضع سنوات منذ عام ١٩٣٦، مع الغزو الياباني للصين، الذي تزامن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، واستمر حتى نهايتها، إذ اتحد الطرفان المتحاربان الحكومة القومية في الصين “حزب الكومينتانج” والحزب الشيوعي الصيني، على مضض، في مواجهة الغزو الياباني.
استؤنفت الحرب الأهلية الصينية بين الجانبين عام ١٩٤٦، عقب الإعلان عن انتهاء الغزو الياباني، بالتزامن مع انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تعود بدايات الحرب الأهلية إلى توجهات حزب الكومينتانج باتجاه تحجيم الحزب الشيوعي الصيني، ومحاولة التخلص منه، وقد شن الكومينتانج حملة ضد الشيوعيين، وقام بقتل عدد من قادة الحزب الشيوعي الصيني، واعتقال آخرين، في ما سميت مذبحة شنغهاي.
وكرد فعل، أعلن الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونج، الانتفاضة ضد حزب الكومينتانج والحكومة القومية، في ما تسمى انتفاضة حصاد الخريف. غير أن الانتفاضة فشلت، واندلعت انتفاضات أخرى للشيوعيين وجيش الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونج، جوبهت بقوة وعنف من قبل جيش حكومة الكومينتانج التي سعت للقضاء على جيش الحزب الشيوعي “الجيش الأحمر”.
استمرت الأعمال القتالية بين الطرفين خلال المرحلة الأولى 10 سنوات، بدءًا من عام ١٩٢٧ وحتى العام ١٩٣٦، وكان يغلب على أسلوب جيش الحزب الشيوعي الصيني، استخدام حرب العصابات ضد جيش الحزب القومي الصيني “الكومينتانج”.
قبلها بعامين، كان الجيش التابع للحزب الشيوعي الصيني ينسحب من أمام جيش الكومينتانج، ويجوب أنحاء شاسعة من جنوب الصين إلى شمالها في مسيرات طويلة، وهي الفترة التي تقلد فيها ماو تسي تونج زعامة الحزب الشيوعي الصيني وقيادة الجيش الأحمر التابع للحزب.

عام المسيرة الطويلة

بدأ ٨٠ ألفًا من جيش الحزب الشيوعي الصيني ما عرف بالمسيرة الطويلة، عام 1934، إذ اضطر الجيش إلى الانسحاب من أمام جيش حزب الكومينتانج. ولأكثر من 7000 ميل سافر جيش الحزب الشيوعي في سلسلة من المسيرات الطويلة، بدأت منذ أكتوبر 1934، انطلاقًا من مقاطعة جيانغشي جنوب الصين، واستمرت حتى أكتوبر 1935، وصولًا إلى مقاطعة شنشي في شمال الصين.
8000 جندي فقط واصلوا هذه المسيرات حتى نهايتها.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية والغزو الياباني للصين عام ١٩٣٦، أوقف الطرفان عمليات الاقتتال بينهما، واتحدا بهدف توحيد جهود الحرب ضد اليابانيين الغزاة.. عاود الحزبان القومي والشيوعي حربهما عام ١٩٤٥، بعد هزيمة الجيش اليابانيين وخروجه من الصين، مخلفًا الكثير من عتاده، وهو العتاد الذي استولت عليه القوات السوفيتية، وقدمته للجيش الشيوعي الصيني.


ومن خلال الدعم العسكري السوفيتي للجيش الأحمر “جيش الحزب الشيوعي الصيني”، تمكن الأخير من أخذ زمام المبادرة القتالية خلال المرحلة الثانية من الحرب الأهلية الصينية التي استأنفت معاركها منذ ١٩٤٦، ليتمكن الجيش الأحمر من حسمها خلال سنوات فقط.

الجيش الأحمر يحسم الحرب الأهلية لصالحه

خلال المرحلة الثانية من الحرب، تمركز جيش الحكومة القومية الصينية “جيش الكومينتانج” بقيادة شيانج كاي تشيك، في المدن الرئيسية، معتمدًا بدرجة رئيسية على الدعم المقدم من الولايات المتحدة الأمريكية.
شن الجيش الأحمر التابع للحزب الشيوعي، هجومًا من شمال الصين ضد الكومينتانج، بدعم من القوات السوفيتية التي كانت تسيطر هناك، وسمحت للشيوعيين بالحصول على الأسلحة التي تركها اليابانيون.

فشل جهود السلام وانتهاء الحرب بحسم عسكري

مع عودة المعارك خلال المرحلة الثانية من الحرب الأهلية الصينية، شهدت تلك المرحلة محاولات أمريكية لوقف الحرب وجمع الطرفين من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينتهي بتوزيع السلطة وتقسيم البلاد، غير أن جهود السلام أخفقت.
لم يطل أمد الحرب في مرحلتها الثانية، إذ تمكنت قوات الجيش الأحمر الشيوعية من الحسم العسكري، بالتزامن مع ارتفاع شعبية الحزب الشيوعي، وانهيار شعبية الحزب القومي “الكومينتانج”.
تساقطت المدن بقبضة الجيش الأحمر وصولًا إلى بكين التي سيطر عليها في أكتوبر 1949، معلنًا النصر، وليعلن زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونج، في خطاب تاريخي، قيام جمهورية الصين الشعبية.
انحسر تواجد حزب الكومينتانج القومي وجيشه إلى جزيرة تايوان التي فروا إليها، وأعلنوا قيام جمهورية الصين، وشكلوا حكومتهم هناك، وهو وضع قائم حتى اليوم، إذ يفرض الشيوعيون سلطتهم على البر الصيني، ويفرض القوميون سلطتهم في تايوان، وهو ما جعل الحرب الأهلية الصينية غير منتهية بشكل رسمي، وفقًا لأقوال الخبراء والكتابات حول هذه الحرب غير المنتهية.
وإلى يومنا، “الحكومة الصينية الشيوعية وحكومة تايوان القومية، كل منهما تقول إنها الحكومة الشرعية للصين”.
ورغم انتهاء الحرب عام ١٩٥٠م بقيام جمهورية الصين الشعبية على البر الرئيسي وجمهورية الصين على جزيرة تايوان، لايزال الوضع يشهد توترًا من وقت لآخر بين الحكومتين.

المدنيون أكبر ضحايا الحرب

وفقًا للمصادر التاريخية، كان المدنيون أكبر ضحايا الحرب الأهلية الصينية التي تخللتها سنوات الغزو الياباني واتحاد القوميين والشيوعيين ضد الغزاة.
معظم ضحايا الحرب البالغ عددهم ٨ ملايين قتيل، كانوا من المدنيين، ويرجع ذلك لعدة عوامل، منها أسلوب حرب العصابات التي خاضها الحزب الشيوعي، مما قلل الخسائر العسكرية نسبيًا، بخاصة في بداية الحرب وخلال مرحلتها الأولى.
ومما ضاعف الخسائر في صفوف المدنيين، أن كل طرف من الطرفين “كان ينتقم من المدن والبلدات والقرى التي يعتقد أنها متعاطفة مع الطرف الآخر، ما أسفر عن قتل مزيد من المدنيين”.
تمخضت الحرب عن ملايين النازحين، مات كثير منهم بسبب المجاعة والأوبئة، وهو وضع يتكرر حاليًا في اليمن بسبب الحرب.

الانهيار الاقتصادي خلال الحرب

عانت الصين من انهيار اقتصادي نتيجة الحرب، وغلاء أسعار خرج عن السيطرة، وهو وضع يشهده اليمن حاليًا في العام السابع للحرب الأهلية.
خلال المرحلة الثانية للحرب الأهلية الصينية بعد عام 1945، عاشت الصين انهيارًا اقتصاديًا، فقدت فيه الحكومة القدرة على ضبط الأسعار، كما عجزت عن تنفيذ الإصلاحات المالية، وعانت البلاد نتيجة التضخم الفائق وانهيار العملة، إذ انخفضت قيمة اليوان الذهبي بشكل حاد في أواخر عام 1948.
أدى انهيار قيمة العملة الوطنية إلى خسارة حكومة جمهورية الصين شعبيتها لدى الطبقة الوسطى في المدن، وعلى العكس كانت شعبية الحزب الشيوعي الصيني تتزايد، بخاصة في الريف، وكان لدى الحزب طريقته في زيادة شعبيته من خلال برامج الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي.
قبل ذلك بسنوات، كانت علامات الانهيار داخل الكومينتانج تتزايد.
وكانت معنويات حكومة وجيش الكومينتانج القومية مرت بحالة انهيار منذ عام ١٩٤٣، وتراجع كبير في شعبية القوميين.
في اليمن، وخلال يوليو ٢٠٢١، وصل انهيار العملة إلى نقطة خطرة، إذ تجاوز سعر صرف الدولار الواحد 1000 ريال يمني في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وهو ما أثار سخطًا واسعًا في أوساط المواطنين، برز ذلك بشكل ملحوظ عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في الشهر نفسه، قال برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، إن أسعار المواد الغذائية في عموم البلاد، زادت بصورة غير مسبوقة.
من المهم لليمن وحكومته الشرعية المعترف بها دوليًا، استلهام العبرة من تجربة الحرب الأهلية الصينية، إذ إن المجريات السياسية والعسكرية والاقتصادية في اليمن، بخاصة خلال العامين الأخيرين، توحي كما لو أن الشرعية تمضي في مسار مشابه لمسار الكومينتانج في الصين، وسواء كان ذلك مخططًا له أو بفعل أخطاء قيادة الشرعية، فإن مستقبل البلاد ومصير شعبها المنشود الوصول إلى سلام يقوم على أساس راسخ كي يدوم طويلًا، وهو الأساس الذي تمثله المرجعيات الثلاث: المبادرة الخليجية، ومخرجات المؤتمر الوطني، والقرارات الدولية، وأبرزها القرار ٢٢١٦، يضاف إلى ذلك اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والمبادرة السعودية لإنهاء الحرب في اليمن وتكوين حكومة ائتلافية تضم كل الأطراف بما فيها جماعة الحوثي التي أعلنت رفضها للمبادرة السعودية، رغم التأييد الدولي الواسع لها، بما في ذلك الأمم المتحدة.

دروس وعبر من تجربة الحرب الأهلية الصينية

كانت الحرب الأهلية الصينية من أكثر الحروب الدموية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفق بعض التصنيفات، وامتدادًا للحرب بين المعسكرين الشرقي والغربي أو بين الرأسمالية والشيوعية، غير أنها كانت أقل تعقيدًا من الحرب الأهلية الجارية حاليًا في اليمن.
ذلك أن الحرب في الصين اندلعت بين طرفين جمهوريين لم يكن جذر الخلاف بينهما حول الجمهورية، بل إن الحزبين عقدا هدنة لسنوات، واتحدا خلالها لطرد الغزو الياباني.
مكان العقدة في النزاع اليمني جذر الصراع بين اتجاه جمهوري ممثلًا بالحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، وبين جماعة الحوثي “الانقلابية” بتوجهاتها الساعية لإعادة نظام الإمامة مع إضفاء بعض التغييرات على غرار نظام الحكم الثيوقراطي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يعد المرشد هو صاحب القرار والسلطة الفعلية رغم وجود أحزاب هناك وانتخابات رئاسية وبرلمانية.
بالإضافة إلى معضلة أخرى تتمثل في وجود تيار المنادين بانفصال الجنوب، ويمثلهم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو شريك في الحكومة الشرعية بـ5 حقائب وزارية، ويسيطر ميدانيًا على جزء من الأراضي المحررة، منها عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لكنه في نزاع دائم مع الحكومة الشرعية، وصولًا إلى الاقتتال، كما قام بتنفيذ تمرد مسلح وطرد الحكومة الشرعية مرتين من عدن حيث يفرض سلطة أمر واقع هناك.
إن أهم ما يمكن استلهامه من تجربة الحرب الأهلية الصينية، هو الوضع الراهن، إذ تتواجد جمهوريتان صينيتان في نزاع مفتوح دون قتال، لكنها حرب غير منتهية رسميًا وبالمعنى القانوني منذ ٧١ عامًا.
إن إطالة أمد الحرب الأهلية في اليمن دون الوصول إلى تسوية سياسية، تهدد بتمزق البلاد، وتجعلها عرضة للانهيارات، وفي حالة خطر دائم.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة