fbpx

“جنِّب” معاناة اليمنيين في نقاط التفتيش بين رايتين ونقطتين

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعز – سامية الأغبري :

ونحن نتجول في المدينة شعرنا بغصة حين رأينا علم دولة الإمارات يرفرف عاليًا على سارية بالقرب من الشاطئ، في حين لم نجد لعلم الجمهورية أي أثر. ربما لو لم تتعامل الإمارات مع اليمنيين كدولة احتلال، لما بغضناها وكل ما يرمز لها كل هذا البغض.
بعد عامين من الزيارة السابقة، هـأنذا مجددًا أجلس على مقعدي جوار النافذة في الطائرة المتجهة بنا إلى البلد الممزق: بلدي. أنظر من النافذة إلى الأرض تبتعد رويدًا رويدًا. نحن نحلق في السماء بين السحب، بقيت طوال الرحلة شاردة الذهن أفكر: صحيح أخبار البلد تصلنا أولًا بأول، لكن ما الذي يكون قد تغير خلال العامين المنصرمين!
تزامنت أحداث أغسطس الدامية والمؤسفة في 2019، مع وجودي في عدن، حين اندلعت اشتباكات بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًا وبين قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا (ساندت الإمارات هذا التمرد، وشنت غارات جوية على جنود الحكومة، راح ضحيتها عشرات الجنود)، واستطاع الانتقالي السيطرة على عدن.
كان التوتر سيد الموقف، أغلقت كثير من المحال التجارية والمطاعم، وأغلق مطار عدن، وبقيت أنا عالقة في أحد فنادق المدينة.

والآن أعود.. وصلنا

رحلة مريحة هذه المرة لم تتأخر طائرة “اليمنية”استنشقت هواء بلدي، شممت رائحة البحر؛ لا يوجد أي شيء غير اعتيادي.
اليوم التالي انطلقنا باكرًا إلى “المكلا” عاصمة حضرموت، تناولنا الفطور في السيارة؛ وجبتي المفضلة (خبز مع فاصوليا وشاي بالحليب).

في الطريق مررنا بعشرات نقاط التفتيش العسكرية، التي زادتنا مع طول الطريق والطقس الحار تعبًا وإرهاقًا، واحدة يتشدد جنودها في معرفة هوياتنا ومن أين أتينا، وأخرى متساهلة تسأل فقط عن وجهتنا.
“جنِّب” الكلمة المرعبة والأكثر تداولًا في النقاط، بعد سؤال من أين أتيتم؟
هل شعر رفاق الرحلة بالشعور الذي اجتاحني لحظتها (أننا غرباء في وطننا، وضيوف غير مرحب بهم حتى)؟
في بعض النقاط كانت بطاقة جهة عمل أحد الزملاء الصحفيين بالنسبة لنا طوق نجاة وتأشيرة مرور.
الجنود يسألونه: هؤلاء تبعك؟ “نعم”، ونمر بسلام.

يمكن حفظ الأمن بدون إهانة المواطنين وإذلالهم وابتزازهم، ليس فقط في النقاط التابعة للانتقالي، بل حتى نقاط الحكومة وفي مناطق سيطرتها.


في الغالب شيئين يسمحان لليمني بالتنقل في بلده، أو يمنعانه (مكان ولادته والجهة التي يعمل بها). ما هذا العبث؟
البعض يبرر سلوك بعض الجنود بحالة الحرب، وأن هذه الممارسات هي من أجل الحفاظ على الأمن.
بالتأكيد يمكن حفظ الأمن بدون إهانة المواطنين وإذلالهم وابتزازهم، ليس فقط في النقاط التابعة للانتقالي، بل حتى نقاط الحكومة وفي مناطق سيطرتها.
صحيح نحن لم نتعرض لأذى، لكن المناطقية والعنجهية في سلوك بعض جنود الانتقالي واضحة، الأمر الذي جعلني أشعر بالتوتر كلما رأيت العلم يرفرف. كيف لا أشعر بالقلق وهم حين يطلبون جوازات السفر وبطائقنا يدققون بمكان الميلاد!
كما في نقاط الانتقالي، لم نتعرض لأي أذى، أيضًا في نقاط الشرعية لم يؤذنا أحد. عندما أقول هذا لا أعني أن نقاط التفتيش لا ترتكب جرائم وانتهاكات، بل على العكس حدث أن اعتقل وعذب وقتل مواطنون، وحالات اختفاء قسري!
قلت: كلما رأيت العلم يرفرف في النقطة، شعرت بالتوتر.
التفت إليّ زميلي الجالس بجواري قائلًا: “هذا علم دولة (يقصد علم اليمن الجنوبي قبل الوحدة).

  • تعلم ليس لديّ مشكلة بعلم الجنوب، ولا بحق الناس في تقرير مصيرهم، وتعرف جيدًا موقفي من القضية الجنوبية، لكن بالتأكيد لن أكون مع من يريد تسليم البلد للخارج، من يتاجر بالقضية ويستغلها للحصول على مكسب شخصي، وهو أداة مدفوع ثمنها لتخريب البلاد، وإثارة النزعات المناطقية والجهوية، امتهان كرامة الفقراء وانتهاك حقوق الناس إرضاء للممول.
    من تتناقض شعاراته مع ممارساته، فهو يرفع شعارات التحرر والاستقلال للاستهلاك المحلي وحشد الناس وكسب تأييدهم، بينما قراره للخليج وأمواله.

نعود إلى الرحلة

حضرموت من المدن التي لطالما تمنيت زيارتها، لم يسبق لي أن زرتها، لهذا طار قلبي فرحًا عندما تغير مكان انعقاد المؤتمر.
تنتشر النقاط العسكرية على طول الطريق، وفي كل مداخل المدن، بعضها تابعة للقوات الحكومية ، وأخرى تتبع المجلس الانتقالي. من خلال العلم المرفوع عليها نعرف المنطقة تخضع لسيطرة من!
هنا علم اليمن الموحد، إذن هي مناطق الشرعية ، وهناك علم الجنوب (قبل الوحدة) يعني منطقة خاضعة لسيطرة الانتقالي.
رفاق الرحلة يسألون سائق السيارة: “هل وصلنا شقرة؟”. تدور نقاشات حول الحرب، والقضية الجنوبية، والانقسامات، والخيارات والفرص التي كانت أمام الانتقالي ليكسب أضاعتها حماقاته.
في مدخل شقرة على جانب الطريق لوحة كتبت فيها عبارة ترحيب بالقادمين إليها، تجاورها صورة للرئيس هادي.
ساد الصمت بيننا، وخلال فترة الصمت تلك، أشاهد من النافذة جمالًا لم أره من قبل (جمال وسحر هذي البلاد). منعت نفسي من البكاء، كيف أصبحنا غرباء في وطننا، الذي يمزق أمام أعيننا ونحن عاجزون عن فعل شيء من أجل إنقاذه.
سألت نفسي سؤالًا يتردد بين الناس: هل لدى الانتقالي مشروع حقيقي لاستعادة الجنوب كما يزعم ويردد في خطاباته وشعاراته؟ وهل ماتزال الحكومة تخوض فعلًا معركة استعادة الجمهورية المختطفة؟ كيف لهولاء المنقسمين المتصارعين أن يستعيدوا الجمهورية من براثن الإمامة؟
وللواقع إجابته المريرة: بأي حال لا يفتقر اليمن إلى المقاتلين الشجعان، بل يفتقر لقيادة عسكرية وسياسية مخلصة ووطنية ونزيهة.
لننظر مثلًا إلى مأرب، هذه المدينة منذ سنوات تتعرض لهجوم شرس من قبل جماعة الحوثي، وبرغم إمكانياتها الأقل مقارنة بإمكانيات الحوثي، إلا أنها مازالت تقاوم، بل تكبدهم يوميًا خسائر فادحة. المسألة في الإرادة والشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه الجمهورية.
من المؤسف القول إن اليمن قبل أن تتناهشه الذئاب الدولية والإقليمية، ينهشه أبناؤه، جميعهم لديهم مشاريعهم الخاصة، منها ما يخدم مصالح دول إقليمية ودولية، ومنها ما يخدم أحزابهم وجماعاتهم أيضًا بأموالٍ خارجية، صراع توسيع نفوذ وأجندات قطعًا لا تمت لليمن ولليمنيين ومصالحهم بأية صلة.

إقرأ أيضاً  مستثمرون يمنيون يقعون في فخ استثمارات مروان هائل الوهمية

مشاهد من الطريق إلى حضرموت

في شبوة مناظر طبيعية وشواطئ خلابة، من أجمل ما يمكن أن تراه عينك. من بعيد كنا نرى الحيتان تقفز في الهواء لثوانٍ كأنها تؤدي رقصة ترحيب بالعابرين، قبل أن تعود إلى البحر، والموج يروح ويجيء بهدوء.
عيناي التقطتا مشهدًا بديعًا وساحرًا للطبيعة في الأرض والسماء، مشهدًا لم تستطع عدسة هاتفي التقاطه بسبب سرعة السيارة.
بوقت ومكان واحد تشكلت لوحة مدهشة؛ ألوان صافية لا تشوبها شائبة (تمتزج زرقة السماء وغيمتها البيضاء الصافية بزرقة البحر وبياض زبده، تلاطم أمواجه، وجبال شامخة تقف إلى جوار بعضها، منها الباهت، ومنها الملون، شجيرات خضراء وسط كثبان رملية بيضاء). السهول والجبال، الشواطئ والوديان والرمال، الموانئ والجزر والنفط والغاز، كيف لا يكون كل هذا مطمعًا لتحالف الأصدقاء، الذي جاء منقذًا، وإذا به يغدر بنا!
على جانبي الطريق في شبوة صخور سوداء متفاوتة الحجم، كما تتزين الرمال البيضاء بأحجار غرابيب هي من ذات الصخور قيل إن براكين في غابر الأزمان أعادت تشكيل وتكوين الجبال، وأكسبت الصخور هذا اللون.
مشهد آخر: وفي الصحراء أيضًا من يقاوم يعيش، شجيرات ونباتات خضراء تجاورها أخرى صفراء يابسة، لم تستطع الصفراء مقاومة العطش وقسوة الصحراء، فماتت.

لا أعلم أين نحن!

هنا بيوت قديمة مبنية من الطين، تظهر إبداع وعبقرية البناة، تزاحمها بيوت بنيت على الطراز الحديث.
طرازان متنافران يتنازعان المكان (انحيازي للقديم).
قلت لزميلي: كان يمكن للدولة الحفاظ على هذه المباني كمبانٍ أثرية سياحية.
رأيت دبابة يبدو من هيئتها أنها تقاعدت قريبًا، كأنها حتى وقت قريب قد خاضت حروبًا ومعارك كبرى، قبل أن يستقر بها المقام هنا على جانب الطريق.
على بعد بضعة كيلومترات منها بقايا سيارة لعل سائقها تعرض لحادث، وهنا أشجار نخيل باسقة وشامخة، وماشية ترعى. تبدو مدينة المكلا تقترب أخيرًا بعد رحلة سفر طويلة وشاقة. ها نحن نصل إلى المكلا؛ رددت بيني وبين نفسي: “ادخلوها بسلامٍ آمنين”.
نسيت كل التعب، فأنا في المدينة التي أحببتها قبل أن أراها. كان يوم عصيان مدني احتجاجًا على تردي الأوضاع المعيشية والخدمات في المدينة.
قطع المواطنون الطريق بوضع أحجار صغيرة في الشارع الرئيسي، وهو الطريق الذي علينا أن نسلكه للوصول إلى الفندق. اضطررنا إلى سلوك طريق آخر.
وصلنا إلى الفندق لفت انتباهي عدم وجود مسلحين.ألا تلاحظون؟ لا يوجد مسلح واحد! المدينة مسالمة، وأهلها لا يحبون حمل السلاح.
حسنًا، اليوم راحة، وغدًا سنقوم بجولة ونرى؛ وبالفعل الناس هنا لا علاقة لهم بالسلاح. قالت إحدى الناشطات الحضرميات: “في حضرموت هنا تراكم ثقافي وحضاري، نحن مجتمع مسالم لا نؤمن بالعنف، ستجدين بين حين وآخر راية ترفع وأخرى تنزل، يمنية وغير يمنية”.
كان الناس من أبناء المحافظات الشمالية يشكون في سنوات سابقة من العنصرية تجاههم. حاولت الاستماع لرأي من التقينا بهم، وحتى وأنا أستفز بعضهم
ليس لديهم أية مشكلة مع مواطني أبناء المحافظات الشمالية، جميعهم يشكون من الغلاء وسوء الوضع المعيشي، وفيهم من لا يؤمن بالشمال ولا بالجنوب، بل يؤمن بدولة حضرموت المستقلة. حسب أحد أبناء المدينة، هناك بالفعل ممارسات مناطقية في بعض الدوائر الحكومية، وفي بعض المعاملات تتم عرقلتهم.
ودعنا المكلا، ونحن نشكر أبناءها الذين استقبلونا بكرم وبمحبة، على أمل زيارتها مرة أخرى.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة