fbpx

ميكانيكي متجول.. عن حربٍ سَلبتْ أرزاق البسطاء

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الحديدة ياسمين الصلوي

“سلبتني الحرب مصدر رزقي، حرمت عائلتي من الاستقرار والأمان، وملأت حياتنا بالأوجاع والهموم”، بهذه الكلمات بدأ الرجل قصته، بعد أن اشترط عدم الكشف عن شخصيته، واختار لنفسه الاسم المستعار (عارف)، هو ميكانيكي سيارات عمره 55 سنة، متزوج يعول أربع بنات أكبرهنّ بعمر 23 سنة، وأصغرهنّ 8 سنوات.

كان يملك ورشة صغيرة لإصلاح السيارات، في شارع المطار بمدينة الحديدة، يحصل منها على دخل يكفي معيشة عائلته قبل الحرب.

لكنه فقد عمله وورشته مع بداية الحرب عام 2015، فحينها صارت منطقة مطار الحديدة مستهدفة بقصف شبه مستمر من قبل طيران التحالف ما دفع معظم سكان حي المطار للنزوح إلى داخل المدينة هربا، كما قررت السلطات المحلية إغلاق شارع المطار بوجه المركبات، فلم يكن أمام عارف إلا مغادرة المكان مصطحبا أدوات ورشته إلى منزله وسط المدينة.

يصف عارف مشاعره يوم إغلاق باب الورشة للمرة الأخيرة: “شعرت بالألم والقهر، كان صوت الطيران المدوي في سماء المكان يدفعني لإغلاقها بإحكام، لم أكن أجهل نتائج إغلاق الورشة على معيشة أسرتي، وأدركت أن القادم سيكون صعبا.”

كانت الورشة مصدر الدخل الوحيد لعارف، وبإغلاقها تدهورت معيشة أسرته سريعا حتى اضطر لإخلاء البيت الذي يسكنه بعد عجزه عن دفع الإيجار للمالك، وانتقل بعائلته إلى منزل أهل زوجته في مدينة حيس، حيث تركهم هناك وعاد وحده إلى الحديدة سعيا وراء الرزق.

لا أمل في إعادة فتح الورشة لأن شارع المطار صار منطقة شبه مهجورة، ومع تدهور الوضع الاقتصادي بسبب الحرب.

لم يجد عارف وسيلة للحصول على لقمة العيش سوى التنقل بين الشوارع كمهندس متجول بحثا عمن يريدون إصلاح سياراتهم، كما لجأ للتواصل مع زبائنه القدامى عبر الهاتف عارضا خدماته عليهم.

ميكانيكي متجول
بجسده النحيل كان يجوب شوارع الحديدة ببذلته الزرقاء المهترئة حاملاً بعض أدوات عمله، محاولًا البحث عن رزق أسرته الذي سلبته الحرب، وبالكاد يصادف زبونا بحاجة لإصلاحات بسيطة على قارعة الطريق.

وكان أسعد أيامه حين يتلقى الطلبات الهاتفية من زبائنه القدامى. وكلما استطاع جمع مبلغ من المال يرسله الى أسرته في حيس.

خلال تلك الفترة كان سكان مدينة الحديدة يتناقصون باستمرار، هاربين من حرارة طقسها القائض بسبب الانقطاع التام لخدمات الكهرباء. لهذا صارت فرص العمل تتناقص وتستلزم من عارف بذل مجهود أكبر للبحث عن الرزق ولتخفيض نفقاته كي يستطيع الإيفاء بالاحتياجات الأساسية لعائلته.

إقرأ أيضاً  الصحفيات اليمنيات.. بين الرغبة بتطوير قدراتهنّ ومشقة التنقل

وهي وضعية ألقت على كاهله المزيد من المشقة والهموم التي تفوق طاقته، خصوصا وقد اضطرته الحاجة لبيع بعض الأدوات التي يستخدمها في عمله.

كل تلك الضغوط اجتمعت عليه لتستنزفه نفسيا وبدنيا، حتى وصل به الحال إلى انتكاسة صحية أدخلته المستشفى ليكتشف عند الفحص أنه قد أصيب بتضخم في القلب، وبقي على إثرها طريح الفراش لعدة أسابيع.

ولأن احتياجات أسرته لا تتيح له رفاهية الرقود على فراش المرض، فقد كان عليه النهوض للعمل، مع تحمل أعباء جديدة هي قيمة الدواء لمرضه.

وربما كان مرضه هو السبب في انفراج الأمور قليلا، فقد زاره بعض أصدقائه القدامى بعد أن عرفوا بمرضه وظروف أسرته، وتلقى عرضا للعمل في ورشة واحد منهم مقابل أجر يومي ثابت..وهو ما فتح باب الأمل أمام عارف لاستعادة حياة الاستقرار.

حيث استطاع استئجار منزل بسيط وعاد بأفراد أسرته إلى الحديدة عام 2016م ليلتئم شمل الأسرة مرة أخرى، وإن بقي مستوى معيشتها متدهورا عما كان عليه قبل الحرب فالأجر الذي يحصل عليه الأب لا يفي باحتياجاتهم الأساسية لاسيما مع ارتفاع الأسعار بالمدينة. فيضطرون عادة للاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم. خصوصًا في فترات اشتداد مرضه وعجزه عن الذهاب للعمل.

ليست نهاية سعيدة بالطبع، فلدى كل فرد في العائلة أحزانه واحتياجاته التي يعاني مرارة الحرمان منها، ابتداء بالأم وحتى الطفلة الصغرى سمية. وبالمقابل هناك أمنيات ينتظر الجميع تحققها؛ أن تنتهي الحرب، وأن يستعيد عارف ورشته في شارع المطار. صحيح أن الحلم باستعادة الورشة صار يبدو أبعد في السنوات الأخيرة، مع وصول المعارك البرية إلى أطراف مدينة الحديدة منذ عام 2018م، إذ تحولت منطقة المطار ومحيطها إلى خطوط اشتباك وميدان مناوشات عسكرية لا تنتهي. لكن وبرغم كل ذلك، يبقى الأمل، فهو وحده من يمد للحلم شريان الحياة.

تم إنتاج هذه المادة من قبل شبكة صحفيي السلام اليمنيين ومبادرة يمن بيس في إطار نشاط بناة السلام لـ “منصتي 30”، وينشرها “المشاهد” بالتزامن.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة