fbpx

الخذلان.. يتصدر يوميات اليمنيين

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عدن – محمد علي محروس

الحرب التي اندلعت دون إرادة اليمنيين، لم يكن في حسبانهم أنها ستأخذ من عمرهم 7 سنوات، وماتزال بذات الرتم تمارس مهمتها بنجاحٍ منقطع النظير، مرفودة بما لا يُعد ولا يُحصى من ممارسات المنتفعين بها على حساب أنين وآلام عشرات الملايين الذين ضاقوا ذرعًا بما يعيشونه من مستجدات يومية صادمة.

إحباطٌ وخيبة أمل

لا تفارق خيبة الأمل حديث “ج.س”، ففي كل مرة يلقاكَ فيها يحكي لك عن الإحباط الذي أحاط به من كل جانب؛ فالحرب لم تترك له مساحةً كافيةً للعيش كما يريد، والحكومة اليمنية لا تأبه لحاله وأمثاله، وهو الباحث عن راتبه منذ 5 سنوات، وجماعة الحوثي لم تتردد في اعتباره منقطعًا عن عمله، وبذلك بات وحيدًا، كما يقول.
سنوات عمله التربوي نسفتها الحرب، ورمت به إلى أحضان المعاناة، فلا الحكومة احتوته، ولا جماعة الحوثي أبقته على حاله موظفًا، وهو الذي كان يعمل في إحدى المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، ليصل به الحال بائعًا للآيسكريم يتجول بدراجته الهوائية في الشوارع؛ علّه يحصل على ما يعينه للعيش، ويخرجه من دائرة الإحباط المُحكمة.
يتحدث لـ”المشاهد” بحرقة: “ننتظر الموت وخلاص، قد عشنا كل الأهوال، لا ماء ولا كهرباء ولا غاز ولا رواتب، كل يوم والأسعار في تزايد كيف سنعيش بهذا الوضع، لا التحالف حسم الوضع وخارجنا، ولا الحكومة أثبتت نفسها، ولا الحوثي اكتفى وبادر للحل وإنهاء الحرب، كلهم متفقون علينا”.

حرب إزاحات

تدخل الحرب اليمنية عامها السابع، دون أن ينتصر طرف على الآخر، وحدها المعاناة اليمنية بصورها المتعددة تأخذ حيزًا واسعًا من يوميات الناس الذين يدفعون ثمنًا باهظًا لحربٍ لم يقرروها، ووجدوا أنفسهم تحت وطأتها مرغمين.
في حديثه لـ”المشاهد” يرى الصحفي علي سالم أن الحرب اليمنية لم تكن محض صدفة، وليست كما تبدو ظاهريًا بين الحكومة وجماعة الحوثي، بل هي حرب إزاحات تندرج ضمن جريمة شاركت فيها كافة القوى السياسية المحلية، وحظيت بالتفاف إقليمي ودولي. الجميع في دائرة الاتهام، بمن فيهم الأمم المتحدة.
ويقول سالم: “لا حل من وجهة نظر القوى الدولية المحاربة للإرهاب سوى بتوجيه مؤتمر الحوار الوطني للانفجار، فبقاء الوضع على حاله لا يؤدي نتيجة مرتجاة من قبل السلطة والمعارضة حينها، لذا انفجر الوضع بفعل توجه دولي مسنود بشركاء محليين”.

وتوصلت دراسة للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، إلى أن العملية الانتقالية في اليمن كانت مثالية، ولم تكن لتفضي إلى حرب أهلية لو لم تعمل النخب اليمنية والقوى الدولية والأمم المتحدة على تلغيمها.
فعلى عكس الضغوط الدولية والإقليمية الكبيرة التي أدت إلى توقيع المبادرة الخليجية، عمد رعاة المبادرة إلى وضع عراقيل عدة، منها تأخر المانحين في دفع أكثر من 8 مليارات دولار، وهو المبلغ الذي تعهّد به “مؤتمر أصدقاء اليمن”، كما جاء في الدراسة التي رصدت مؤشرات عدة حول وجود رغبة مبطنة لتحويل نتائج الحوار الوطني إلى حرب، ومن ذلك ترويج كثير من السياسيين الدوليين خلال الفترة 2012-2014، ومنهم الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، لفرضية وقوع اليمن في شرك حرب أهلية، وهو ما تحقق لاحقًا في العام التالي، ومازال مستمرًا إلى اليوم.

في كفة واحدة

ما يسري على صنعاء يسري على عدن، وإن اختلفت القوى المُسيطرة على المدينتين الأهم في اليمن، فالناس هناك، ومن منطلقهما، يعيشون في ظروف معقّدة سواء في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أو جماعة الحوثي، ووحدهم من تضرروا من الحرب ونتائجها التي استفحلت بشكل تصاعدي سنةً تلو أخرى.
اليمنيون بسجيتهم وطبعهم مُسالمون يُقدّسون العمل والإنتاج وطلب الرزق في المهن والحرف والتجارة، ولا يذهبون إلى الحرب إلا اضطرارًا، إما من فاقة تهدد وجودهم، أو من ظلم يمتهن كرامتهم، هكذا يوصّف الناشط حمزة المقالح، الواقع اليمني.
ويضيف المقالح في منشور على صفحته في “فيسبوك”: “في كل دورات الإمامة عبر التاريخ اليمني، فقد وفّرت الإمامة أسباب العنف والحرب في اليمن، ولم يقاومها الناس ويناجزوها ترفًا؛ بل مضطرين لذلك حفاظًا على كرامتهم وعلى حياتهم”، في إشارة منه لما وصل به الحال بفعل ممارسات جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها.
وبذات المستوى يرى عبدالغني الماوري، الباحث المتخصص بالشؤون السياسية اليمنية، أن اليمنيين علّقوا آمالًا عريضة على التحالف العربي لاستعادة ما سماها الشرعية؛ نظرًا لما اعتبره استيلاء الحوثي وصالح على الجيش، لكن هذه الآمال تعرضت للانهيار، إذ اتضح أن دول التحالف لديها أهداف أخرى غير تلك التي تم الإعلان عنها.
ويضيف الماوري لـ”المشاهد”: “بعد أكثر من 6 سنوات من التدخل العربي، بدا واضحًا أن التحالف لا يفكر بإسقاط الحوثيين، بل بإيجاد صيغة سياسية تضمن له مصالح خاصة في اليمن. لقد تحولت اليمن من ساحة حرب إلى ساحة صراع بين الحلفاء، وبدلًا من تقوية الحكومة، تم اصطناع جيوش وجماعات مسلحة متعددة، وهذا جعل الحرب تبدو بلا أهداف واضحة”.
ويتابع أن ما روّج له الحوثيون قبل دخولهم صنعاء، لم يحققوا منه شيئًا، بل كرسوا جهودهم لممارسات ضاق بها الناس ذرعًا، في المقابل لم يفِ التحالف بسيل وعوده التي انقطعت فجأة وتمخضت عنها حكومة لم تثبت حضورها منذ ذلك الحين، وهو ما أوقع اليمنيين بين فكي حربٍ لا نهاية لها ولتبعاتها الكارثية.

إقرأ أيضاً  عنود السقاف: التسويق الإلكتروني جعل المنتجات النسوية مستنسخة وتفتقر للإبداع

تبعات نفسية

ليست المعاناة المعيشية وحدها سيدة المشهد اليمني، ولا ما ترتب عليها من أزمات صحية واجتماعية وحسب، بل هناك انعكاسات ثقافية ونفسية لها تبعات عدة.
سلسلة ضغوط بعضها فوق بعض، لم تكن عابرة، بل كانت سببًا جوهريًا لما وصل إليه الناس بمختلف شرائحهم، ومنهم الأطفال والنساء على وجه التحديد، وهذه لن تمر مرور الكرام، بل ستشكل أساسًا لمعاناة مزمنة، بحسب الدكتور جمهور الحميدي، عميد مركز الإرشاد والبحوث النفسية بجامعة تعز.
ويقول الدكتور الحميدي لـ”المشاهد”: “الأدوار الاجتماعية المستقبلية ستكون رهينة تلك الضغوط المصحوبة باضطرابات نفسية واجتماعية، وهذا سيؤدي إلى خلل كبير في المجتمع نتيجة الممارسات غير السوية كالمظاهر العدوانية الموجهة، وهذا مرهون بالدوافع اللاشعورية التي عززتها الحرب، ما يعني معاناة مجتمعية بحاجة إلى جهود مكثفة لمعالجة هذه الحالة المستشرية”.
ويقترح ضرورة التنسيق بين كافة الجهات المسؤولة ابتداءً بالأسرة ووصولًا إلى مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة، إذ يجب أن يكون هناك حيّز من الاهتمام؛ للتخفيف من الآثار الناجمة عن الحروب، كما يقول.
ويرى معظم اليمنيين أنهم تُركوا في منتصف الطريق، وقد خذلهم الجميع، من ادّعى الثورة لتحسين وضعهم، ومن سوّق لإنهاء معاناتهم وإعادة الأمور إلى نصابها، لكنهم صُدموا بوضع مختلف يصنع من طرفي الحرب تجارًا بأرصدة خيالية، في الوقت الذي يُصنّف الوصع في اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة