fbpx

٥٠ يوما من التجوال في مملكة ” أحمد يا جناه “

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عدن – سامي عبدالعالم:

يحتفل اليمن بالذكرى الـ59 لثورة الـ26 من سبتمبر 1962، التي أطاحت بالإمامة، وأعلنت قيام الحكم الجمهوري. مناسبة وطنية في ظل حرب أهلية حاليًا، يخشى أن تكون البوابة لعودة النظام الإمامي، وهو عهد وصف كثيرًا بفرضه العزلة على شمال اليمن وشعبها.
وبعيدًا عن تقييم ذلك العهد الذي اختصت به عشرات الكتب والدراسات، ثمة تقرير لبعثة طبية ألمانية، حفل بتفاصيل تظهر كيف كان يعيش اليمنيون قبيل سقوط نظام الإمامة بأربعة أعوام، بضمنها تفاصيل عن حياة الأسرة الإمامية ونمط تفكيرها، وبعض الظواهر خلال ذلك العهد.
تتفق كثير من الدراسات والمؤلفات التاريخية حول الأسرة الإمامية، وكيف عاشت خلال عهد حكمها في رفاهية، فيما كان الشعب اليمني في شمال اليمن، يكابد المجاعة والأمراض والأوبئة والأمية المتفشية.

في مطلع سبتمبر 1958، وصل الطبيبان رالف بيكر وهانس جون، إلى مطار الحديدة، ومنه انتقلا جوًا إلى مطار تعز. وفقًا للتقرير كان أحد أشقاء الإمام وزوجته في استقبالهما في مطار الحديدة، ورافقاهما إلى مدينة تعز. وشقيق الإمام ذاك قال التقرير إنه كان يشغل منصب وزير التعليم، وهو وزير الصحة، وهو أيضًا وزير التجارة. ويصف حكومة الإمام بأنها كانت أسرية


غير أن بعض ما دونه تقرير البعثة الطبية الألمانية التي زارت شمال اليمن بطلب رسمي من حكومة الإمام أحمد، قبل 4 أعوام على الإطاحة به، توفر بيانات عن نمط العيش مثيرة للاهتمام، ولا تخلو من طرافة، وهي تروي عن مجتمع يعشق الصخب لدرجة أنه حتى المصابيح اليدوية المستعملة للإضاءة عليها أبواق، وحتى من يركبون الحمير يستخدمون الأبواق.
جاءت بعثة الطبيبين الألمانيين الدكتور رالف بيكر والدكتور هانس جون، عام 1958، تلبية لالتماس من حكومة الإمام إلى حكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية لإرسال بعثة طبية إلى اليمن لدراسة الوضع الصحي، وتقديم الدعم لإنشاء مؤسسات الخدمات الصحية في اليمن. التقرير الذي كتبه هانس جون، يقدم مشاهد من جولتهما خلال 50 يومًا في مملكة “الجني” أحمد.

شقيق الإمام وزوجته يستقبلان البعثة

على العكس مما كانت تدعيه الأسرة الإمامة، وتشددها باعتبارها حامية الشرع والدين، كان أفراد الأسرة يحاولون الظهور بمظهر عصري من خلال انفتاح الأسرة مع الأجانب، وتقليد سلوكيات غربية.
في مطلع سبتمبر 1958، وصل الطبيبان رالف بيكر وهانس جون، إلى مطار الحديدة، ومنه انتقلا جوًا إلى مطار تعز. وفقًا للتقرير كان أحد أشقاء الإمام وزوجته في استقبالهما في مطار الحديدة، ورافقاهما إلى مدينة تعز. وشقيق الإمام ذاك قال التقرير إنه كان يشغل منصب وزير التعليم، وهو وزير الصحة، وهو أيضًا وزير التجارة. ويصف حكومة الإمام بأنها كانت أسرية.
هذه الجزئية تكشف كيف كانت أسرة حميد الدين تتعامل مع الغرب لتبدو بصورة عصرية، في وقت فرضت فيه العزلة على المجتمع اليمني، وحرمت المجتمع باستخدام الدين من أن يعيش حياته بصورة طبيعية.
تقرير البعثة الطبية الألمانية أورد العديد من المحرمات التي فرضتها الإمامة على الشعب اليمني، من بينها منع فتح دار سينما، أو مشاهدة التلفزيون بذريعة أنه يعرض مشاهد فيها نساء غير محتشمات. بينما ذكرت البعثة نفسها أنه عند وصولهما إلى مطار الحديدة، استقبلهما وزير التعليم، وهو أحد أشقاء الإمام، وزوجته، ورافقاهما في رحلة الطائرة إلى تعز.

لا وجود للخصيان بين خدم حريم الإمام

في تقرير البعثة الطبية الألمانية الذي قدمته لحكومة بلادها، إشارة إلى تواجد عدد من الأطباء الأجانب من عدة دول، تعاقدت معهم الحكومة، وهناك بعثات طبية كالبعثة الإيطالية التي تحاول إيطاليا من خلالها ممارسة نفوذ في شمال اليمن.
وأقرب ما يكون لتقرير استخباراتي، لم يقتصر تقرير البعثة الطبية الألمانية على المهمة المحددة، وهي تقييم الوضع الصحي، لكنها تقصت أوضاعًا أخرى، حتى ما يتصل بحريم الإمام، ونمط حياتهن، وتقديم معلومات في تقرير ذي طابع رسمي لحكومة دولة أجنبية. والغريب أن ذلك لم يثر حفيظة الإمام وبقية أمراء الأسرة التي كانت حاكمة.
يذكر التقرير “في داخل مجتمع الحريم، يقوم صبيان بخدمة النساء، وقد ثبت لنا عدم وجود خصيان حتى وسط حريم الملك (الإمام). وتسكن نساء العائلات الميسورة في مبانٍ أو في طوابق منفصلة عن المباني أو الطوابق التي يسكن فيها خدمهن، سواء كانوا خدمًا من الصبيان أو خادمات”.

عبيد يرفضون الحرية

يسلط تقرير البعثة الألمانية ضوءًا على نمط العيش في اليمن وداخل قصور الأسرة الإمامية في تلك المرحلة، ويشير إلى وجود حالات من العبودية “والعبيد كلهم من الزنوج ينتمون إلى إفريقيا، ويُجلبون إلى اليمن من المملكة العربية السعودية، أحيانًا الحجاج العرب القادمون من إفريقيا إلى مكة يبيعون خدمهم خلال موسم الحج. ويتوجب على مالك العبد أن يسكنه في بيته، وأن يوفر له الملابس والطعام”.

50 يومًا أمضاها الطبيبان الألمانيان في التنقل بين عدة مناطق ومدن في شمال اليمن، شاهدا ودوّنا الكثير حول الأوضاع الاقتصادية والصحية والعادات والتقاليد والمناخ والطقس والسكان والتاريخ، بإلمام جيد، غير أن بعض محتوى التقرير كان يتطلب تدقيقًا، وربما يعود ذلك لقصر مدة البعثة التي انتهت في نوفمبر 1958


وتروي البعثة المزيد عن أحوال هؤلاء العبيد، ومستوى معيشتهم، وتؤكد “أنهم من كل النواحي يعيشون في حالة أفضل من متوسط الحالة المعيشية لعامة الشعب في اليمن”. تضيف البعثة: “ويصبح العبد في وضع صعب إذا حصل على حريته، إذ إن عليه أن يواجه أعباء حياته وتأمين قوت يومه، وقد أبدى أحد عبيد الإمام أحمد بطولة خلال الانقلاب الأخير، فتم تكريمه، واعتبر من النبلاء”.

إقرأ أيضاً  قوات عسكرية ليس من مهامها تأمين المسافرين

زواج الصغيرات يؤخر الشيخوخة

ساد اعتقاد في المجتمع خلال عهد الإمامة، يعطي مسوغًا أو مبررًا لزواج الصغيرات. يتحدث تقرير البعثة الألمانية عن انتشار هذه الظاهرة، إذ يقول بشأن الزواج: “وتباع النساء بيعًا، فمن لديه إمكانية يستطيع أن يشتري فتاة في سن العاشرة إلى الثانية عشرة”، ويضيف: “الرجل الكبير المتمتع بقدرة مالية، يشتري لنفسه غالبًا زوجة صغيرة، إذ إن هناك اعتقادًا سائدًا بأن الفتيات الشابات اللائي ماتزلن في معظم الحالات في سن الطفولة، يؤخرن بلوغ الرجل مرحلة الشيخوخة”.

حتى راكبو الحمير يستخدمون الأبواق

تصف البعثة مجتمعًا صاخبًا، ويحب الصخب، فـ”اليمني يميل منذ طفولته إلى الصخب، وحياته اليومية مليئة بالصخب والضجيج، فالموسيقى والنداء العالي والصراخ والغناء وإحداث الصخب تمثل جزءًا من الحياة اليومية، وفي الشوارع يختلط ضجيج المشاة بالأبواق، التي يستخدمها بصورة مستمرة حتى أصحاب الحمير. وفي ساعات المساء تستخدم مصابيح اليد التي تثبت عليها الأبواق، أما السيارات فكل منها مزود بأكثر من بوق يطلق السائق أصواتها دون توقف، سواء كان هناك ما يدعو لذلك أو لا، وفي الآونة الأخيرة أضيف إلى كل هذا الضجيج أصوات الراديوهات التي يرفعها أصحابها إلى أعلى مستوى”. ويسير اليمنيون عادة حفاة الأقدام، وفي المناطق الرئيسية تسير النساء حافيات الأقدام.

رؤى متزمتة وكهنوت

50 يومًا أمضاها الطبيبان الألمانيان في التنقل بين عدة مناطق ومدن في شمال اليمن، شاهدا ودوّنا الكثير حول الأوضاع الاقتصادية والصحية والعادات والتقاليد والمناخ والطقس والسكان والتاريخ، بإلمام جيد، غير أن بعض محتوى التقرير كان يتطلب تدقيقًا، وربما يعود ذلك لقصر مدة البعثة التي انتهت في نوفمبر 1958.
حظيت البعثة الألمانية بكرم الإمام وأسرته، وأتيحت لها إمكانيات التجوال باستخدام سيارات الجيب وطائرة هيلوكبتر، وكانت بعثتها تلبية لالتماس من الإمام، وتعبيرًا عن الصداقة، غير أن مؤشرات متعددة في التقرير أظهرت الأسرة الإمامية لا تهتم سوى برفاهيتها، وتعيش حياة أرستقراطية، ولا تبالي للشعب.. بل إن التقرير يستنكر صراحة بعض ممارسات للأسرة الإمامية، وصفها بالتزمت والكهنوت.
ويتحدث التقرير عن الإمام أحمد، ويقول إن الشعب خلع عليه لقب “الجني”، وهذا يعني أن الشعب يعتقد أنه يستطيع التعامل مع الجن. وبشأن نجل الإمام ولي العهد البدر، قال تقرير البعثة: “من المحتمل أنه إذا ما تولى الحكم في يوم من الأيام سيحدث قطيعة مع الرؤى المتزمتة للكهنوتيين والنبلاء”.

لا تعداد سكاني.. الإحصاء الوحيد كان للماشية

وتظهر الأسرة الإمامية غير مهتمة بإقامة أي تنظيم إداري، أو القيام بأي نشاط مما تقوم به الحكومات عادة، وهي لا تهتم باستثناء عندما يتعلق الأمر بالجبايات والضرائب. لقد بدا أمرًا مستغربًا للبعثة عدم وجود دوائر لتسجيل السكان أو تعداد سكاني أو أي شكل من أشكال الإحصاء، فلم يجرِ أي إحصاء للسكان خلال عهد الإمامة.
ويشير تقرير البعثة عام 1958، إلى أن الإحصاء الوحيد في عهد الإمام كان للماشية، وبهدف الجباية: “قبل سنوات أجري إحصاء للمواشي، وفي حالة القيام باستبيان، لدوافع ضريبية، فإنها لا تحصي سوى الأسر، ومن بين أعضاء الأسرة لا يسجل سوى الرجال، ولا يسجل العبيد والأطفال”.
وكانت الإمامة تفرض جبايات وضرائب مرتفعة على المواطنين، تقول البعثة في تقريرها إن العبء الضريبي المفروض على الشعب، لاسيما على مستأجري الأرض، كان مرتفعًا جدًا، وتبلغ الضرائب الجمركية 20% من قيمة البضائع.
ولم يكن هناك أي بنك محلي، والبنك الوحيد الموجود هو البنك السعودي. وتبلغ ميزانية الحكومة 15 مليون دولار أمريكي، وهي ميزانية منفصلة عن ميزانية أسرة الإمام. وينتشر المتسولون بكثرة في المدن اليمنية.

أعلى تسعيرة بريد في العالم

وكان يوجد في المدن مراكز بريد، يعين موظف البريد من قبل الإمام، وتطبع طوابع البريد خارج اليمن. وتسعيرة إرسال رسالة بسيطة في البريد الجوي 12 بقشة، أي ما يساوي 80 إلى 85 فنجًا ألمانيًا، وبهذا تعتبر تسعيرة البريد اليمني أعلى تسعيرة بريد في العالم.

الملكة أروى من أصول هندية

في رحلتهما من تعز نحو صنعاء، توقف الطبيبان الألمانيان في مدينة إب، ومكثا فيها لأيام، وقاما بزيارة مدينة جبلة القديمة. يقول تقرير البعثة إن “مدينة جبلة كانت في القرن الثامن مقرًا للملكة اليمنية (يقصد أروى بنت أحمد الصليحي)، وهذه الملكة بحسب ما يرويه اليمنيون تنحدر من أصول هندية”. مضيفًا أنه في عهد هذه الملكة رصفت الطرق الجبلية بحجارة متلاصقة.
وللانتقال نحو هضبة صنعاء استغرقت البعثة التي استقلت سيارتين بصحبة آخرين، يومًا كاملًا لعبور نقيل سمارة. في الهامش كتب المترجم أن كاتب التقرير ربما خلط بين أصل الملكة اليمنية أروى بنت أحمد الصليحي، ومذهبها الإسماعيلي الذي كان منتشرًا في الهند.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة