fbpx

بين مدينتين وصنعاء: رحلة كفاح اليمني من أجل الحياة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
منظر عام لمدينة تعز ـ المشاهد

تعز – سامية الأغبري

“لا تصدق الإعلام، الوضع ليس بهذا السوء”، عبارة يرددها أنصار من يحكمون عدن وتعز وصنعاء، سواء لليمنيين المقيمين في الخارج، أو للأجانب حين يسألون عن الوضع!
لكننا نحن أبناء البلد المغتربين والمشردين، لسنا بعيدين عما يجري في الساحة اليمنية، ولا نحتاج لإعلام ليخبرنا عن الوضع. معاناة أسرنا وعذاباتهم، رحلة شقائهم اليومية، وملايين مثلهم من أبناء الشعب في كل المدن، تلك الطوابير الباحثة عن قطرة ماء وأسطوانة غاز، عن الكهرباء والوقود وعن رواتبهم، باحثون عن أمن وحياة كريمة، وعن وطنٍ سلب منهم… تكفي لتحكي قصة كفاح اليمني لسبع سنوات من الحرب!
قلت لصديقتي: انظري كيف يعيش المواطن في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، فقرًا مدقعًا، تأملي تلك الوجوه والعيون البائسة والحزينة، كل وجه يحمل جبالًا من الهموم والوجع..!
قالت: تعالي إلى صنعاء لتري البؤس الحقيقي، كيف أحال الحوثيون المواطنين إلى فقراء ومتسولين ومشردين، والمشرفون والقيادات الحوثية تحولوا إلى أثرياء! وأردفت: أتعلمين؟ يمكن أن نطلق على صنعاء “مدينة الفقراء والمتسولين”، أو مدينة المشرفين. يا صديقتي، صنعاء ليست بخير، تعالي إلى صنعاء، سترين الكارثة بعينيك، وواصلت: “يمكنك ارتداء النقاب، ولن يعلم أحد بمجيئك”.
أشارت صديقة أخرى بإصبعها محذرة: إياك والمغامرة، إياك أن تفكري بهذا الأمر مجرد تفكير. مفسرة تحذيرها، وأتفق معها: الحرية مثل الخبز، ليست رفاهية في مناطق الحكومة مع كل ما يحدث، ومع كل القمع والتهديدات والملاحقات، مازال بإمكانك رفع صوتك وتنظيم مسيرة للاحتجاج والرفض، تقولين لا؛ تنتقدين قيادات مدينة وعسكرية؛ أما نحن في صنعاء فأٌخرست أصواتنا، فقدنا كل شيء “الخبز والحرية والكرامة”، تجوعين، أو تموتين أو تهانين، ليس لك حق الاعتراض، وإلا فإنك ستدفعين الثمن، حريتك وسمعتك وحياتك، ولا فرق بين رجل وامرأة “وأنت لسانك طويل لن نضمن سكوتك”. نحن نعيش رعبًا حقيقيًا، كل شخص هنا يتوقع أنه الضحية القادمة حتى لو لم يفعل شيئَا. نعيش في سجن اسمه “صنعاء” يا سامية.
أعلم كل هذا، لكن لحظتها شعرت بغصة وألم، وأحدث نفسي إن عادت صنعاء العاصمة لحضن الجمهورية، عادت كل البلاد، يا إلهي متى الخلاص؟ إلى متى سيبقى المواطن اليمني رهينة لدى المليشيات؟ تعبث بحياته وأمنه وكرامته وقوته، وبحاضره ومستقبله!

إلى عدن

في نقاط التفتيش العسكرية غالبًا لا يهتمون بالخارجين من المدن، بل بالداخلين إليها، عندما غادرنا المكلا بعد انتهاء المؤتمر، لم تعرنا النقاط أي اهتمام، لم تهتم بتفتيشنا والتدقيق في هوياتنا، كما فعلت أثناء دخولنا، حتى تلك النقطة المرعبة، والتي حين دخولنا قام جنودها بإنزالنا من السيارة، فتشوا كل شيء؛ وهناك حجرة لمجندات يقمن بتفتيش النساء وحقائبهن اليدوية.. هي أيضًا لم تعرنا أي اهتمام وقت المغادرة.
“وصلنا إلى عدن، فلم نجد اليمن..”. ها نحن على مدخل المدينة، بعض الجنود يستقبلوننا بوجوه عابسة ومتجهمة، وينظرون إلينا بغضب، ويصرخون كأننا مجرمون؛ سأل أحدهم بتعالٍ، ويبدو أنه قائدهم: من أين أتيتم؟من المكلا.

هاتوا جوازاتكم وبطائقكم.
أعطيناه جوازات السفر وبطائقنا.

كان أحد الجنود يفترش الأرض، ينظر إلينا، ثم يعود للنظر إلى الأرض؛ يبدو عليه البؤس، الأمر لا يحتاج إلى فراسة لمعرفة أن هذا الجندي فقير وبائس كغالبية اليمنيين.
المجندات اللائي قمن بتفتيشنا، كنَّ أكثر لطفًا، تشعر أحيانًا أن ما يحدث في النقاط خاضع لمزاج الضباط والجنود!

عدن

بادئ الأمر كنت مترددة ومتخوفة من السفر إلى عدن. قبل عامين كان المسلحون ينتشرون في كل شوارع عدن، أطقم عسكرية تحمل مسلحين من أعمار مختلفة لا تعلم من هم ومن يتبعون، سيارات لا تحمل أرقامًا تجوب شوارع المدينة بحرية.. مدينة تعيش فوضى حقيقية.
إلى حدٍّ ما، اليوم الوضع اختلف عما كان عليه، لم أرَ المسلحين، هناك نقاط عسكرية يرفرف عليها علم جمهورية اليمن الديمقراطية (قبل الوحدة)، يرتدي جنودها البزات العسكرية، طبعًا المدينة ليست خالية من السلاح تمامًا، بعض الحارات، خصوصًا الشعبية، يتواجد فيها مسلحون.
لكن هناك محاولة لتحسين المظهر العام للمدينة في شوارعها الرئيسية، منع المظاهر المسلحة، والسيارات غير المرقمة يتم توقيفها. شاهدت جنود مرور يوقفون بعض السيارات، وسألت أحد الرفاق: لماذا أوقفوا تلك السيارات؟ قال: لأنها غير مرقمة.
بعد يوم من التجول في المدينة، زال كل القلق، وشعرت بالطمأنينة، وعدة مرات تجولت بمفردي في شوارعها وحواريها ومراكز التسوق؛ مازالت مؤسسات وفنادق وبيوت شاهدة على الحرب ووحشيتها.

تدهور في الوضع المعيشي ووضع حقوق الإنسان

قال سائق التاكسي: إنهم يعبثون بالمدينة، هل كنت تتخيلين أن تصل عدن لهذا الوضع؟ نحن جائعون، ووسط هذا الحر زاد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة من معاناتنا، وهم لا يشعرون بنا (يقصد الانتقالي والشرعية).
أضاف: سأخبرك شيئًا ربما لا تعلمينه.
ما هو؟
إنهم يتعمدون تدمير المستقبل أيضًا.
كيف؟
المخدرات، بتُّ أخشى على ولدي، قال لي يومًا: لا أريد الذهاب إلى المدرسة. ما الذي فعله المتعلمون؟ ماذا استفدت من شهادتك وأنت خريج ألمانيا؟ انظر إلى نفسك أصبحت سائق سيارة أجرة. كدت أصفعه، وأطرده من المنزل، لكنني تذكرت شبابًا أضاعتهم المخدرات وتهور الآباء، خشيت على ولدي من هذا المصير إن أنا ضربته وطردته.
قلت له: وما العيب في أن تكون سائق سيارة أجرة؟
لا عيب في ذلك، لكن هذا ليس تخصصي، وأنا واحد ممن سرحوا من وظائفهم بعد حرب 94.
وقبل وصولي إلى الفندق، قال: لا تقلقي “يا كريمة”، ربك كريم، نحن أبناء عدن لا نركع، وسوف ترين أن هذا الوضع لن يطول، لن نتحمل الجوع، ستحدث ثورة أو ربما حرب.. هذه الأخيرة أرعبتني.
المدينة عانت كثيرًا، ولن تحتمل حربًا جديدة، يمكنكم بثورة شعبية اقتلاع الفساد والفاسدين.. عدن هي ملاذنا وخيمتنا الأخيرة.

إلى تعز

غادرت عدن إلى مدينة تعز؛ النقاط أيضًا لا تهتم، يكفي أن يمد السائق يده ويعطي الجندي ما تيسر من المال أو “عشبة قات” ليسمح له بالمرور.
لكن في طور الباحة أوقفتنا إحدى النقاط، وأراد الجنود إجبار السائق على دفع المال، قال السائق: لن أدفع ريالًا واحدًا، شعرت بالقلق، ضغطة على الزناد ربما تنهي حياة السائق، أو يجر إلى أحد المعتقلات في أحسن الأحوال.
كانت السيارة تتبع إحدى المنظمات الدولية، نزل السائق، ولا أعلم ما الذي قاله لهم، لكنه لم يدفع.
ثم مضينا في طريقنا إلى تعز.
إنها حصانة المنظمات الدولية، فلو كانت سيارة مواطن عادي لأجبر على الدفع، وربما ضرب أو اعتقل لأنه تجرأ وقال للجندي: لا.
كان الطقس جميلً، وحين اقتربنا من “هيجة العبد”، كان ضوء النهار بدأ يتلاشى، وحبات المطر بدأت تتساقط، أخرجت يدي في محاولة للمس قطرات المطر.
هيجة العبد؛ الطريق البديل الذي يسلكه المواطنون بسبب الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثي على مداخل تعز. لأول مرة أتفحص بعيني هذا المكان المخيف الذي شهد كثيرًا من الانهيارات والحوادث التي أودت بحياة عدد من المواطنين؛ كانت الصخور مشققة وتنذر بكارثة إضافية لو انهارت في أية لحظة على رؤوس العابرين أو القاطنين أسفل الهيجة، لا أحد يهتم، جميعهم يمضون متوكلين على الله، كما قال أحد السائقين.
دخلنا مدينة التربة، كان المطر يتساقط أكثر، والزرع يتمايل بفعل الريح الخفيف البارد، منظر بديع للمطر واخضرار الأرض.
التربة طقسها جميل، وهي مكان مناسب لمن أراد استرداد روحه وصفاء ذهنه وراحة باله، لا شيء يلوث المكان غير أصوات الدراجات النارية.
بقيت فيها يومين قبل مغادرتها إلى تعز.
في السيارة التي انطلقت باكرًا، تعرفت على امرأتين؛ إحداهما تعمل مديرة مدرسة، وهي الجالسة بجواري، وكانت قد فقدت اثنين من إخوتها في قصف مدفعي نفذته جماعة الحوثي على منطقة مدنية مأهولة بالسكان في تعز.
قالت لي: لماذا عدت إلى اليمن؟ هذا البلد لم يعد صالحًا للعيش فيه، جميعنا لو جاءت لنا الفرصة سنغادره.
قلت لها: ستشعرين دائمًا بالحنين إلى بلدك.
ردت: لن أشعر بالحنين لهذا البلد أبدًا، جوعونا، وقتلونا وأذلونا، حتى قتلوا فينا روح الانتماء للوطن.
قالت الأخرى: كل هذا بسبب المقاومة. المقاومة تقتل وتسرق.
قلت لها: ليست المقاومة، بل بعض من القيادات في الجيش والأمن والمقاومة، وهم لا يمثلون الأبطال في الجبهات المتواجدين على أرض المعركة.
لكنها ردت بحدة وهي تلوح بيدها بلامبالاة: كلهم سرق.
في الطريق من التربة إلى تعز، يبدو -وقد أكون مخطئة- أن المسلحين أقل مما كان في 2019، لكن مما لا شك فيه أن أعمال البلطجة زادت. إضافة إلى أعمال البلطجة من نهب أراضٍ وقتل الناس واعتقالهم، بعض الجنود في النقاط يبتزون السائقين، ويجبرونهم على دفع الأموال لهم.
ها نحن في تعز؛ مسلحون يملأون شوارعها، بيوت ومتاجر وفنادق دمرتها الحرب، قمامة، سيارات غير مرقمة، ودراجات نارية تملأ الشوارع المليئة بالحفر والمطبات.
في كل الشوارع والأسواق والحارات يكاد لا يمر يوم دون أن نسمع عن جريمة قتل أو محاولة نهب أرض، أو اشتباكات بسبب خلاف على الجبايات.
ما يحدث في تعز لا يحدث مثله في أية مدينة محررة، في عدن غير الخاضعة لسلطة الدولة، لم أشعر بقلق وعدم أمان، كما شعرت في تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة، ولو بالاسم. كيف يشعر المواطن بالاطمئنان في مدينة حوّلها من يحكمها إلى مستنقع للجريمة والبلطجة “وحاميها حراميها”، لم تأخذ فيها ضحية واحدة حقها، بل إن الضحية ترى المجرمين يسرحون بطول المدينة وعرضها دون أن يعترضهم أحد!
كل شيء في تعز غائب: الدولة ومؤسساتها وخدماتها؛ ومن الدولة لا يحضر سوى “الجباة”.
قلت له: كل هذا الغضب بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، لماذا لا تنتفضون لانتزاع حقوقكم؟ “معي جهال شقتلونا”، كان هذا رد أحد سائقي الباصات.
قبل عامين كانت شعبية الإصلاح في تعز أكثر.. اليوم الناس غاضبون!
حين ارتكبت مجزرة أسرة الحرق، كنت في تعز. كانت مجزرة حقيقية، وتكشف الوضع المخيف الذي تعيشه تعز، وحقيقة من يسيطرون عليها.
كنت قد انسقت مع واحدة من أقارب الحرق، لعمل تحقيق حول المجزرة، لكن عندما زار رجال الجيش والأمن الأسرة، وبدت خائفة وهي تبرر لهم، وأنها معتمدة عليهم في حمايتها. أدركت أن موعدي معهم سيلغى، وفعلًا تم التواصل معي، وأنهم لا يستطيعون مقابلتي ولا يريدون تسييس قضيتهم!
تواصلت مع أسرة أحد الذين قتلوا على يد الشرطة في أحد سجونها، رفضوا التحدث. المدينة فوق الفوضى الأمنية أيضًا، بعض الضحايا وذويهم يتم الضغط عليهم، وتهديدهم بألا يتحدثوا إلى الإعلام!
وبرغم هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه، إلا أن سكانها يقاومون ويكافحون من أجل لقمة العيش، ومن أجل حرياتهم الشخصية.
المدينة تضج بالحياة، المحال التجارية والأسواق مزدحمة بالنساء والرجال، الصغار والكبار، تراهم في الحدائق والمقاهي وقاعات الأعراس، الباعة المتجولون، الصغار يلعبون في الشوارع وأمام بيوتهم، في تحدٍّ للموت وللحصار والتطرف.
في مسجد مجاور للفندق الذي أقمت فيه، كان أحد الخطباء بعد صلاة المغرب، يتحدث عن تحريم سماع الأغاني، ومن ضمن ما قاله إن نفور الرجل من زوجته هو بسبب المنكر (الأغاني)، وحذر الناس من هذا المنكر. بعد أن فرغ الإمام من خطبته بدقائق قليلة، كانت مكبرات الصوت في الحارة قد بدأت تصدح بأغنية الزفة للفنان أيوب طارش.
هنا تفاصيل كثيرة تنسيك قلقك، وتطمئن قلبك، فأنت في بلدك وبين أهلك وناسك. رائحة الأرض بعد مطر الفجر، الأغنية الجديدة القادمة من عربية بائع الآيسكريم المتجول؛ رائحة الكاذي والفل والبخور، والكعك والشاي بالحليب في منزل عائلتك، أغاني أيوب طارش وأبو بكر وبعض الملالات في المقاهي والأسواق الشعبية.
هي أشياء لا تستمع بها إلا في بلدك وبين أهلك، وإن أحضرت إليك في غربتك، على العكس تشعرك بالحزن وبالغربة والحنين، لكن في بلدك الشعور يختلف، شعور بالسعادة وبالراحة.
بعد أيام أمضيتها في التجول، أحزنني وضع تعز، التي لا يبذل من يحكمها أي جهد من أجل توفير الخدمات والأمن للناس، والتخفيف من معاناتهم، بل على العكس، هم أنفسهم أدوات تخريب المدينة، وهم من يروع المواطنين، ويقلق سكينتهم.
أغادر تعز، وفي القلب غصة، أهذه تعز التي كانت ذات يوم عاصمة الثقافة؟!
ما الذي تبقى منها؟

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة