fbpx

اتحاد “الجنوب العربي”.. بذرة بريطانية تعود للنمو بعد 58 عامًا على ثورة 14 أكتوبر

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

سامي عبدالعالم

عاد مخطط “الجنوب العربي” الذي هندسته بريطانيا قبل 65 عامًا إلى الواجهة، وذلك بعد 58 عامًا على ثورة 14 أكتوبر.
يدور صراع واقتتال في جنوب اليمن حاليًا، بين المؤيدين للوحدة اليمنية ومشروع الدولة اليمنية الاتحادية من 6 أقاليم، وبين قوى أخرى تنادي بالانفصال، أبرزها وأقواها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي ينادي باستعادة وإقامة دولة الجنوب العربي. ومن ضمن الأطروحات النتداولة في أوساطه، تشكيل المحافظات الجنوبية والشرقية الـ6 في اتحاد كونفدرالي. تصورات تنبعث من المخطط البريطاني القديم نفسه، والذي سعت لندن بكل ثقلها لفرضه قبيل جلاء قواتها من مستعمرة عدن والجنوب.
فهل ينزلق اليمن مجددًا إلى حقبة الانقسام القديمة بين إمامة في الشمال ودولة الجنوب في الجنوب؟

البدايات الأولى للمخطط البريطاني

قبيل اندلاع ثورة 14 أكتوبر 1963، حاولت بريطانيا التمهيد لبديل محلي، في مرحلة شهدت جلاء الاحتلال البريطاني من عدة دول كانت تحتلها. في عدن انهمكت بريطانيا في محاولة تأليف كيان بديل باسم الجنوب العربي.
كانت مظاهر الاحتجاجات الشعبية ضد الاستعمار البريطاني، أكثر بروزًا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
وفي 27 ديسمبر 1950، شهدت المكلا في حضرموت، انتفاضة ضد عملاء الاستعمار، واحتجاجات بلغت ذروتها، عبرت عن رفض الاحتلال البريطاني.
كان جنوب اليمن في عهد الاستعمار البريطاني، قد تم تقسيمه إلى مستعمرة عدن و21 سلطنة ومشيخة وإمارة.
باشرت بريطانيا، مطلع يناير 1954، مخططها لإنشاء اتحاد الجنوب العربي، يضم مستعمرة عدن والمحميات الشرقية والغربية.
في ذلك اليوم الرابع من يناير، كان “توم هيكنبوثام” الحاكم البريطاني لمستعمرة عدن، يلقي خطابًا خلال اجتماع دعا إليه سلاطين ومشائخ محميات عدن الغربية، معلنًا عن فكرة الاتحاد.

مشروع اتحاد الجنوب العربي.. صناعة وكيل للاستعمار

كانت بريطانيا في سنوات انحسار استعمارية، وقد غادرت عدة بلدان، وتهم بالاستعداد للجلاء عن عدن والجنوب.
وكما صنعت في كل الدول التي استعمرتها وقررت مغادرتها منذ أربعينيات القرن الماضي، عملت بريطانيا على صناعة كيان بديل يكون ذراعها البديلة.
في خطابه بعدن، وبحضور عدد من السلاطين المحليين، قال المندوب السامي البريطاني توم هيكنبوتام، إن مشروع اتحاد الجنوب العربي هدفه إقامة اتحادين فيدراليين أحدهما يضم محميات عدن الشرقية، والآخر يضم محميات عدن الغربية، ومنح مستعمرة عدن وضعًا خاصًا من خلال منحها حكمًا ذاتيًا في إطار الكومنويلث البريطاني.
بينما يحتفل اليمن حاليًا بمرور 58 عامًا على ثورة 14 أكتوبر، تحيط مخاطر التقسيم بالبلد من كل ناحية، ويعود مشروع الجنوب العربي أكثر قوة مما كان عليه في مرحلة ماضية، وبقيادات جنوبية ينتمي كثير منها إلى الضالع التي كانت في الماضي من ضمن مناطق شهدت أولى نذر الانتفاضة على الاستعمار البريطاني.

اتحاد الإمارات الـ6

قبيل اندلاع ثورة 14 أكتوبر بسنوات، وفي الـ11 من فبراير 1959، تم الإعلان رسميًا عن اتحاد إمارات الجنوب العربي، وإنشاء مجلس أعلى للاتحاد كمجلس وزراء يضم ممثلًا عن كل إمارة من الإمارات الـ6 في الاتحاد، وهي سلطنات الفضلي والعواذل وبيحان والضالع والعوالق العليا ويافع السفلى. في الاعوام التالية انضمت سلطنات لحج والعوالق السفلى والواحدي ومشيخة العقارب وولاية دثينة إلى الاتحاد. وتحول اسم الاتحاد إلى اتحاد الجنوب العربي، في أبريل 1962.

مستعمرة عدن خارج الاتحاد حتى عام 1963

كانت مستعمرة عدن خارج مخطط الاتحاد الذي هندسته بريطانيا، وفي يناير 1963 انضمت مستعمرة عدن إلى الاتحاد الذي لم يدم طويلًا بعد ذلك، فبعد 8 شهور تم إعلان قيام ثورة 14 أكتوبر والإطاحة بالاستعمار البريطاني.

محميات عدن الشرقية ترفض

خارج مخطط بريطانيا، رفضت المحميات الشرقية الانضمام إلى الاتحاد، وهي سلطنات الكثيري والقعيطي والمهرة. جاء الرفض بعد ترحيب أولي، سرعان ما غيرته الخلافات حول رئاسة الاتحاد، مما عطل تأسيسه لسنوات، رغم مثابرة الإدارة الاستعمارية البريطانية لتحقيق أهدافها، واستخدامها كل وسائل الترغيب والترهيب.
وفي مواجهة العراقيل، عملت بريطانيا على إيجاد كيانات وحكام في المحميات، تابعين لها، ودعمهم لقمع أي توجهات وطنية.
كانت نذر الثورة مبكرة، وقبل سنوات، من خلال سلسلة من الاضطرابات في أجزاء متفرقة جنوب اليمن.

اغتيال “موندي” في الضالع

كان البريطاني “موندي” أحد مسؤولي الإدارة الاستعمارية في عدن. في الـ14 من فبراير 1955، قام موندي بزيارة للمستشار البريطاني المقيم في إمارة الضالع، وقد اغتيل في ذلك اليوم على يد اثنين من حراس حاكم إمارة الضالع، فرا إلى قعطبة، عقب تنفيذ العملية.
في إمارة الضالع، كانت عملية اغتيال “موندي” نذيرًا على التمردات القبلية ضد التواجد البريطاني هناك.
كانت الضالع مسرحًا لمواجهات بين الاحتلال البريطاني والقبائل، وكانت المراكز العسكرية البريطانية عرضة لهجمات قبلية أسفرت عن قتلى وجرحى. في 21 ديسمبر 1956، دشنت القوات البريطانية في الضالع، حملة ملاحقات استهدفت رجال قبائل الأزارق وهديان والأحمدي، وقبائل أخرى، في محاولة لقمع التمردات.
في فبراير 1957، سقط المركز العسكري البريطاني، واستسلم جميع أفراده، في منطقة الأزارق، بقبضة قبائل الأحمدي والأزارق والمحاربة، وتعرضت دورية بريطانية لهجوم قتل فيه جندي بريطاني، وأصيب 6 آخرون.
سارعت بريطانيا لإرسال قوات إلى منطقة الأزارق، وباشر الطيران البريطاني قصف مناطق القبائل في الضالع، لمدة استمرت 9 شهور. دمر القصف قرية الذنبة في الأزارق تدميرًا كليًا، وألحق دمارًا في عدد من القرى الأخرى. تمكنت القبائل من إسقاط طائرة عسكرية بريطانية، وقتل طيارها.
امتدت التمردات القبلية في الضالع، ليتم في أبريل 1958 فرض حصار على مركز الحرس الحكومي في رأس جبل جحاف، حيث كان يتواجد نائب المستشار البريطاني في الضالع “روي سومرست”، بعد وصوله إلى المركز، للتحقيق في حوادث جرت في الجبل الذي سيطرت عليه القبائل.

إقرأ أيضاً  كيف تتلاعب إيران بالسعودية وتعمق الشرخ مع حلفائها باليمن؟

مخطط بريطاني لتجنيس الأجانب ومنع اليمنيين عن عدن

وفي عدن كانت الإضرابات والاحتجاجات عام 1958، بسبب الغلاء وتدفق الهجرة الأجنبية إلى المدينة التي شجعتها الإدارة الاستعمارية البريطانية، على امتداد 4 أعوام منذ 1954، إذ أصدرت قانون الهجرة الذي يمنح الأجانب حق المواطنة بمجرد بقائهم في عدن بضع سنوات.
كان ذلك ضمن سياسة تغيير سكانية تهدف إلى تشجيع هجرة الأجانب إلى عدن، بينما وضعت الإدارة الاستعمارية قيودًا شديدة على دخول عدن، ركزت القيود على أبناء المحميات الشرقية والغربية لعدن، و اليمنيين من الشمال والجنوب الغربي.
ونتيجة لسياسة بريطانيا، استقبلت عدن أكثر من 80 ألف مهاجر أجنبي، خلال 3 أعوام.

قانون التعدين

لطالما كانت عدن مركز اهتمام الاستعمار البريطاني الذي جثم فيها 129 عامًا، وحاول فرض سياسات تبقي عدن في قبضته.
ومن صدور قانون الهجرة لتشجيع تدفق الأجانب إلى عدن، أصدرت الإدارة الاستعمارية قانون التعدين، لتحديد من يحق لهم حمل الجنسية العدنية وممارسة الحقوق السياسية.
بموجب هذا القانون، كان حق المواطنة مكفولًا للبريطانيين ومواطني دول الكومنويلث، وممنوعًا عن اليمنيين في الجنوب والشمال.
وعلى غرار خطتها في دول أخرى كانت تحت استعمارها، عملت بريطانيا على رعاية انتخابات المجلس التشريعي لعدن، والمكون من 23 عضوًا، منهم 11 عضوًا بالتعيين، وهي انتخابات اعتبرها البعض صورية ومزيفة.
أفرزت الانتخابات نتائج حددت الأعضاء الـ12 في المجلس، 9 منهم عرب، ونائبين عن الجالية الصومالية، ونائبًا واحدًا هنديًا. كان المجلس التشريعي يلبي مطالب أنصار تيار “عدن للعدنيين”.

احتجاجات في عدن رفضًا لضمها إلى الاتحاد

لم تلبث المدينة أن شهدت احتجاجات وتظاهرات نهاية سبتمبر 1962، رفضًا لمشروع الإدارة الاستعمارية البريطانية بضم مستعمرة عدن إلى الاتحاد الفيدرالي. جوبهت الاحتجاجات بقمع شديد من قبل القوات البريطانية.
واستباقًا لتأثير ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بالإمامة في شمال اليمن، بادرت الإدارة الاستعمارية البريطانية لإصدار دستور مدينة عدن في 19 أكتوبر 1962، وذلك لأول مرة منذ احتلالها لعدن على امتداد 128 عامًا، اندلعت ثورة 14 أكتوبر بعد ذلك بعام واحد.

جنوب اليمن يعود إلى ما قبل 14 أكتوبر

في السنوات الماضية، عاد الصراع في جنوب اليمن إلى وضعية ما قبل 14 أكتوبر 1963، وبالتحديد إلى سنوات محاولات بريطانيا لإقامة اتحاد الجنوب العربي.
حاليًا، تتصارع عدة مكونات جنوبية في سياق توجهات باتجاه الاستقلال والانفصال أو مشروع الدولة الاتحادية اليمنية.
غير أن مخطط الجنوب العربي هو البارز على واجهة الأحداث حاليًا في ما يخص المشهد الجنوبي.
والملاحظ أن المواقف في المحافظات الشرقية أقرب ما تكون إلى مواقف الماضي عندما رفضت المحميات الشرقية الانضمام لمشروع بريطانيا، بعد خلافات على رئاسة الاتحاد.
دوامة الصراع تتكرر حاليًا، غير أن أزمة الجنوب ليست منفردة، إذ يخوض اليمن كله تحديات مصيرية وغير مسبوقة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة