fbpx

إعادة الزمن للوراء في صنعاء

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – عبدالله سعد :

الزمن لا يعود إلى الوراء، لكن مشاهد الحياة اليومية في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، أعادت إحياء جروح ومواجع ومآسي عصور غابرة سببتها حروب الأئمة وصراعاتهم على السلطة في اليمن، بدعوى الحق الإلهي في الحكم، بزعم انتسابهم إلى عائلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد حكم الأئمة بهذه المزاعم منذ قدوم يحيى بن الحسين الرسي، الملقب بـ”الهادي”، العام 835، إلى صعدة، وحتى قيام ثورة الـ26 من سبتمبر 1962.

 بعد 59 عامًا على قيام الثورة التي أطاحت بالمملكة المتوكلية، آخر ممالك الأئمة في اليمن،  يعود ثالوث الجهل والفقر والمرض الذي ارتبط بحكم أسرة بيت حميد الدين، بصور أشد قتامة.

تربع الإمام يحيى حميد الدين على كرسي السلطة في صنعاء، على ما خلفه الأتراك من مبانٍ إدارية وعسكرية، ولم يفكر ببناء أي مرفق صحي أو تعليمي، بل حول المستشفى الوحيد في صنعاء إلى قصر له ولعائلته، وسماه “دار السعادة”، والذي هو اليوم المتحف الوطني المغلقة أبوابه، بجوار ميدان التحرير.

وفرضت جماعة الحوثي سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014، لتوقف صرف مرتبات المعلمين والموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بذريعة نقل البنك المركزي إلى عدن، لكنها في الوقت ذاته تجمع الجبايات السعفية والضرائب وأموال الزكاة المقتطع منها الخُمس لآل البيت (الأسر الهاشمية)، دون تقديم أية خدمات للشعب.

يعد هذا النمط من الحكم امتدادًا لحكم الأئمة الذين تشهد أضرحتهم ومساجدهم اليوم عملية ترميم ضمن مشروع لإحياء موروث الحكم السلالي العنصري بشخوصه وتقاليده ومعتقداته، على أيدي جماعة الحوثي التي تنتسب لذات المذهب والدعوى.

بناء ضريح آخر حكام الأئمة 

دفن جثمان الإمام أحمد يحيى حميد الدين، آخر حكام الأئمة الزيديين، في مسجد صغير كان يسمى الرحمة، في صنعاء، وقامت الثورة بعد أيام من وفاته، ولم يعرف جيل اليوم لقبره مكانًا، بعد تهدم الجامع، وبناء مكتب البلدية على أنقاضه، ثم تحويله لاحقًا لمبنى نقابة الأطباء، حسب مقال للصحفي معين النجري في صحيفة “الثورة” الحكومية، نشر في 27 سبتمبر 2012. وظل قبرًا بدون ضريح ولا شاهد ولا علامة تميزه، حسب مقال صحيفة “الثورة” اليمنية. لكن جماعة الحوثي قامت ببناء ضريح للإمام أحمد في الفناء الخلفي لمبنى النقابة، وأعادت بناء الجامع في 2017، وسمته جامع الرضوان بشارع جمال عبدالناصر وسط صنعاء. تظهر لوحة جامع الرضوان أن جماعة الحوثي فعلًا أعادت الزمن نحو ستة عقود للخلف. فجامع الرضوان تم بناؤه في 2017، على أنقاض جامع الرحمة، لكن اللوحة تقول إن الجامع بني في 1961 ، على نفقة آخر حكام الأئمة الزيديين، أحمد بن يحيى حميد الدين.

وفي نزول لمراسل “المشاهد “وثق عدة أماكن تم طمس هويتعا فقد أصبح اليوم جامع الرحمة الذي تحول إلى الرضوان، مسجدًا ومزارًا لضريح “الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أحمد بن يحيى بن محمد وصولاً إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب”، كما هو مدون في اللوح الرخامي على قبره  قد يكون شيئًا اعتياديًا بناء ضريح لشخص يمثل آخر حقبة تاريخية، لكن اهتمام الحوثيين بهذا الجانب له دلالة عميقة، وربما تشير بجلاء إلى إعادة تلك الحقبة التاريخية بشخوصها.

وضمن محاولة طمس معالم الحكم الذي جاء بعد ثورة سبتمبر ضد الأئمة، حولت تسمية جامع الصالح، الذي بناه الرئيس السابق علي عبدالله صالح، إلى جامع الشعب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فرضت خطابًا دينيًا موحدًا في جميع المساجد.

تفرض جماعة الحوثي فكرها ومعتقداتها ورؤيتها السياسية والاقتصادية بالقوة. ويسود شعور عارم بالإحباط والقهر والعجز لدى السكان في جميع المناطق التي تتحكم فيها الجماعة بمنطق الغلبة والسلاح .

وفي محاولة لمحو أهداف ثورة سبتمبر، والسخرية منها، أقامت تحت النصب التذكاري للجندي المجهول في ميدان السبعين بصنعاء، ضريحًا للقيادي في الجماعة صالح الصماد، الذي قتل بغارة لطيران التحالف الذي تقوده السعودية، في 2018.  وبجوار ضريح الصماد، أقامت 6 أضرحة أخرى لمرافقيه الـ6، تقابل الأهداف الـ6 لثورة الـ26 من سبتمبر، المتربعة أعمدتها السبئية على تذكار الجندي المجهول، في دلالة صريحة على العداء الذي تكنه الجماعة للنظام الجمهوري الذي أنهى حكم الأئمة. 

إقرأ أيضاً  محاولة إرباك محافظ شبوة

  تحريف الهوية الوطنية

تفرض جماعة الحوثي فكرها ومعتقداتها ورؤيتها السياسية والاقتصادية بالقوة. ويسود شعور عارم بالإحباط والقهر والعجز لدى السكان في جميع المناطق التي تتحكم فيها الجماعة بمنطق الغلبة والسلاح .

غيرت الكثير من المناهج الدراسية، وفرضت مدراء مدراس موالين لها، الكثير منهم من خارج قطاع التربية والتعليم. لقد حل شعار “الصرخة” محل النشيد الوطني، وأجبرت المعلمين والمعلمات على مواصلة التدريس مقابل نصف راتب يصرف لهم كل 6 أشهر.

وفوق ذلك، فإنها تتعامل مع المدارس كمراكز ثقافية لزرع هويتها المذهبية، وتجريف الهوية الوطنية، وتهيئة التلاميذ للالتحاق بجبهات القتال وخوض حروب الجماعة التي تعيدهم إلى مناطقهم وقراهم جثثًا ممزقة بداخل التوابيت، وتتزاحم صورهم في الشوارع والمنازل، لتتحول المدن والعزل والقرى، إلى صالات ومجالس عزاء، وقبور مفتوحة، وأعداد مفزعة من الأيتام والأرامل.

العديد من القرى في محافظات صعدة وعمران وحجة والمحويت وصنعاء، لم يعد فيها سوى المسنين والنساء. لقد انقرض الشباب في حروب الجماعة.

تكريس الطائفية

حل “أسبوع الشهيد” محل “أسبوع الطالب الجامعي”، وتغيرت أسماء عشرات المدارس والقاعات الدراسية في الجامعات الحكومية في صنعاء ومحافظات صعدة وعمران وحجة والبيضاء وإب وذمار، والتي كانت تحمل أسماء شخصيات أثرت الحياة اليمنية في عدة مجالات فكرية وأدبية وعلمية وسياسية، مثل “نشوان الحميري، والهمداني، وعلي عبدالمغني”، بأسماء قيادات حوثية ومراجع شيعية كـ”الإمام الهادي، ومالك الأشتر، وصالح الصماد، وأبو حرب الملصي”.

لا تقيم جامعة صنعاء ندوات حول الآفاق المستقبلية للتعليم العالي، أو المعرفة الرقمية. لقد انتهك الحوثيون حرمها، وعدلوا مقرراتها الدراسية، واستحل المشرفون الثقافيون للجماعة مقاعد الخبراء والباحثين والأكاديميين، لإقامة الندوات التي تكرس الطائفية، وثقافة العنف، وعدم القبول بالآخر ، وتمجيد الاقتتال.

وهذه بعض من مسميات الندوات التي نظمها الحوثيون في جامعة صنعاء: “الشهيد القائد روح الثورة وسر الثبات، الصرخة في وجه المستكبرين وتأثيرها على مستقبل الأمة،  الحياة السياسية والجهادية للرئيس الشهيد صالح الصماد، وقفات مع سيرة ومسيرة الإمام الهادي”.

ووسط هذا التجريف، يستحكم الخوف على الطلاب والطالبات من عبث الحوثيين في الجامعات الحكومية، وتبعات ذلك على مستقبل تعليمهم. ويبدي الأساتذة حيرتهم بشأن ما يتوجب عليهم فعله، وتختلط مشاعر الإحباط والخوف لدى الآباء والأمهات من تسميم عقول أبنائهم بالفكر الطائفي المتطرف، ومخاطر عدم الاعتراف بالشهادات التعليمية.

 معاناة الاستمرار في الوظيفة الحكومية

يخشى الموظفون في الوزارات والهيئات والمؤسسات والمرافق الحكومية من استبدالهم بآخرين من المناصرين لجماعة الحوثي، فيضطرون للبقاء في أعمالهم مقابل مصاريف تشغيلية لا تسمن ولا تغني من جوع، ليقتاتوا من جيوب المواطنين الذين يدفعون حتى ثمن الأوراق وأحبار الطابعات لتسيير معاملاتهم. 

كما يتنقل مشرفو الجماعة (أمني، اجتماعي، ثقافي، تربوي) في المديريات للتعبئة والتحشيد للقتال، وحل النزاعات، فيتحاشى الأهالي شرهم بذبح الأغنام والأبقار وتقديم الولائم المتبوعة بحزم أعشاب القات للمقيل، مع دعم المجهود الحربي بالمال والرجال، لتصبح الحياة في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة جحيمًا لا يطاق.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة