fbpx

في اليوم العالمي للطفولة… اليمن.. طفولة ملغومة!

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

آية خالد

حين نذكر الطفولة تتبادر إلى أذهاننا مشاعر السعادة والفرح والشقاوة واللعب والابتسامة، هذا الطبيعي للطفولة السليمة في كل العالم، لكن معذرة توقفوا معي، وتذكروا أنني أتحدث عن طفولة مسلوبة في بلد يعاني الحرب منذ 7 سنوات، في دولة جزء من أطفالها قتلى، ومنهم جرحى – مبتورو الأطراف – فاقدو إحدى العينين – من يعانون مشكلات صحية ونفسية – وآخرون يفترشون الشوارع منازل لهم، ولا ننسى المجندين في صفوف أطراف الصراع، ومن يعملون في أعمال شاقة لا تُناسب أعمارهم، تلك نبذة مختصرة عن أطفال اليمن اليوم!

عزيزي قارئ هذا المقال دعني أُرحب بك بطريقتي اليوم وبحقائق قد تجهلها، مرحبًا بك في بلد يمتلك أكثر من 3,600 طفل مجند ضمن الجماعات المسلحة، وأكثر من مليوني طفل خارج المدارس، وأربعمائة ألف طفل دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، 10,2 مليون طفل بحاجة للرعاية الصحية، 11,3 طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية، و8,1 طفل بحاجة إلى دعم تعليمي طارئ، و72.5% من الفتيات يتزوجن في سن مبكرة (دون سن 18)، وفقًا لإحصائيات منظمة اليونيسف في تقريرها للعام 2021.

كصحفية متخصصة في مجال الطفل وأعمل على بحث علمي عن “الكتابة للطفل في مناطق النزاعات” سأروي لكم قصة لأحد عينات بحثي وهو طفل يمني في الثامنة من عمره يدعي يَسلم، كان مُجندًا لدى أحد أطراف الصراع؛ فقد أحد أطرافه في إحدى الجبهات وكُسر فكه العلوي بعد أن قيل له من أبناء عمه بأنهم سيأخذونه ليقابل الله ويقول له أمنياته ليحققها له، يقول يَسلم: “كتبت أمنياتي لله بأن يمنح أبي المال الكثير ويلحقني بمدرسة أهلية كأولاد الجيران، وأن أحصل على المركز الأول هذا الترم في المدرسة؛ لتفرح أمي في قبرها وتسمح لي أختي باللعب في الشارع”.

غير يسلم الكثير؛ الطفل بشار الذي يعمل في سقاية وحفر القبور في مقبرة الشهداء بمدينة تعز، والطفلة مريم التي تساعد والدتها في تغسيل الموتى وتكفينهم، والطفل أسعد الذي يعمل في نقل الأحجار على ظهره بدلًا عن والده الأسير، والطفلة حُسن التي تعمل شغالة في إحدى المنازل، والكثير من الأطفال الذين يتجرعون حياة لا تشبههم ولا تناسب أجسامهم وأعمارهم.

كُنتُ أشعر بالفخر دومًا وأنا أحاول نقل صورة كاملة عن ضحايا الحرب، وأُكيل المديح على شعبنا اليمني وكرمه وطيبته ونخوته ورجولته، أمام زملائي المصريين وغيرهم من العرب، فيردون عليّ “لكنك دومًا تعرضين واقع الطفولة في اليمن ، وهو لا يمت لشيء مما تقولينه، أين الطيبة والنخوة وكل يوم تسفك دماء آلاف الأطفال حتى الجنين في بطن أمه لم يسلم منهم!”، لا أجد تبريرًا فأشعر بالحرج الشديد وأصمت وأتجنب الخوض بحوارات أكثر تجعلني أتألم أكثر.

إقرأ أيضاً  شائعة وصول تعزيزات للجيش في أبين

قبل عامين أجريت بحثًا حول رسومات الأطفال وتعبيرها عن واقعهم، أخذت عينة بحثية لأطفال يمنيين في الداخل والخارج، كانت النتيجة أن الرسومات عبرت عن واقعهم الأليم، البعض رسم لي منزلهم المدمر والآخر رسم سيارة تجر رجل وكتب تعليقًا بأنها “هذه لما الحوثي اعتقل بابا” والآخر رسم كرتونًا وحوله دخان وعبر عنها “هذا لغم بينفجر وبابا بيجي يمشي بالموتور وبيموت”، وطفل متواجد في الخارج رسم منزلًا كبيرًا دون تلوين وعلق عليها “هذا بيت جدي فاضي كلنا نزحنا منه”.

شعرتُ بالأسى وأنا أقدم البحث وتمالكني حزن لوضع الطفولة في بلدي، حول المستقبل الأفضل الذي نطمح أن نراه في أطفالنا، شعرتُ باليأس من السياسة القذرة التي سلبت براءة أطفالنا، صببتُ دعواتي على طرفي الصراع اللذين تسببا في قتل كل شيء جميل في هذا البلد حتى بسمات الأطفال أصبحت باهتة وقهقهاتهم خافتة ويائسة.

علميًا ونفسيًا فإن ذاكرة الطفل تبدأ تخزن مواقف من المرحلة العمرية الأولى ويتم استرجاعها في كل المراحل العمرية، هذه المواقف تتحكم بشخصية الطفل وسلوكياته وتعامله مع الآخرين، فالطفل في كل المراحل لا يجب أن تكون ذاكرته محشية بالعنف؛ حتى لا يتحول العنف كسلوك له، وصحيًا قد يُصاب بفرط الحركة والعنف والشحنات من شدة تعرضه ومعايشته للعنف، وكل الصور التي تمر على الطفل تظل محفورة في ذاكرته لا سيما المُفجعة، وتبني صورة ذهنية لكل اللحظات المشابهة، قد يصاب الطفل بمرض التوحد ويصعب علاجه بسهولة إلا إذا غادر المكان الذي وقعت فيه الحادثة، ويستغرق علاجه فترات طويلة، وقد لا تتعافى بعض الحالات.

الطفل اليمني في يومه العالمي اليوم وكل يوم بحاجة ماسة لدعم نفسي قبل الدعم المادي؛ بحاجة للهدوء النفسي والجو الأسري الطبيعي الذي يضمن له تنشئة سليمة، تغنيه عن الخوف داخل المنزل وخارجه، إنه بحاجة لصوت أناشيد الأطفال كأي طفل بالعالم، للجو المدرسي الطبيعي الخالي من الثكنات العسكرية، لفعاليات ترفيهية ومساحات مخصصة له، لا لفعاليات تأبين أحد أفراد أسرته، إنهم بحاجة إلى ثقافة المحبة والسلام، لا ثقافة القِتال والأسلحة وأنواعها، أطفالنا جميعًا بحاجة لأن تتوقف الحرب ليكونوا سندًا وعونًا لنا في المستقبل.

لا تحتفلوا باليوم العالمي للطفولة بل اكفلوا للطفل حقوقه البسيطة وهي التعليم والأمان، لا تحرموه من أحد والديه، لا تقتلوهم عِدة مرات، مرة وأنتم تحرمونهم من حقهم بالحياة، ومرات وهم يشاهدون الجثث والأشلاء، ويسمعون أصوات القصف، ويودعون أحد والديهم في ثلاجات الموتى، وآخرها وهم يسقطون ضحايا حرب لا يستفيد منها سوى تُجار حرب يقنطون وأطفالهم وأُسرهم بأمان ويتمتعون بكل حياة الرفاهية بعيدًا عن الواقع المُلغم المُميت.

× صحفية متخصصة في صحافة الطفل

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة