fbpx

عسيلة..كسر النمط التقليدي تجاه الحلاقة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
بخلاف بقية المحافظات، لا أحد في حضرموت ينظر بدونية لمهنة الحلاقة

حضرموت – محمد سليمان

“أمارس هوايتي قبل مهنتي، وإن لم أعشقها لن أبدع فيها”. بهذه العبارة بدأ زكي عسيلة، وهو مواطن من أبناء مدينة سيئون بمحافظة حضرموت (شرق اليمن)، حديثه لـ”المشاهد” قائلًا: “بدأت أمارس الحلاقة كهواية أحببتها منذ الصغر، حيث كنت أحلق لأصدقائي، تحت البيوت وفي المطاريق (الأزقَّة) وفي الساحات العامة، كان ذلك في 1997”.

عندما تنظر إليه متابعًا حركاته يسرة ويمنة كأنه يمارس هوايته مستمتعًا بأدواته كأنها أدوات فن من فنون الرسم على الوجه أو لنحت التماثيل لتخليد ذكرى أبطال من هذا الوطن الممتلئ بالبطولات اليومية كجلب الطعام أو تعبئة ليترات من الوقود أو جلب أسطوانة غاز منزلية.

الحلاقة في محافظة حضرموت، ومهن التزيين بشكل عام، مهنة لها موقعها بين الناس، ولا أحد منهم ينتقصها أو ينظر لصاحبها بدونية

“البحبوح” معلمي الأول

ويصف زكي، أحد الأشخاص الذين يمارسون مهنة الحلاقة، وهو أمين عاشور البحبوح، بأنه معلمه الأول، إذ يمتاز بجمال تعامله وتعليمه، صبورًا متحملًا هفواته في بداية مشوار تعلمه، فيواصل عسيلة حديثه: “كنت أنظر إلى كل ما يفعله معلمي البحبوح في بداية الأمر، وألتقط منه كل تفاصيل الحرفة منذ بدء تنظيف المحل، وكرسي الحلاقة، إلى أن يجلس الزبون عليه، ثم ربط الستارة حول عنقه، وتنظيف الشعر بالماء وتسريحه، وتعقيم أدوات الحلاقة”، مضيفًا أنه تعلم من معلمه البحبوح حتى طريقة الإمساك برأس الزبون بلطف، وكيفية وضع المقص مع المشط في حركات سريعة انسيابية، مع تبادل بعض الأحاديث البسيطة أحيانًا، ومناقشة قضايا ومشكلات شخصية للزبائن في أحيان أخرى، والاستماع الفن الأبرز في مناقشة الحلاق مع زبونه.

مهنة محترمة

الحلاقة في محافظة حضرموت، ومهن التزيين بشكل عام، مهنة لها موقعها بين الناس، ولا أحد منهم ينتقصها أو ينظر لصاحبها بدونية، وإنما مكانة من يمارسها هواية أو مهنة أو حرفة، محترمة في المجتمع الحضرمي، وقد مارستها فئات اجتماعية مختلفة، إذ إن تقدم الزمن جعل من الحلاقة تتطور من حيث انتشار الصالونات والتفنن في ديكوراتها لجذب الزبائن، واختلاف أدواتها لقصّات الشعر وتجميل الوجه باستخدام البخار ومستحضرات التبييض، فلم تعُد الحلاقة هواية كما كانت قبل ربع قرن، بل صارت حرفة أمان من الفقر، وتدر مبالغ مالية، وتتكفل بأسر ومنازل.

طبقية على أساس المهنة

الطبقية في المجتمع العربي أمر متأصل، كما هي متأصلة بالتعامل الاجتماعي للناس منذ القدم، ولكن الطبقية على أساس المهنة ظهرت باليمن مؤخرًا، وبالتحديد في زمن الإمامة الهادوية، كما يرى الكاتب في المجال السياسي، منصور الصمدي، إذ يقول في حديثه لـ”المشاهد”: “عندما أتى الإمام القاسم بن محمد، وفكر في تقسيم المجتمع اليمني إلى فئات (السادة أبناء البطنين، ثم القضاة، ثم المشائخ، ثم المزارعين، ثم التجار)، ثم يأتي بعدهم فئة الحرفيين الذين اعتبرهم بلا أصول، وهم: (الجزارون، والحمامون، والدواشين، والحلاقون)، وكان هدفه من خلال ذلك إشعار أصحاب الأصول بأنهم يتميزون عن الحرفيين الذين لا أصول لهم.

إقرأ أيضاً  هل تم تأجير "منتزه التعاون" بتعز لمستثمر؟

كما قسم الإمام القاسم اليمن إلى قسمين، نستطيع أن نقول القسم العسكري، ويتكون من “حاشد وبكيل”، والقسم الآخر الزراعي، ويتكون من “أهل السنة أو مذهب الشافعي والحنفي والحنبلي”، وخصوصًا الشافعي.. وهذا التقسيم كان الغرض منه إيجاد منطقة عسكرية قوية تحمي الإمامة، ومنطقة زراعية تُموِّن هذه القوة، واستمرت الإمامة على هذا الأسلوب تضعف أحيانًا وتقوى أحيانًا أخرى، إلى أن سقطت في 26 سبتمبر 1962، وقام النظام الجمهوري على أنقاض الإمامة.

الطبقية على أساس المهنة تتركز في مناطق شمال الشمال مثل محافظات صنعاء، عمران، ذمار، المحويت، حجة، ريمة، وصعدة، فيما تقل كلما اتجهت وسط وجنوب اليمن، فهي تقل بقوة أكثر في مناطق الوسط، وهي: البيضاء، إب، تعز، الحديدة، مأرب، والجوف، وتنتهي في كافة مناطق الجنوب اليمني، وبالأخص بمحافظة حضرموت.

وتبرز بسبب هذه الفكرة ممارسات عنصرية كثيرة تجاه هذه الفئة، منها عدم التزاوج معهم ولا مجالستهم، ويكمن خطر هذه الممارسة، كما يرى أستاذ علم النفس الدكتور عبدالمجيد عبدالله، في ضررها النفسي على هذه الفئة، منها الانهزام النفسي لهذه الطبقة، فيرفض الكثير منهم الانخراط في التعليم، حيث تولدت لديهم فكرة أنهم من الواجب عليهم العمل بعمل أهلهم، فابن الجزار جزار، وابن الحلاق حلاق، كما يعاني أطفال هذه الفئة من التنمر المستمر من قبل الآخرين، فيتم مناداتهم بألفاظ مثل “يا ابن المزينة”، وتقل مخالطتهم من قبل أقرانهم من الفئات الأخرى خوفًا من المعايرة بهذا.

مشروع خاص

بعد 3 أعوام من بداية عمله في مجال الحلاقة، وبالتحديد عام ١٩٩٩، انتقل زكي عسيلة إلى السوق العام بمدينة سيئون، في محل محفوظ رجب باصبيع، بعد تقديم عرض له بافتتاح صالون والعمل فيه مع زميله حيمد (رحمه الله)، استمر في العمل بصالون باصبيع ما يقارب 3 سنوات، ومن ثم استقل بذاته في صالون خاص به بالقرب من كلية البنات بمريمة، كان ذلك عام ٢٠٠٢، ومازال يعمل فيه إلى يومنا هذا.

وفي حديثه عن أجمل المواقف التي صادفته أثناء سنوات ممارسته لمهنة الحلاقة الـ25، قال مبتسمًا: “حلاقتي لمعلمي الأول أمين عاشور البحبوح ليلة زواجه”.

وكسب الحلاق زكي عسيلة محبة الكثير من الزبائن، بحسب أحاديث مواطنين من أبناء المنطقة لـ”المشاهد”، إذ يقولون إنه في أي وقت تمر من أمام صالونه المتواضع، ترى بداخله زبائن، البعض يأتي إليه من مدينة سيئون، والقرن، والسحيل، بل من مناطق تاربة، وبور، والقطن، ومنهم من يأتي من ساحل حضرموت لغرض ما، فلا مناص أن يحلق ويتزين في صالون عسيلة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة