fbpx

ثقافة شبوة تنفض غبار الحرب

شبوة – عدنان المنصوري:

صارت القاعتان الرئيسيتان من مبنى المركز الثقافي، فارغتين إلا من قصاصات ورق خلفها المعرض، لم تعد الجدران والطاولات مغطاة بالمئات من الكتب، وراحت الرياح تصر في نوافذ القاعتين المغلقة، واختفى مئات الزوار الذين يقصدون معرض شبوة للكتاب 2022 يوميًا لشراء الكتب على مدى 10 أيام متوالية من شهر مارس الجاري.

قبل ذلك، عرضت 15 دار نشر محلية وعربية عشرات آلاف الكتب في المعرض، قالت الهيئة العامة للكتاب فرع محافظة شبوة، جنوب شرقي اليمن، وهي الجهة المنظمة لـ”معرض شبوة للكتاب 2022″، إنها تجاوزت 25 ألف عنوان لأول مرة في تاريخ معارض الكتاب في المحافظة. وفتح المعرض أبوابه للزوار من 5 مارس الجاري لفترتين صباحية ومسائية، حتى الـ15 من الشهر نفسه، وفقًا لعبد ربه البرمة، نائب مدير الهيئة.

في منتصف باحة مبنى المركز الثقافي بالعاصمة عتق، نصب البرمة طاولة عرض عليها إصدارات الهيئة المتعلقة بمحافظة شبوة، ومنها كان يتابع سير العمل في المعرض، وفي حديث خاص لـ”المشاهد”، قدر أن يصل إجمالي عدد زوار المعرض خلال فترة انعقاده، إلى 10 آلاف زائر، وحصد مبيعات تصل إجمالًا 12 مليون ريال، في سابقة نوعية لم تشهدها معارض الكتاب في محافظة شبوة.

نفض غبار المعركة

يأتي المعرض في إطار الحركة الثقافية النشطة التي تشهدها محافظة شبوة، رغم أن المحافظة والبلاد كلها لم تخرج بعد من نفق الحرب الذي علقت فيه منذ 8 سنوات، ولم يفصل انعقاد “معرض شبوة للكتاب 2022” عن المعركة التي شنتها الحكومة المعترف بها دوليًا، مسنودة بطيران “التحالف العربي”، بقيادة السعودية، ضد مقاتلي جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وأخرجتهم بها خارج حدود محافظة شبوة، إلا 55 يومًا، ويشير ذلك إلى سرعة عملية تطبيع الأوضاع بعد المعركة، ورغبة المجتمع في المحافظة بإلقاء الحرب خلف ظهورهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية، وفقًا لزوار المعرض.

وفي الأول من يناير الماضي، انطلقت عملية عسكرية أطلق عليها “إعصار الجنوب”، لقوات من ألوية العمالقة التابعة للتحالف العربي، بمشاركة وحدات من قوات الجيش في المحافظة، وأعلن أنها تستهدف “تحرير” مديريات “بيحان- عسيلان- عين”، من قوات جماعة الحوثي التي سيطرت عليها في سبتمبر 2021، واستمرت هذه العملية حتى إعلان انتهائها ونجاحها في تحقيق أهدافها في الـ10 من يناير الماضي، من قبل محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي.

نمو مضطرد للقراء

خلال السنوات الأخيرة الماضية، شهدت محافظة شبوة 3 معارض للكتاب، وخلال تلك المعارض لوحظ حدوث زيادة مستمرة في إجمالي المبيعات وعدد العناوين ودور النشر المشاركة.

وكان أولها معرض شبوة للكتاب 2018، الذي أقامه فريق “شبوة تقرأ”، بالتعاون مع مكتب الثقافة ومتجر “بوك تايم” لبيع الكتب. وبحسب مكتب الثقافة فقد ضم المعرض 250 عنوانًا، وعرض فيه حوالي 600 كتاب، وبلغ إجمالي مبيعاته 800 ألف ريال يمني.

والعام التالي عُقد معرض شبوة الثاني للكتاب، بتنفيذ مكتب الثقافة في المحافظة، واستمر 9 أيام انطلاقًا من 21 سبتمبر، وشاركت فيه دارا نشر عربيتان و7 من دور النشر المحلية، وضم 1200 عنوان، وحقق إجمالي مبيعات يصل إلى مليون ريال يمني.

وفي 22 نوفمبر 2020، نظم مكتب الثقافة معرض شبوة الثالث للكتاب، واستمر 8 أيام حتى الـ29 من الشهر نفسه، وبحسب الجهة المنظمة فإن المعرض قد ضم 2741 عنوانًا، وشاركت فيه 6 من دور النشر، 3 منها عربية والبقية محلية، وحقق إجمالي مبيعات وصل إلى 4 ملايين و500 ألف ريال.

وفي زمن الحرب في اليمن، ازدهرت الحركة الثقافية في محافظة شبوة، واتجهت إليها الأنظار أكثر من مرة مع انعقاد كل نشاط ثقافي تنجح فيه المحافظة في ظل الركود العام الذي تشهده مختلف المحافظات اليمنية الأخرى في الجانب الثقافي نتيجة الحرب.

انطلاقة قوية

لملم فريق “معرض شبوة للكتاب 2022” أثاث المعرض، بإشراف خالد فرج، مدير عام فرع الهيئة العامة للكتاب في المحافظة، ليحل مكانه محمد سالم الأحمدي، مدير عام مكتب الثقافة، يجري التحضيرات لانعقاد مسابقة “شاعر شبوة” في نسختها الثالثة، والتي سيعلن عن انطلاقها في وقت لاحق من شهر مارس الجاري.

وعُرف الأحمدي بأنه عرّاب “الحركة الثقافية الشبوانية” ورجلها الأول، هذه الحركة التي انطلقت من عقالها بصورة غير مسبوقة بعد حوالي عام مضى على تعيين الرجل الشاعر والمثقف، في 27 ديسمبر 2016، مديرًا عامًا لمكتب الثقافة في المحافظة.

شكل العام 2018 ميلاد الحركة الثقافية التي تشهدها المحافظة، ففي 17 يناير من العام نفسه، بدأ فريق المسرح التابع لمكتب الثقافة تدريبات لأعضائه على فنون الأداء والإعداد والكتابة المسرحية، وكان ذلك باكورة الأنشطة الثقافية التي شكلت قوام ما نطلق عليه اليوم “الحركة الثقافية في شبوة”، وفي 26 فبراير عقد “منتدى بيت الموسيقى” أولى جلساته الغنائية، وهو منتدى يتبع مكتب الثقافة، ويهتم بتوثيق أنواع الفنون الغنائية في محافظة شبوة، ويشرف عليه الشاعر خالد بن فهيد والفنان محمد سالم الحباني، واستطاع عقد 8 جلسات غنائية بواقع جلسة كل أسبوع، وثق خلالها أنواعًا من الفنون الغنائية المهددة بالاندثار.

ولأن عام 2018 كان عام البدايات، انطلق في 6 أبريل منه “مهرجان شبوة غير للمرأة والطفل”، واستمر لمدة يومين، وصف حينها في المحافظة بأنه “نزهة جماعية” للأسرة الشبوانية التي خرجت من رحم الحرب، ولم يمضِ حوالي شهر على ذلك إلا وأعلن في 19 مايو، عن انطلاق الحلقات الجماهيرية من “مسابقة الصريمة للإنشاد”، بإشراف وتنفيذ مكتب الثقافة، وكانت أول فعالية من نوعها تشهدها المحافظة، واختتمت في 5 يونيو من العام نفسه.

ولما كان العام يوشك على الانقضاء، كان الشاب ناصر شريفان، من فريق “شبوة تقرأ” التطوعي، أنهى مع الفريق الترتيبات اللازمة لإقامة أول معرض للكتاب تشهده محافظة شبوة، بالتعاون مع مكتب الثقافة ومتجر “بوك تايم” لبيع الكتب، استمر المعرض لمدة 3 أيام من 11
إلى 13 سبتمبر، وضم حوالي 250 عنوانًا.

وكان مسك ختام العام “مهرجان شبوة الأول للتراث والفنون”، الذي انطلق في 9 ديسمبر. وشكل المهرجان أضخم فعالية ثقافية تشهدها المحافظة في حينه، وكان تظاهرة ثقافية تراثية متكاملة، وعرض خلاله التراث والعادات والتقاليد وفنون الغناء والرقص وأصناف شتى من الموروث الشعبي والمنتجات المحلية والحرف اليدوية والأكلات الشعبية، وعرض فيه الشباب إبداعاتهم في التصوير والرسم والكتابة.

خطوات إلى الوراء

حل العام التالي 2019، وكانت الأرضية الثقافية قد استوت، وكان عامًا آخر من النشاط والعمل، ومنذ البداية في التاسع من فبراير، توسط محمد سالم الأحمدي المشاركين في منصة الأمسية الشعرية التي أقامتها منظمة التعاون الإسلامي في العاصمة المصرية القاهرة، وكان ممثلًا عن اليمن في تلك المناسبة.

إقرأ أيضاً  الكلاب الضالة.. موت يتربص بأطفال اليمن

واتباعًا للتقاليد الثقافية التي بدأت تترسخ، وعلى غرار العام السابق 2018، افتتح مكتب الثقافة “معرض شبوة الثاني للكتاب”، في 21 أبريل 2019، واستمر حتى الـ30 من الشهر نفسه، بزيادة ملحوظة عن العام السابق. وفي ذلك العام نظمت النسخة الثانية من مسابقة “منشد شبوة”، وتحول اسمها من “مسابقة الصريمة للإنشاد” إلى اسمها الجديد “منشد شبوة الموسم الثاني”، وانطلقت في 16 مايو، لتختتم في الـ22 من الشهر نفسه.

وشهد النصف الثاني من العام 2019 تراجعًا ملحوظًا في النشاط الثقافي في محافظة شبوة، ويعزى ذلك إلى تراجع حالة الاستقرار في المحافظة، نتيجة القتال الذي اندلع في أغسطس من العام نفسه، بين قوات الجيش التابع للحكومة برئاسة الرئيس هادي من جهة، وقوات “النخبة الشبوانية” التي أسسها التحالف العربي بغرض مكافحة الإرهاب في المحافظة، وقوات متحالفة معها تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة أخرى.

وكان ذلك القتال أفضى إلى سيطرة القوات الحكومية على محافظة شبوة، وهزيمة القوات الأخرى التي كانت تتقاسم معها السيطرة على المحافظة.

استعادة التعافي الثقافي

مع عودة الاستقرار مجددًا إلى المحافظة، عاد النشاط الثقافي، ومن أول العام 2020، حيث كانت البداية مدوية من خلال تقديم نسخة ثانية للتظاهرة الثقافية الكبرى في المحافظة “مهرجان شبوة الثاني للتراث والفنون”، ففي 20 يناير انطلق المهرجان، وأضيف إلى هذه النسخة مزيد من التعديلات، كانت القرية “التراثية” قلب المهرجان، وهي نسخة مقربة للبيت الشبواني القديم بأثاثه ومقتنياته، بالإضافة إلى ذلك اشتمل على عدة معارض وأجنحة للموروث الشعبي والأزياء التقليدية والصناعات الحرفية والأكلات الشعبية، وأقيمت خلاله فعاليات للغناء والرقص و”السمرة”، وهي فن شبواني تقليدي يجمع الرقص والغناء والشعر في وقت واحد. وعلى هامش المهرجان أعيد افتتاح “متحف عتق” الذي أغلق بسبب الحرب.

انطلاق مسابقة “شاعر شبوة” لأول مرة في تاريخ المحافظة، وفتح المجال لاستقبال طلبات المشاركة التي وصلت إلى 120 طلبًا، وفي 20 أبريل 2020 انطلقت المسابقة جماهيريًا، وفي نهايتها توج بلقب “شاعر شبوة” الشاعر حارث بن ضباب

وفي الوقت الذي كان يسدل ستار النهاية على مهرجان شبوة الثاني للتراث والفنون، كان المنظمون يضعون اللمسات الأخيرة ليفتتحوا النسخة الخامسة من “مهرجان التراث والموروث الشعبي” في مديرية عسيلان (شمالي غرب المحافظة)، وذلك في 28 فبراير 2019، وما ميز هذا المهرجان عن غيره هو تنظيمه لمسابقات الفروسية والهجن للفرسان في وسط الصحراء وأمام أعين الجماهير.

وما يحسب لعام 2020 من الإبداع في الأنشطة الثقافية، هو انطلاق مسابقة “شاعر شبوة” لأول مرة في تاريخ المحافظة، وفتح المجال لاستقبال طلبات المشاركة التي وصلت إلى 120 طلبًا، وفي 20 أبريل 2020 انطلقت المسابقة جماهيريًا، وفي نهايتها توج بلقب “شاعر شبوة” الشاعر حارث بن ضباب (21 عامًا) من مديرية جردان (شرقي المحافظة)، وتحولت هذه المسابقة لاحقًا إلى برنامج تلفزيوني عرض على قناة اليمن الفضائية.

وفي النصف الثاني من العام، أقيمت النسخة الثالثة من “معرض شبوة للكتاب” الذي استمر خلال الفترة من 22 إلى 29 نوفمبر، وعلى هامش هذا المعرض أقيم المؤتمر العلمي الثالث “شبوة تاريخ وحضارة”، وناقش خلاله الباحثون من جامعات عدن وحضرموت وأبين ومركز حضرموت للدراسات والأبحاث، 24 ورقة بحثية تناولت زوايا متنوعة من تاريخ المحافظة، ونظمه مركز عدن للبحوث والدراسات التاريخية والنشر.

خطوة إلى الأمام

يبدأ العام 2021، ويظهر معه الجديد في النشاط الثقافي في محافظة شبوة، وتتقدم به الحركة الثقافية خطوة في مسار تطورها، واختص العام بإقامة مسابقة شبوة للقصة القصيرة لأول مرة في تاريخ المحافظة، والتي فازت بجائزتها القاصة علية علي نسعان، بعد أن تجاوزت منافسيها في المسابقة، والبالغ عددهم 82 مشاركًا/ة.

وقبل ذلك نظم مكتب الثقافة في المحافظة النسخة الثانية من مسابقة “شاعر شبوة” التي انطلقت تصفياتها في 6 يوليو 2021، واختتمت في 20 أغسطس. ويقول مدير عام مكتب الثقافة، وهو المشرف على المسابقة، إن “نسخة 2021 تميزت بأن المشاركين فيها أغلبهم من ذوي المستوى العالي في الشعر”.

وسيرًا على التقاليد الثقافية مرة أخرى، انطلقت نسخة جديدة من “مهرجان شبوة الثالث للتراث والفنون”، في 21 مارس، وتميزت هذه النسخة بعرض أول أوبريت محلي في المحافظة، بعنوان “أوبريت مواسم الخير”، وهو من إنتاج مكتب الثقافة في محافظة شبوة.

وفي النصف الثاني من عام 2021، عادت التوترات مجددًا إلى محافظة شبوة، في ظل الخلافات التي نشبت بين المحافظ السابق محمد صالح بن عديو، من جهة، وقيادة التحالف العربي في اليمن والمجلس الانتقالي وأنصاره من جهة أخرى، والتي انتهت بإقالة بن عديو، وتعيين عوض بن الوزير العولقي بدلًا عنه، بالإضافة إلى عودة قوات جماعة الحوثي إلى تجديد سيطرتها على 3 مديريات غربي المحافظة.

ورغم ذلك، إلا أن العام اختتم ثقافيًا على إيقاع القوافي بأمسية شعرية أقيمت في 20 ديسمبر، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية.

بانتظار المزيد

استقبلت الساحة الثقافية في محافظة شبوة، العام الجديد 2022، وهي متوجسة ومترقبة في وقت واحد، بعد الأحداث الدرامية التي انتهى بها العام الماضي، وخلال ذلك أعلن فرع الهيئة العامة للكتاب عن إقامته معرضًا جديدًا للكتاب، والذي انعقد خلال شهر مارس الجاري، لتعود الأنظار من متابعة تطورات الحرب في المنطقة الغربية من المحافظة، إلى متابعة أعمال المعرض، واستردت به المحافظة أنفاسها مجددًا.

ورغم أن المعرض قد أغلق أبوابه، إلا أن المثقفين في محافظة شبوة مازالوا ينتظرون المزيد من الأنشطة الثقافية لتلي المعرض. وبحسب تصريح مدير عام مكتب الثقافة في شبوة محمد سالم الأحمدي، فإن النسخة الثالثة من مسابقة “شاعر شبوة” ستكون هي التالي، وعلى ما يبدو فإن صخب عشاق الثقافة سيعود من جديد إلى مبنى المركز الثقافي، بعد أن اختفى منه بختام معرض الكتاب.

وتعد محافظة شبوة ثالث أكبر محافظة في اليمن من حيث المساحة، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 470 ألف نسمة، وفقًا لتقديرات مكتب الإحصاء في المحافظة، وكانت احتضنت على أرضها تاريخيًا عواصم 3 من الممالك اليمنية القديمة، لذلك تعتبر شبوة محافظة غنية حضاريًا وثقافيًا، وتتمتع بتنوع وثراء موروثها الشعبي.

مقالات مشابهة