fbpx

“صفقة  صافر”..قنبلة جديدة للمناورة

لا يضمن الإتفاق الموقع التنفيذ حتى تأمين الموارد المالية اللازمة

الحديدة – وضاح الجليل

بعد سبع سنوات من المناورات، ندوات، زيارات أممية وحراك دولي على مستوى مجلس الأمن الدولي، وقعت الأمم المتحدة مع جماعة الحوثيين مطلع مارس 2022  “مذكرة تفاهم” بشأن خزان صافر العائم قبالة ميناء  رأس عيسى النفطي في البحر الأحمر.

يأتي الاتفاق بعد فشل محاولات الأمم المتحدة إقناع الحوثيين السماح لفريقها الفني بالوصول إلى السفينة لتقييم الخزان العائم وإجراء الصيانة اللازمة.

اتفاقا وصفه الأستاذ الجامعي في كلية علوم البحار والبيئة بالحديدة باليمن، عبدالقادر الخرزا “بالكارثي” كون الاتفاق في نهاية المطاف  يسلم سفينة أخرى لجماعة الحوثي للتحكم بها إلى جانب “صافر”

بدون صيانة منذ 2015، يمثل تسريب سفينة صافر المحتمل تهديدا بيئا واقتصاديا واسع النطاق يصل إلى أربعة أضعاف كارثة إكسون فالدز الأمريكية في 1989.

“ما حدث ليس سوى كارثة يتم استبدالها بكارثة أخرى، سيصبح لدى الحوثي رهينتان بدلًا عن رهينة واحدة”، هكذا يلخص الباحث عبدالواحد العوبلي مذكرة التفاهم الموقعة بين الحوثيين والأمم المتحدة في الخامس من مارس 2022.

نسخة متداولة لمذكرة التفاهم بشأن خزان صافر

وبحسب نسخة وثيقة مذكرة التفاهم المتداولة، تنص على إفراغ خزان النفط العائم قبالة ميناء رأس عيسى، شمال مدينة الحديدة إلى خزان أخر بديل “بشكل مؤقت”.

التفاهم الذي حدث بين الأمم المتحدة والحوثيين بشأن خزان صافر لا يفصح عن مصير 1.1 مليون برميل نفط خام بعد نقله من صافر إلى السفينة الأخرى. كمان أن مصير صافر نفسها مجهولا في الاتفاق المعلن بين الحوثيين والأمم المتحدة.

سفير هولندا لدى اليمن بيترديرك هوف في حديث نقلته عنه  صحيفة ناشيونال الإماراتية في 24 مارس 2022 يقول أن تكلفة نقل حمولة سفينة صافر إلى سفينة أخرى أقل بكثير من تكلفة تنظيف التسريب المقدر بحوالي 20 مليار دولار.

ومع ذلك فإن تكلفة النقل من سفينة إلى سفينة تتطلب ملايين الدولارات حسب حديث السفير الذي يقول أن المشروع لن يكون قابلا  للتنفيذ حتى يتم تأمين الموارد اللازمة للإتفاق. فحتى الآن لا تضمن هذه المذكرة تنفيذا على الأرض حتى إتمام حشد الموارد اللازمة، حد حديث السفير.

تشير الكثير من التفاصيل حول قضية الناقلة أو الخزان صافر؛ إلى أن ثمة تلاعبًا على مستويات كبرى، وتبدو الأمم المتحدة أحد المتماهين مع هذا التلاعب.  فالتفاهم الذي حدث بينها وبين الحوثيين بهذا الشأن لا يفصح عن مصير 1.1 مليون برميل نفط خام بعد نقله من صافر إلى السفينة الأخرى. كمان أن مصير صافر نفسها مجهولا في الاتفاق المعلن بين الحوثيين والأمم المتحدة.

المذكرة الموقعة تتضمن أربعة بنود فقط وبصياغة خالية من الدقة الإلزامية، ما يسهل تفسير تلك البنود على مزاج الحوثيين والتنصل من التنفيذ، والأسوأ من هذا، إخلاء الحوثيين من المسؤولية تمامًا، وظهور الأمم المتحدة كطرف وحيد في التنفيذ بدون أي إلتزامات أو شروط على طرف الحوثيين.

تغييب الحكومة

وإلى جانب كل هذا، فإن الحكومة اليمنية، بوصفها صاحب الحق السيادي في هذه القضية وممثلة المجتمع اليمني؛ غُيبت عن هذه المذكرة، وتم تجاهلها تمامًا، ولم يصدر عنها موقف رسمي سواء بالموافقة أو الرفض، باستثناء بعض التصريحات الإعلامية لبعض المسؤولين، والتي لم تكن بمستوى التفاعل مع الحدث.

سيحتفظ الحوثيون بسفينة صافر، وستكون إلى جانبها باخرة أخرى قد يعملون على احتجازها أيضًا، وبالتالي زيادة المخاطر، وامتلاك أداة أخرى لاستخدامها في تحقيق مصالحهم على حساب اليمن وأراضيها وسواحلها.

وبرغم أن المذكرة تجاهلت الحكومة تمامًا، ولم تتضمن أي تفاصيل فنية أو شروط مهنية؛ إلا أن مسؤولين حكوميين ذكروا أنها جاءت استجابة للحلول والمقترحات التي قدمتها لجنة الطوارئ الحكومية العليا إلى الأمم المتحدة، بشأن الأزمة، وأن أهم المقترحات كانت تفريغ محتويات خزانات السفينة، كأقل الحلول أضرارًا، وأفضل ما يمكن عمله حاليًا، وأن الحوثيين وافقوا على هذه المقترحات.

وفي حين لم ترد في مذكرة التفاهم أي تفاصيل عن آلية التفريغ؛ ذكر مسؤول حكومي أن هناك اتفاقات مع شركات نقل بحري أوروبية خاصة بناقلات النفط، وتوفير سفينة أخرى ونقل النفط من خزان صافر إليها، ثم بيعه لاحقًا وفق ترتيبات معينة في مرحلة تالية، وألمح إلى أن الحكومة تتوقع وجود غموض وبنود غير واضحة في مذكرة التفاهم المليئة بالعموميات، دون توضيح سريان عملية التنفيذ بشكل جلي وواضح.

أداة جديدة للإبتزاز

وأكد الباحث العوبلي أن الأمم المتحدة، ومن خلال الإعلان عن مذكرة التفاهم؛ تحاول القول إن الحوثيين وافقوا على إنهاء أزمة السفينة، في حين أن ما حدث هو العكس، وسيحتفظ الحوثيون بالباخرة، وستكون إلى جانبها باخرة أخرى قد يعملون على احتجازها أيضًا، وبالتالي زيادة المخاطر، وامتلاك أداة أخرى لاستخدامها في تحقيق مصالحهم على حساب اليمن وأراضيها وسواحلها، وأن هذا الاتفاق يشير إلى وجود فساد دولي كبير وانعدام مسؤولية في التعاطي مع قضية مصيرية بهذا المستوى البيئي والاقتصادي، وقال “إن مسؤولي الأمم المتحدة يستفيدون من استمرار الأزمة، وليس من مصلحتهم انتهاؤها.”

إقرأ أيضاً  قلعة في الهواء: ارتحال شاق لجبل "بَلْق" في رَيْمة

الصيانة قبل التفريغ

الحل الوحيد لأزمة الناقلة حسب العوبلي، هو سحبها إلى أقرب ورشة وميناء جاف لصيانتها، ومن ثم البدء بتفريغها، أما إفراغها بدون إجراء الصيانة؛ فقد يؤدي إلى انهيارها أو أجزاء منها نتيجة الضغط.

وفي هذا الصدد، ينبه أستاذ التقييم البيئي في جامعة الحديدة ورئيس مركز الخراز للاستشارات البيئية الدكتور عبدالقادر الخراز، إلى أنه في حال لم يحدث هذا الانهيار؛ فإن كميات من النفط والترسبات الكربوهيدراتية التي تكونت طوال السنوات الماضية، ستبقى في السفينة، ما يجعلها مصدر تهديد وقنبلة محتملة، وستشكل مع السفينة الأخرى قنبلتين موقوتتين وسلاحًا بيد الحوثي.

ويقول الخراز “إن المذكرة التي تم تسريبها لم تحدد الإجراءات المتبعة لتفريغ السفينة، ولم تحدد المسؤولية في حالة حدثت كارثة أثناء التفريغ، وما الإجراءات المتبعة لتلافيها، أو معالجة الآثار الناجمة عنها، وأن الحوثي هو الرابح من هذا الاتفاق، وقد تم إخلاء الحوثي من المسؤولية برغم استخدامه السفينة كسلاح للابتزاز خلال سبع سنوات.”

ووصف الاتفاق بالكارثي واللامجدي، مفضلًا دفع ثمن النفط الموجود في الخزان صافر إلى الحوثي مباشرة مقابل إنهاء الأزمة إذا كان ذلك ممكنًا، حيث الحوثي أعلن عدة مرات رغبته في بيع النفط الموجود على الناقلة والاستفادة من ثمنه.

بيع النفط لصالح الحوثيين مقابل تفادي الكارثة

وبحسب الخراز؛ فإن تسليم مبيعات النفط في الخزان المتهالك برغم ما فيه من رضوخ للحوثي؛ إلا أنه أهون من استمرار الخزان سلاحًا بيد الحوثي، أو وقوع الكارثة. ويقول: “لم تقدم المذكرة تقييمًا شاملًا للآثار البيئية لتفريغ هذه الناقلة، وحدود المسؤولية، ويبدو من صياغتها أن الاتفاق لم يشارك في صياغته خبراء متخصصون في مثل هذا النوع من الأزمات، أو الخبراء البيئيون؛ خصوصًا وأن القضية تتعلق بالأمن الغذائي والاقتصادي والمخزون السمكي، واستدامة الموارد والثروات البحرية المختلفة لليمن”.

وكانت ندوة على منصة “زوم” عقدها مركز الخراز للاستشارات البيئية الذي يرأسه ويديره الدكتور عبدالقادر الخراز، في 12 مارس 2022 خلصت إلى أن مذكرة التفاهم بين الحوثيين والأمم المتحدة غير واضحة، ولم يرد في بنودها الأربعة ما يشير إلى وقوف مختصين وخبراء حول الاتفاق، ولم تنتهج الأسلوب العلمي الأمثل لمثل هكذا قضايا، مع إهمال حكومي واضح، وقصور في تعاطي الحكومة مع الحدث، وهذا يعود إلى ضعف الحكومة وفشلها وعدم امتلاكها القرار السيادي، وتفشي الفساد والانتهازية في جسدها المهترئ.

رابط مخرجات ندوة مذكرة التفاهم حول صافر

ووجه بعض المتحدثين الاتهامات للحكومة بمحاولة تقليد الحوثيين في استخدام الابتزاز وسيلة للتعاطي مع هذه الأزمة، ووقوعها في هذا الفخ بدون وعي أو مسؤولية، وقصور تعاطيها على الأمم المتحدة التي اتهموها بالفساد والإسهام في تفاقم الأزمة وإتاحة الفرصة للحوثيين لممارسة ألاعيبهم.

واستغربوا من فشل الحكومة في التعامل مع الأزمة باعتبارها تهم جميع دولة المنطقة المطلة على البحر الأحمر، بل ودول العالم، ولفت أنظار الجميع إلى الكارثة المحدقة، لتوسيع المشاركة في البحث عن حل للأزمة، وزيادة الضغط على الحوثيين وتحميلهم المسؤولية الكاملة.

وطالبت الندوة بتشكيل رأي عام محلي وإقليمي وعالمي للضغط على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمحيط العربي والإقليمي للتدخل بجدية، ووقف الممارسات الحوثية، والبحث عن حل حاسم وسريع قبل وقوع الكارثة.

وبرغم أن المتحدثين الرئيسين في الندوة، وهما العوبلي والخراز؛ توصلا إلى أن تنفيذ ما ورد في مذكرة التفاهم لن يكون حلًا للأزمة؛ بل مفاقمة لها؛ إلا أنهما توقعا فشل هذا الاتفاق الهش والمفتقر لأدنى الأسس العلمية والمهنية في التعامل مع هذه الكارثة المحتملة وتفادي حدوثها، وطالبا بحراك حكومي ومجتمع مدني لإثارة هذه القضية وإيجاد رأي شعبي وإقليمي وعالمي ضاغط للحيلولة دون وقوع الكارثة وتجنب آثارها.

مقالات مشابهة