fbpx

البطالة دفعت “خالد” إلى جبهات القتال

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
محت الحرب مكاسب عقدين من التنمية البشرية في اليمن

تعز – حنين الزكري

“الجعبة ملفوفة من صدري إلى منتصف ظهري وقائش السلاح ملتو على يدي اليمنى”، خيار مر سلكه خالد (اسم مستعار) البالغ من العمر 30 عامًا، بعد انقطاع الرواتب في صنعاء.

والتحق خالد بجبهات القتال بعد عجزه عن العثور على عمل، يستطيع من خلاله إطعام أسرته، حد قوله، مضيفًا:” أثناء بحثي عن عمل أعلمني بعض الزملاء أنهم ذاهبون إلى جبهات قتال والدعم فيها متوفر والرواتب جيدة، وافقت للذهاب معهم، وكنا نتلقى تشجيعًا وتعاملًا جيدًا لمدة عام، وبعد نقلنا إلى جبهة أخرى أوكلت لي مهمة قائد مجموعة، تقدمت أنا ومجموعتي رغم علمنا مسبقًا بأن أكثر الخسائر كانت بسبب الألغام في هذه المنطقة، ولكن بسبب إيماننا بضرورة تحرير الوطن واصلنا السير”.

ويسرد مشاهد الحرب بالقول: “سمعت صوت أحد الأفراد يبكي بكل صوته، كان عمره لا يزيد عن 16 سنة، ويريد العودة إلى بيته في مأرب رغم أنه كان خلفنا ويعمل إمدادًا في الكتيبة، لكن ما رآه بعينه كان كافيًا، إضافة لرؤيتنا جثة طفل كان يقاتل مع الطرف الآخر لا يتجاوز عمره 15 عامًا”.

“شاهدت آثار الخوف والحركات اللاإرادية عند الكثيرين، وعدم القدرة على النوم من هول الجثث ومرور الجرحى، بخاصة وأن معظم الألوية كانوا من المدنيين سابقًا، ولم يروا مثل تلك المشاهد من قبل. كنا بحاجة ماسة للراحة والنوم في مكان آمن ولو ليوم واحد، فالأرق والإرهاق والبرد واضح على كل الوجوه، والبعض يصرخ (إيش الذي جابنا هنا ويلعن اليوم اللي دخل فيه)”؛ يقول خالد.

الوضع المعيشي

ويعاني اليمنيون من آثار كارثة إنسانية هي الأسوأ في هذا القرن، إذ فرضت تداعياتها على أكثر من 80% من السكان الذين باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وبحسب تقرير الأمم المتحدة نهاية العام الماضي، فإن 7.3 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى مأوى. وبالرغم من أن فداحة الحرب تنعكس يوميًا على كل من يعانيها الآن، إلا أن هناك آثارًا بعيدة المدى تخفى على الكثير ممن يرون في إيقاف الحرب والوصول إلى السلام هما الغاية النهائية لتحقيق الاستقرار في اليمن، وهذا بعيد عن الحقيقة بمكان. ليس فقط لأن الحرب محت مكاسب أكثر من عقدين كاملين من التنمية البشرية، بحسب تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، الصادر في 2019. ولكن هناك أيضًا تبعات نفسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وحتى صحية سوف تستمر في تذكير اليمنيين لعشرات السنين القادمة، بفداحة الحرب التي شاركوا فيها.

وغير مستبعد في شعب يفوق عدد أفراده دون الثلاثين من العمر 75% من عدد السكان، يجد الكثير منهم المشاركة في جبهات القتال المصدر الاقتصادي الوحيد للعيش. واليوم بعد ما يقارب 8 سنوات من النزاع المسلح، الكثير من الشباب في العشرينيات من العمر لا يعرف حرفة أخرى سوى القتال.

ويقول البعض بأن تأثير دخولهم كان عن طريق الترغيب من قبل الأصدقاء أو بسبب الفقر الشديد وحاجة الحصول على فرصة عمل، أو هربًا من مشاحنات الأسرة.

بغض النظر عن أطراف الصراع، فهناك قتل لعدد مهول من الشباب والأبناء والأطفال، مصاحبًا مرض وموت أمهات وآباء بعد وفاة أبنائهم في الجبهات، ما أنتج أطفالًا يتامى، أرامل، حالات نفسية، تدهورًا صحيًا واقتصاديًا للأسر.

“لم أكن راضية على ذهابه للجبهة”

الحاجة الاقتصادية ليست هي السبب الوحيد الذي يدفع الشباب اليمنيين إلى الخطوط الأمامية. فهناك تعبئة إعلامية ودينية شديدة تصل إلى حد الترويج للقتال في المدارس للحصول على أكبر عدد من المقاتلين. البعض منهم يرى إنجازه في نيله “الشهادة”، والبعض يرى إصاباته شاهد تقدير وحب للوطن، في حين يكتفي البعض بالمشاركة لمرة أو اثنتين، ثم يقرر عدم العودة إما لهول ما حدث هناك أو لقناعتهم بعدم الرجوع.

إقرأ أيضاً  سبعة أعوام من العزلة.. الأحبة لا يلتقون في العيد

هكذا بدت الصورة في عين خالد، فكيف كانت ملامحها في عين أمه التي تقول: “لم أكن راضية على ذهابه إلى الجبهة، وبعد اتصاله أنه وصل كنت في حالة خوف وقلق. أدعو الله وكلي رجاء أن يعود ولدي سالمًا معافى. لا أستطيع الأكل أو النوم، وإذا فعلتهم لا أشعر بذلك. مع مرور الوقت وانقطاع الاتصالات وأخبار الموت الكثيرة أخاف أن يصلني خبر وفاته. أي مارة أو طرقة باب تفزعني وتؤرقني، حياتنا كانت خوفًا وجحيمًا. وبعد رجوعه فرحت أنه وصل سليمًا معافى وحيًا يرزق بعدها منعته من الذهاب، وجلس فترة، وبدأ يتململ ويبحث عن عمل وتكثر ديونه، لكني كنت مقتنعة أنه لن يذهب مرة أخرى بعدما قال لي إنه توقف عن التفكير في الالتحاق بجبهات القتال، لكنه في فترة وبعد موت أبيه ذهب ولم يكن أحد يعرف عن ذلك، اتصل لي أنه وصل إلى هناك، وجدد لنا الحزن والخوف من جديد، بعدها حدث لهم حصار أدى لقتل العشرات. وكان ما يصلنا هو استشهاد وأسر لكثير من الشباب، ما جعلنا خائبين وخائفين إلى أن وصل إلى البيت سالمًا معافى وقانعًا من الذهاب إلى هناك مرة أخرى”.

وتضيف: “يكفيني أن أرى ولدي أمام عيني حتى وإن كان وضعه المادي منهكًا، وأحمد الله أنه بخير وأستطيع رؤيته”.

من جهتها تقول شقيقته علياء (اسم مستعار)، 27 عامًا: “غاب أخي لمدة طويلة.. ورأى الموت في كل لحظة، هول ما يصف لنا أشبه بكارثة قيام الساعة، إذ إن أذهاننا توقن أن لا أشد من ذلك. لأشهر عديدة ننتظر خبرًا عنه بمكالمة من هنا أو هناك، وربما يتسلل اليأس إلى قلوبنا بأنها النهاية، ولكن يبقى الحب الدافع الأكبر للانتظار بلهفة مكالمة تأتينا بعد بضعة أشهر والمحاط بالدعاء في كل ليله كفيلة أن تجعلنا ندرك أننا متنا في غياهب الانتظار وها نحن ذا نحيا من جديد”.

العائدون من الجبهات يضاعفون العنف المنزلي

وقد يكون الأثر الظاهر للنزاع المسلح متمثلًا في المقاتلين من كل الأطراف، لأنهم هم من يقود المعارك، يشارك فيها، ويذهب ضحيتها بشكل مباشر، إلا أن هناك ضحايا للحرب لا يتم النظر إليهم بسبب التركيز على جبهات القتال كمقياس لتداعيات الحرب.

وتشير الأبحاث إلى أن العنف المنزلي زاد بنسبة 70% بسبب الحرب، بخاصة نتيجة الآثار النفسية التي طالت الشباب المشاركين في المعارك، وانعكست بشكل كبير على أسرهم. ولكن حتى تلك النساء اللاتي لم يعانين بشكل مباشر من العنف على يد العائدين من المعارك، يعانين الأمرّين في انتظار عودة أزواجهن وأبنائهن من الخطوط الأمامية، ويجدن أنفسهن يلعبن دور الأب والأم في الوقت نفسه، بدون دعم حقيقي من المجتمع.

وتقول الثلاثينية سلمى (اسم مستعار)، وهي زوجة أحد الذاهبين إلى مناطق الصراع: “جزافًا سافر زوجي إلى الجبهة لمدة 6 أشهر، ثم عاد إليّ، ولكنه سرعان ما عاود الذهاب، رغم المخاوف، لكنه لا يرى بديلًا عن ذلك، فالحياة هنا أصبحت تعيسة ومنهكة ومهينة بسبب تدهور المادة وغياب الأشغال. بعدها سافر لمدة 7 أشهر، وحان وقت إجازته ليعود إليّ مرة أخرى. حينها وقع في الأسر”.

ثمة وجه آخر للمشهد، فهناك من تمكن من النجاة واستطاع إحداث تغيير في حياته لم يكن قادرًا على تحقيقه لولا تلك الرحلة، تقول الثلاثينية منى (اسم مستعار): “زوجي في “البقع” منذ 3 سنوات إلى الآن لم يعد، عند اتصاله بي أنا وطفلتيه نسأله دائمًا متى الرجوع يجيب “باقي شوية باقي شوية”. وسبب تخوفه من طلب إجازة هو الجوع وعدم السماح له بالعودة مرة أخرى”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة