fbpx

الحرب الأهلية اللبنانية.. النموذج الأكثر شبهًا لحرب اليمن

حرب لبنان أقرب نموذج للصراع في اليمن والدور السعودي أبرز أوجه التشابه في الحربين

عدن-عبدالعالم بجاش

ابتداء من عام 1975، عاش لبنان لـ15 عامًا حربًا أهلية دامية ومتشعبة، وتمزقًا ومجازر عنيفة.

وبعقد اتفاق الطائف، برعاية المملكة العربية السعودية، خرج لبنان عام 1990، إلى سلام هش، لكنه صمد حتى الآن، وكرس مزيدًا من الانقسام الطائفي والإثني.

وحتى اليوم مايزال اتفاق الطائف المرجعية بين الأطراف اللبنانية التي تعيش منذ سنوات صراعات سياسية حادة كادت تخرج عن السيطرة عدة مرات.

تعد الحرب الأهلية اللبنانية النموذج الأقرب للحرب الأهلية الجارية في اليمن، ويمثل الدور السعودي أحد أبرز أوجه الشبه في التجربتين، بما في ذلك خطورة النفوذ الإيراني ودوره السلبي في لبنان واليمن والمنطقة، من خلال سعي إيران المبكر لتصدير الثورة الخمينية للسيطرة على دول المنطقة عبر دعمها طوائف شيعية في هذه البلدان، وتأجيجها للصراع الطائفي والحروب، وهو ما تقوم به طهران حاليًا في اليمن.

بينما كانت نيران الحرب اللبنانية تخمد والبنادق تصمت، كانت قيادتا اليمن بشطريه الشمالي والجنوبي، تعلنان توحيد الشطرين وقيام الجمهورية اليمنية. حدث تاريخي سرعان ما تبعته الخلافات وانفجار حرب 1994 بين الشمال والجنوب، التي تركت تبعات حتى اليوم، وكرست نزعة للانفصال، تصاعدت مع اندلاع الحرب الأهلية الراهنة والمشتعلة منذ انقلاب جماعة الحوثي واستيلائها على العاصمة صنعاء في 2014، واندفاعها لاجتياح عدن ومحافظات البلاد. حرب مستمرة حتى اليوم، شهدت تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، مطلع عام 2015، وتحرير جميع محافظات الجنوب وأجزاء من محافظات مأرب وتعز والحديدة وحجة وصعدة.

ويعيش كل من اليمن ولبنان في وقتنا الراهن مرحلة عدم استقرار، بسبب نفوذ إيران في البلدين، غير أن اليمن يشهد حربًا دامية للعام الثامن على التوالي، فيما تضطرب أوضاع لبنان بسبب حدة الصراع السياسي بين الأطراف اللبنانية، وهيمنة حزب الله على القرار، وتبعيته لإيران.

إن تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، واستمرت لنحو 15 عامًا وبضعة شهور، بحصيلة دامية بلغت 120 ألف قتيل، تكاد تكون التجربة الأكثر تشابهًا لمجريات الحرب الأهلية الراهنة في اليمن.

لبنان.. بلد الطوائف

لبنان هو بلد الطوائف الأبرز في المنطقة، حيث يعيش مجتمع مؤلف من المسلمين بشقيهم السني والشيعي والمسيحيين والدروز.

هذه التعددية كانت المولد الأول لاندلاع الحرب، ففي المدن اللبنانية الساحلية يعيش أغلبية المسلمين السنة والمسيحيين، أما المسلمون الشيعة فيتركز وجودهم في جنوب لبنان والبقاع. وفي الجبال أغلب السكان هم من الدروز والمسيحيين.

خضع لبنان للاستعمار الفرنسي منذ عام 1920 وحتى 1943، وكانت الحكومة اللبنانية للمسيحيين المارونيين بالغالب، رغم العدد الكبير للمسلمين.

ومنذ عام 1984 وحتى العام 1967، تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان على خلفية إنشاء دولة إسرائيل، وأدى ذلك النزوح إلى تغيير التوازن الديموغرافي بلبنان لصالح المسلمين.

أطراف الحرب

كانت الحرب اللبنانية مضمارًا مفتوحًا للتدخلات الإقليمية التي أججت صراعات الأطراف الداخلية، وقد اندلعت الحرب بين طرفين رئيسين، هما الجبهة اللبنانية والحركة الوطنية اللبنانية، كل طرف ضم مجموعة حلفاء محليين أو خارجيين.

ضمت الجبهة اللبنانية التي هيمن عليها المسيحيون الموارنة، كلًا من حزب الكتائب اللبنانية بزعامة بيار الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار الذي أسسه كميل شمعون عام 1958، والقوات اللبنانية التي تشكلت عام 1976، كجناح عسكري للجبهة، بالإضافة إلى تيار المردة الذي أسسه سليمان فرنجيه عام 1967، وحراس الأرز، وهو حزب قومي تأسس عام 1976.

على الجانب الآخر، ضمت الحركة الوطنية اللبنانية كلًا من الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط، عام 1949، وحركة أمل التي أسسها موسى الصدر، عام 1974، بالإضافة إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطوان سعادة، عام 1932. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية ضمن تحالف الحركة الوطنية اللبنانية، ولعبت دورًا في النزاع.

شهدت الحرب اللبنانية تدخل سوريا عسكريًا عام 1978، في محاولة لوقف الحرب الأهلية، كما تخللت أحداث الحرب تدخل إسرائيل التي اجتاحت لبنان مرتين، عامي 1978 و1982، في محاولة منها للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية.

عين الرمانة

في 13 أبريل 1975، نجا رئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل، من محاولة اغتيال عندما هاجمه مجهولون، ما أدى لمقتل اثنين من مرافقيه، واعتبر الحزب ذلك هجومًا من خصومه منظمة التحرير الفلسطينية المتحالفة مع الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني.

كان ذلك بمثابة الفتيل الذي أشعل الحرب اللبنانية، حيث سارع مسلحو حزب الكتائب للرد بمهاجمة حافلة كانت تقل أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، كانت في طريقها إلى مخيم تل الزعتر، وقتل في الهجوم 27 شخصًا.

وعرفت الواقعة بحادثة عين الرمانة أو البوسطة. تطورت المجريات بعدها إلى انزلاق لبنان في حرب أهلية استمرت لأكثر من 15 عامًا.

ووفق المصادر التاريخية، اعتبر  وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان أحد أسباب اندلاع الحرب، وكانت تتواجد قبل ذلك في الأردن.

وفي لبنان “اندلعت اشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية، انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة بين لبنان والمنظمة، والذي اعترف بموجبه لبنان بحق منظمة التحرير الفلسطينية في التسلح”، وأثار ذلك غضب المسيحيين الذين رأوا أن ذلك يعرض لبنان لهجمات انتقامية من جانب إسرائيل.

الانقسام الداخلي

عوامل أخرى متعددة تقف وراء اندلاع الحرب في لبنان، منها التفاوت الاقتصادي، حيث تركز النمو على العاصمة بيروت، وهيمنة المسيحيين على الحكم، الذين كانوا يشكلون أكثرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي التركيبة التي تغيرت بحلول عام 1975، حيث صار المسلمون أكثرية، بينما استمرت الهيمنة على الحكم لصالح المسيحيين.

وكان الانقسام اللبناني المبكر حول الموقف من القضايا الإقليمية، سببًا آخر للنزاع، حيث كان المسلمون يؤيدون مشروع الوحدة بين سورية ومصر عام 1958، وكان المسيحيون يرفضون.

ولطالما شكل الخلاف بين الطوائف اللبنانية أحد جذور ومولدات النزاع في لبنان في الماضي وحتى اليوم.

ماتزال الخلافات بين الطوائف في لبنان مصدر تهديد دائم رغم انتهاء الحرب عام 1990، وكذلك الانقسام على خلفية الموقف من القضايا الإقليمية، كما هو الحاصل حاليًا من انقسام حاد بسبب انقسام طوائف لبنان تجاه قضايا التدخل الإيراني في لبنان واليمن والعراق والمنطقة، إضافة إلى الخلافات الداخلية بشأن سلاح حزب الله اللبناني الموالي لإيران، ودوره في زعزعة استقرار المنطقة، وتدخلاته العدائية ومواقفه ضد المحيط العربي والدول الخليجية.

السبت الأسود

مرت الحرب اللبنانية بعدة مراحل، كانت بداياتها بمناوشات بين المسيحيين والفلسطينيين في مخيم تل الزعتر والكحالة، وكانت من ضمن الإرهاصات التي قادت إلى الحرب عام 1975.

ومع انتشار خبر حادثة “البوسطة” أو عين الرمانة، وهو اسم منطقة شهدت مقتل 27 فلسطينيًا كانوا في حافلة بطريقم إلى مخيم تل الزعتر، اشتعلت المواجهات في أنحاء بيروت بين الفلسطينيين وعناصر الكتائب اللبنانية.

تطورت الأحداث وتسارعت، ففي مطلع ديسمبر 1975 عثر على 4 جثامين لأعضاء من حزب الكتائب، و”قامت الكتائب اللبنانية المسيحية بنصب نقاط تفتيش في منطقة مرفأ بيروت، وقتلت المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين، بناء على بطاقات الهوية، وكانت آنذاك تدون مذهب حاملها، في ما عرف لاحقًا بالسبت الأسود”.

توسعت الاشتباكات في بيروت، وانقسمت المدينة إلى بيروت الشرقية بغالبية مسيحية، وبيروت الغربية التي كانت مختلطة للطوائف بأغلبية إسلامية.. وانعكس الانقسام على لبنان بالكامل.

كانت مخيمات الفلسطينيين المحصنة كمخيم تل الزعتر ومنطقة الكرنتينا، في محيط بيروت الشرقية.

في منطقة الكرنتينا كان يعيش فلسطينيون وسوريون وأكراد، وكانت المنطقة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي يناير 1976 اقتحمتها المليشيات المسيحية التابعة للكتائب اللبنانية، وراح ضحية الهجوم 1500 من سكان المنطقة. وخلال 48 ساعة كانت المليشيات الفلسطينية تهاجم بلدة الدامور المسيحية، وتقتل المئات من السكان المسيحيين.

ولتشهد بيروت عقب ذلك هجرة الآلاف من السكان المسلمين والمسيحيين كل طرف إلى المناطق الواقعة تحت نفوذ طائفته، وقد شكلت الانزياحات السكانية تلك ما وصف بـ: بيروت المسيحية وبيروت المسلمة، تجسيدًا للانقسام والعنف المتصاعد.

كان لأحداث بلدة الدامور والمجزرة التي حدثت فيها ردًا على مجزرة الكرنتينا، تبعات أدت إلى تدخل سوريا في الحرب، ووقف دعمها للمقاومة الفلسطينية، وكانت المليشيات المسيحية على وشك الهزيمة في يونيو 1976 عندما طلب الرئيس اللبناني وقتها سليمان فرنجية من سوريا التدخل بحجة أن الأحداث تنذر بتوقف ميناء بيرةت، وهو الميناء الذي تعتمد عليه سوريا في الحصول على معظم وارداتها من السلع والمنتجات.

الدور السوري في الحرب

بدأت سوريا بدعم الحكومة اللبنانية ذات الأغلبية المسيحية المارونية، وأرسلت قواتها إلى لبنان، حيث احتلت بسهولة طرابلس وسهل البقاع في مواجهة ضعيفة من جانب قوات الحركة الوطنية اللبنانية والمليشيات الفلسطينية.. وفي جنوب لبنان كان القتال بين الجماعات المسلحة المسيحية مدعومة من إسرائيل، وبين الجماعات المسلحة الفلسطينية وحلفائها من اللبنانيين.

دعمت القوات السورية الجماعات المسيحية التي اقتحمت مخيم تل الزعتر الفلسطيني، بعد حصار لشهور وقصف متواصل. قتل الآلاف من الفلسطينيين في المخيم، وغضبت الدول العربية من سوريا ودورها، وعقدت في العاصمة السعودية الرياض قمة عربية قدمت مقترحًا وافقت عليه سوريا في أكتوبر 1976، ونص على منح سوريا حقًا بالاحتفاظ بـ40 ألف جندي هم نواة قوات الردع العربية بمشاركة عدة دول عربية.

كانت مهمة هذه القوات فك الاشتباكات واسترجاع الأمن، وقد انسحبت تلك الدول لاحقًا، وتركت الأمر لسوريا.

ولبعض الوقف توقفت الحرب الأهلية رسميًا، وهدأت الأوضاع في بيروت ومعظم لبنان، فيما استمرت مواجهات في الجنوب.

شكلت الحرب معالم ما سمي بالخط الأخضر كخط الجبهة الفاصل بين بيروت الغربية والشرقية، حيث “كان الجنوب وغرب بيروت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية والمليشيات المسلمة، بينما كانت بيروت الشرقية والقسم المسيحي من جبل لبنان تحت سيطرة المليشيات المسيحية”.

وخلال السنوات التالية حدثت تبدلات في التحالفات.

 في 14 مارس 1987، كانت إسرائيل تقوم بغزو جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، في ما سميت عملية الليطاني، بهدف خلق منطقة عازلة بعرض 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وبطول الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

قوات اليونيفل

على وقع غزو إسرائيل لجنوب لبنان، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا طالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان، وإنشاء قوات اليونيفل الدولية في جنوب لبنان. وقد انسحبت إسرائيل من معظم مناطق جنوب لبنان، بحلول مايو 1978. وفي مايو 2000 انسحبت إسرائيل من كامل حدود جنوب لبنان.

غير أنه في يونيو 1982 غزت إسرائيل لبنان من حدودها الجنوبية، واستولت على مدن الجنوب الهامة مثل صور وصيدا، خلال أيام. ودخلت القوات الإسرائيلية بيروت الشرقية بدعم ضمني من القادة والمليشيات المسيحية المارونية.

وقد تدخلت الولايات المتحدة، وتوصلت إلى عقد اتفاق في 12 أغسطس 1982 لوقف إطلاق النار، يقضي بخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ووصول قوات أمريكية وفرنسية وإيطالية، للإشراف على خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وتأمين الحماية للمدنيين من الفلسطينيين.

وفي 23 أغسطس من العام نفسه، تم انتخاب بشير الجميل حليف إسرائيل رئيسًا بهامش بسيط، في جلسة لمجلس النواب اللبناني قاطعها النواب المسلمون، وقد وعد ببدء علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بمجرد تسلمه رئاسة الجمهورية، خلال لقائه رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن، في 11 سبتمبر 1982، وبعدها بثلاثة أيام اغتيل بشير الجميل في 14 سبتمبر، وقبيل أيام من تسلم السلطة رسميًا.

خرقت إسرائيل اتفاق الهدنة، وأرسلت قوات إلى بيروت الغربية، والتي نقلت معها 200 مقاتل من القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة، إلى المخيمات الفلسطينية، وقد “اقتحمت القوات اللبنانية مخيمي صبرا وشاتيلا في السادسة مساء يوم 16 سبتمبر، وقتلت ما يقرب من 3500 فلسطيني، بمساعدة الجيش الإسرائيلي الذي كان يحاصر المخيمين”، بحسب المصادر التاريخية.

واشتعل غضب المجتمع الدولي نتيجة المجازر المروعة، وأدى ذلك إلى إعادة إرسال القوات متعددة الجنسيات إلى لبنان، كقوات حفظ سلام.

وفي 17 مايو 1983 تم توقيع اتفاقية بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، نصت على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، وانسحاب القوات السورية من لبنان، وقد رفضت سوريا الانسحاب.

ظهور حزب الله

من بين صفوف حركة أمل الشيعية، برز اسم حزب الله باعتباره قوة شيعية خلال عامي 1983 و1984، ومنذ بداياته تبنى الحزب فكر الثورة الإيرانية، وارتبط من وقت مبكر بإيران، وكان على صلة بالحرس الثوري الإيراني؛ الداعم الرئيسي للحزب الذي قدم نفسه كقوة مناهضة للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

شهدت فترة ظهور حزب الله جملة أحداث موجهة ضد المصالح الأمريكية في لبنان، أبرزها حادث تفجير السفارة الأمريكية في بيروت، في أبريل 1983، والذي أدى لمقتل 63 شخصًا، وهجوم انتحاري آخر على المقر الجديد للسفارة الأمريكية، في سبتمبر 1984.

إقرأ أيضاً  العمل في الاحتطاب  يوسع دائرة التصحر

الحادث الأخطر وقع في أكتوبر من العام نفسه، حيث استهدف هجوم انتحاري آخر معسكر القوات الأمريكية والفرنسية في بيروت، وأسفر الحادث عن مقتل 241 جنديًا أمريكيًا و58 جنديًا فرنسيًا.

معركة الجبل

معركة الجبل صُنفت كأعنف معارك الحرب اللبنانية، وقد اندلعت عقب انسحاب إسرائيل في أغسطس 1983، من جبل الشوف الفاصل ما بين الدروز ممثلين بالحزب الاشتراكي التقدمي، والمسيحيين ممثلين بالقوات اللبنانية.

وقد اندلعت معارك دامية امتدت إلى مختلف الجبهات بين الحزب التقدمي الاشتراكي مسنودًا من قوى فلسطينية، وبين القوات اللبنانية والجيش اللبناني من جهة أخرى، أسفرت المعارك عن مقتل الآلاف، وارتكاب الطرفين مجازر راح ضحيتها مئات المدنيين، وقد انتهت المعارك بهزيمة القوات اللبنانية، وانسحاب المقاتلين المسحيين إلى بلدة دير القمر، ومن ثم إلى بيروت الشرقية.

خلال عامي 1985 و1986، اندلعت حرب مخيمات، وشهد الصراع حصارًا للمخيمات، ومنع وصول المساعدات، وكان ذلك عقب انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان، وسيطرة حركة أمل على بيروت الغربية، في 1985.

رئيسان وحكومتان

في 1988 دخل لبنان مأزقًا دستوريًا، وكان الانقسام في ذروته بشأن الاتفاق على رئيس جديد للبلاد خلال انعقاد البرلمان لمناقشة ذلك.

ودون العودة للدستور، قام الرئيس اللبناني أمين الجميل، قبل انتهاء فترة رئاسته، بتسليم رئاسة الجمهورية للجنرال ميشال عون، الذي كان حينها يشغل منصب عماد الجيش اللبناني، متجاوزًا الدستور الذي ينص على تولي رئيس الوزراء مهمات رئيس الجمهورية لحين انتخاب رئيس جديد، وهو ما رفضته القوى الوطنية والإسلامية.

و”بذلك أصبح للبنان رئيسان وحكومتان؛ حكومة عسكرية مسيحية في بيروت الشرقية، مدعومة من النظام العراقي، وحكومة مدنية مسلمة في بيروت الغربية، مدعومة من سوريا”.

في الحرب اليمنية شاهدنا انقسامًا مماثلًا، حيث نفذ الحوثيون انقلابًا على الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي وحكومته، في 21 سبتمبر 2014، وأدى ذلك إلى فراره إلى عدن، ومنها إلى السعودية، عبر سلطنة عمان. وقد تطورت الأحداث إلى أن تتشكل حكومتان في صنعاء وعدن، حيث أعلن الحوثيون المجلس السياسي الأعلى وحكومة غير معترف بها إقليميًا ودوليًا، مقابل الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، والتي تواجه حتى الآن بعض الصعوبات في استقرار عملها من العاصمة المؤقتة عدن.

العماد ميشال عون

في خضم الصراع برز اسم العماد ميشال عون، قائد الجيش اللبناني، والذي سيلعب دورًا في الصراع، وتنتهي الحرب بإزاحته من المشهد، ليعود مجددًا إلى المشهد بعد عقود من الزمن، ويتولى رئاسة الجمهورية اللبنانية حتى الآن، في ظل دخول لبنان أزمة سياسية حادة مستمرة منذ أكثر من ربع قرن.

حظي ميشال عون والمسيحيون بدعم من العراق، في خضم الصراع بين حزب البعث العراقي وحزب البعث السوري.

وبدعم عسكري واستخباراتي كبير من العراق، بدأ عون ما سماه حرب التحرير لاستقلال لبنان ضد الجيش السوري في لبنان، في مارس 1989، وكانت التحالفات تتبدل خلال الأحداث، واندلع الاقتتال بين المسيحيين وبعضهم، حيث شن الجيش اللبناني بقيادة عون، معارك ضد القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، “للسيطرة على أحياء جونية ومنطقة الميناء ومحطة الكهرباء والمطار الخاص”.

وحدث انقسام داخل الجيش اللبناني نفسه، حيث قاتلت بعض الألوية العسكرية التي كانت تدعم رئيس الوزراء سليم الحص، إلى جانب خصوم عون ممن يدعمون الحص، وهم حركة أمل والحزب الاشتراكي التقدمي والجيش السوري.

غزو العراق للكويت يدفع المجتمع الدولي لإنهاء حرب لبنان

كانت الحرب مجددًا بين بيروت الشرقية والغربية، ويعزى صمود ميشال عون إلى ثلاثة عوامل هي: الدعم العراقي العسكري، والدعم المالي والإعلامي من منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم تدخل حزب الله في الحرب التي أدت إلى تدمير كبير لبيروت الشرقية وهجرة كبيرة للسكان المسيحيين.

غير أن متغيرًا خارجيًا شهدته المنطقة دفع إلى تغيير جذري للمشهد في لبنان، وإقرار المجتمع الدولي وقف الحرب، تمثل ذلك بغزو العراق للكويت، ما دفع المجتمع الدولي للإسراع في إنهاء حرب لبنان، وفق المصادر التاريخية.

في اليمن، ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أوكرانيا، خلال فبراير 2022، عاود المجتمع الدولي جهوده بقوة لإنهاء الحرب في اليمن، وبرزت تحركات مكثفة ومشاورات في مسقط عاصمة سلطنة عمان، وإعلان مجلس التعاون الخليجي مبادرة لوقف إطلاق النار، وقد أفضت التحركات الدولية إلى إعلان هدنة لمدة شهرين تنتهي في 2 يونيو 2022، وتم بموجبها إعادة الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء، ودخول 18 سفينة وقود إلى ميناء الحديدة، ووقف العمليات القتالية في ظل خروقات خاصة من جانب الحوثيين، وهناك توافقات لم تكتمل لعقد صفقات تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، وفتح معابر وطرقات في تعز ومحافظات أخرى، وتعمل الأمم المتحدة حاليًا على التمديد للهدنة، والتهيئة لفتح الطرق، خاصة في تعز، لضمان استمرار الهدنة.

اتفاق الطائف

كان المشهد الأخير في الحرب اللبنانية فرار ميشال عون إلى مبنى السفارة الفرنسية في بيروت، ومنها إلى منفاه في باريس.

كان ذلك في 1990، بعد عام على توقيع اتفاق الطائف الذي وضع نهاية للحرب في لبنان، والذي كان للدور السعودي العامل الأبرز في وقف الاقتتال.

عينت جامعة الدول العربية، في يناير 1989، لجنة كلفتها بصياغة حلول للنزاع في لبنان. وتوسطت السعودية واستضافت النواب اللبنانيين في الطائف، في أغسطس 1989، حيث تم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وانتشار القوات السورية كقوات حفظ سلام في لبنان، ولهذا السبب رفض ميشال عون اتفاق الطائف وما ترتب عليه.

وكان أهم ما ترتب على اتفاق الطائف عقب عودة النواب اللبنانيين، انتخابهم رينيه معوض رئيسًا للجمهورية، ورفض ميشال عون أيضًا الاعتراف به، لينتهي مصير معوض قتيلًا في عملية اغتيال بعد 16 يومًا على انتخابه من قبل البرلمان رئيسًا للجمهورية، وخلفه إلياس الهراوي الذي قوبل أيضًا برفض عون الاعتراف به، وهو ما دفع إلى إطلاق عملية عسكرية مشتركة لبنانية -سورية، بمباركة أمريكية، في أكتوبر 1990، تم فيها “إقصاء عون من قصر بعبدا الرئاسي، وإعدام المئات من أنصاره”، فيما لاذ هو بالسفارة الفرنسية.. ووضعت الحرب أوزارها.

وأصدر البرلمان اللبناني، في مارس 1991، قانون العفو عن جميع الجرائم السياسية التي ارتكبت خلال سنوات النزاع، وتم في مايو 1991، حل المليشيات ونزع سلاحها باستثناء حزب الله الذي احتفظ بسلاحه بموجب اتفاق الطائف، وهو ما يشكل اليوم جذر الأزمة المحتدمة حاليًا في الداخل اللبناني، بعد أن هيمن الحزب على القرار في لبنان.

بنود اتفاق الطائف

نص اتفاق الطائف 1989 على 4 مواد، أكدت على استقلال وعروبة لبنان، وتوزيع مقاعد مجلس النواب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وحل المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.

بني الاتفاق على مبدأ التعايش المشترك بين الطوائف اللبنانية المختلفة، وفق قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، وأقر ضمنيًا أن يكون منصب رئيس الجمهورية للمسيحيين، ورئاسة الحكومة للمسلمين السنة، ورئاسة البرلمان للشيعة.

ويوصف اتفاق الطائف بأنه “نقل بعض السلطة بعيدًا عن الطائفة المسيحية المارونية التي كانت منحت مركزًا متميزًا في لبنان منذ عهد الانتداب الفرنسي”، كما عدل “صيغة تقاسم السلطة (صيغة الميثاق الوطني لعام 1943) التي كانت بنسبة 6 مسيحيين إلى 5 مسلمين، إلى نسبة 50:50، وعززت صلاحيات رئيس الوزراء السني على حساب سلطات الرئيس المسيحي”.

أخطر عيوب اتفاق الطائف أنه “سمح لحزب الله بالبقاء مسلحًا بصفته قوة مقاومة بدلًا من اعتباره مليشيا لمحاربة إسرائيل في الجنوب”.

نفوذ إيران

يوصف لبنان كدولة فاشلة حاليًا، مع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية، وقد بلغت الدولة ذروة الفشل بإعلان الحكومة اللبنانية، في 5 أبريل 2022، إفلاسها وإفلاس البنك المركزي اللبناني.

وعلى الرغم من استمرار توقف الاقتتال عقب انتهاء الحرب الأهلية، تسببت الصراعات الطائفية المتفاقمة والعيوب في اتفاق الطائف 1989، والتي سمحت لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه، في تنامي بسط نفوذه بدعم من إيران، وبالتالي صارت إيران هي مركز القرار الفعلي.

واتفاق الطائف أو “وثيقة الوفاق الوطني اللبناني”، أوقف الحرب بين الأطراف المتنازعة في لبنان نتيجة، “وساطة سورية -سعودية، عام 1989، في مدينة الطائف، وأقره لبنان بقانون في العام نفسه، منهيًا الحرب الأهلية اللبنانية”. غير أن لبنان يتأرجح بين الأزمات والصراع السياسي منذ توقف الحرب، وسرعان ما قوضت الصراعات السياسية استقرار البلاد وصولًا إلى إعلانها الإفلاس.

محاوف تكرار “اتفاق الطائف” في اليمن

في 7 أبريل 2022، تم الإعلان عن مجلس القيادة الرئاسي من 8 أعضاء، برئاسة الدكتور رشاد العليمي، بمشاركة مختلف المكونات اليمنية، باستثناء الحوثيين الذين رفضوا المشاركة في المشاورات اليمنية -اليمنية التي استضافتها الرياض. وبموجب الإعلان، أعلن الرئيس هادي نقل كافة صلاحياته إلى المجلس الرئاسي. وهو تشكيلة هدفها توحيد كافة المكونات اليمنية المناهضة للحوثيين، والسعي لتحقيق السلام.

تهدف الأمم المتحدة ودول أخرى مؤثرة كبريطانيا حاليًا، لجعل اتفاق الهدنة الراهن المعلن للفترة من مارس إلى أبريل 2022، إعلانًا دائمًا لوقف إطلاق النار في البلاد، تمهيدًا لتسوية سياسية شاملة، وسط مخاوف من تكرار اتفاق “طائف يمني” لإعادة توزيع السلطة على أساس طائفي ومناطقي، وتكرار أخطاء نموذج اتفاق الطائف 1989 الخاص بلبنان، والذي سمح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه، مما نتج عنه إيقاف الحرب، وسقوط لبنان بقبضة حزب الله وإيران، كما تتركز المخاوف حول منح السعودية في المشاورات اليمنية -اليمنية الأخيرة في الرياض، وعودًا للمجلس الانتقالي الجنوبي بتحقيق تسوية خاصة بين الجنوب والشمال في مرحلة لاحقة، بما ذلك فك الارتباط بين الجنوب والشمال، وهو ما يعني عودة خطر الانفصال.

مخاوف تكريس الانفصال في اليمن

قياسًا بالحرب اللبنانية، الحرب اليمنية أقل تعقيدًا من حرب لبنان متعددة الأوجه والتدخلات على المستوى الداخلي وتبايناته وانقساماته، وعلى مستوى التدخل الخارجي وتعدد الأطراف التي شاركت في الحرب أو لعبت أدوارًا محددة.

كانت حرب لبنان أكثر تعقيدًا، حيث كانت هناك صراعات ونزاعات متعددة بين المسيحيين والفلسطينيين، وبين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وبين سوريا وأطراف متعددة في لبنان، بالإضافة إلى صراع عراقي -سوري، ودور الدول العربية، وصراعات بين قوى دولية أخرى، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

النزاع في اليمن أقل تعقيدًا على المستوى الداخلي، فهو بين جماعة الحوثي مسنودة بتحالف طائفي تجسد بتوقيع الوثيقة الفكرية الزيدية التي يعتقد أنها كانت تمهيدًا للحرب الأهلية، وعلى الصعيد الخارجي الحوثيون مدعومون من إيران وحزب الله اللبناني، ضمن ما يطلق عليه محور المقاومة في المنطقة (شيعي)، وهنا مصدر التعقيد، على الجانب الآخر هناك مجلس القيادة الرئاسي الذي يمثل جانب الشرعية وحكومتها المعترف بها دوليًا بعد طي صفحة الرئيس عبد ربه منصور هادي في المشاورات اليمنية -اليمنية التي استضافتها السعودية، وأفضت لإعلان مجلس رئاسي يضم مجموعة أحزاب وقوى سياسية، بالإضافة إلى مكونات أخرى أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، ومؤخرًا المجلس السياسي التابع لطارق محمد عبدالله صالح، ابن أخ الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وهي مكونات مسنودة بتحالف عربي عسكري تقوده السعودية.

إن أكثر ما يثير المخاوف لدى البعض أن تتشابه النهايات في التجربتين، فقد انتهت حرب لبنان باتفاق الطائف الذي رعته السعودية، ونص على وقف الحرب ونزع سلاح المليشيات، مستثنيًا من ذلك حزب الله، ما شكل ترحيلًا للأزمة لمرحلة جديدة، وهو ما تسبب في دخول لبنان حالة اللاحرب واللاسلم، وسط ارتفاع للتوتر السياسي رغم توقف الحرب منذ عام 1990، رغم ذلك كان وقف الاقتتال وإنهاء الحرب أفضل ما حصل للبنان الذي واجه خطورة الانقسام الى دولتين إحداهما مسيحية خالصة.

بالنسبة لليمن هناك محاولات تبدو أفضل لإنهاء الحرب من خلال بدء هدنة بين أطراف الصراع أبريل 2022، برعاية أممية قابلة للتمديد، ومؤشرات عن إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب التي دخلت عامها الثامن بحصيلة تجاوزت 300 ألف قتيل، بينهم نسبة كبيرة من المدنيين.

وحيث انتهى المطاف بلبنان إلى السقوط رهينة بيد إيران، يخشى البعض من مآل ونهاية مماثلة للحرب اليمنية تؤدي إلى تمكين أكبر لجماعة الحوثي الموالية لإيران، مما ينذر بتكرار نموذج حزب الله في لبنان.

إن الدرس الأهم من تجربة لبنان، هو أن وقف الحرب وإنهاءها هو أفضل ما يمكن بالنسبة لبلد متعدد الطوائف شديد الانقسام الاجتماعي.

لكن من ناحية أخرى، اتفاق سلام غير مكتمل أو متوازن كما في حال لبنان واتفاق الطائف، نجح في وقف الحرب، لكنه كرس مزيدًا من الانقسام، وفشل في معالجة جذور الصراع أو ضمان عدم نشوء النزاعات مجددًا، وذلك بسبب استثناء سلاح حزب الله، والتساهل تجاه نفوذ إيران الذي يعد حاليًا السبب الأبرز لتقويض لبنان، ونشوء ما يوصف بدولة داخل الدولة.

مقالات مشابهة