fbpx

دلالة التحول السياسي الأخير على مستقبل مأرب اليمنية

مأرب – وسام محمد

في خضم الهدوء الذي تلحقه العاصفة، وبالنظر إلى الغبار الذي غطى على مجمل المشهد اليمني، بعد التحول الدراماتيكي، في أعلى هرم سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا، بإعلان مجلس قيادة رئاسي في مطلع أبريل الماضي، كان من الصعب التأمل في وضع مأرب ضمن المعادلة الجديدة، والتكهن بمستقبلها.

التحول العاصف وغير المتوقع، أثار الانتباه باتجاهات شتى؛ باتجاه الجنوب المطالب بالانفصال، والعاصمة عدن التي ستصبح عاصمة مؤقتة على نحو فعلي لأول مرة منذ إعلانها عقب انقلاب جماعة الحوثي مطلع العام 2015.

ثم باتجاه تعز التي أصبحت مركز ثقل بالنظر إلى أن من يتقلدون المناصب العليا في الدولة هم من تعز، بمن في ذلك رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رئيس الحكومة، رئيس البرلمان.

لعل الورقة الأبرز في هذا التحول، بالنسبة لمأرب، هو تعيين محافظها سلطان العرادة، عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي بدرجة نائب رئيس، إلى جانب 6 أعضاء آخرين، كان المحدد البارز في تعيينهم، الوجود العسكري على الأرض من جهة، والولاء لقطبي هندسة مجلس القيادة الرئاسي؛ دولتي السعودية والإمارات، من جهة أخرى.

تعيين العرادة في مجلس القيادة الرئاسي، يمثل فقط عنوانًا لتحول جذري جديد، ستشهده محافظة مأرب، بالنظر لما سيترتب على هذا التغيير. فداخل الصدمة الأكبر التي تركها إعلان مجلس القيادة الرئاسي، كانت صدمة مأرب هي الأعمق تقريبًا. فهي المحافظة التي تؤوي أكبر تجمع للنازحين على مستوى البلاد، وتواجه مخاطر وجودية منذ أكثر من عام.

تعيين العرادة ضمن مجلس القيادة الرئاسي حتى مع احتفاظه بموقعه كمحافظ لمأرب سيبعده عن القاعدة الشعبية، وهنا سوف تتعزز احتمالية اندفاع الإمارات لاستثمار هذا الوضع، وخوض معركتها المؤجلة مع الإصلاح في مأرب. وهي المعركة التي قد يكون مصيرها المجهول

هناك عدة اعتبارات صنعت مكانة مأرب في المشهد السياسي، وفي الواقع الجيوسياسي لليمن خلال سنوات الحرب، لعل أبرزها هو خوض قبائلها معارك شرسة مع جماعة الحوثي في وقت مبكر، وحتى قبل اندلاع الحرب بشكل رسمي، مع تدخل التحالف العربي في 26 مارس 2015. فبعد اجتياح العاصمة صنعاء، في 21 سبتمبر 2014، بدأت جماعة الحوثي تحشد مقاتليها نحو مأرب بدعوى أنها تؤوي “الدواعش والتكفيريين”.

سلم الصعود

حينها كان لايزال الموقف السياسي والعسكري مضطربًا، ولا أحد يعرف ما هي الطريقة المناسبة للتعامل مع المستجدات المتسارعة، ومع نزعة جماعة الحوثي نحو السيطرة والتوسع بقوة السلاح، لكن قبائل مأرب، وبقيادة محافظها سلطان العرادة، قرروا المواجهة، ونجحوا في دحر مسلحي الحوثي بعيدًا.

هذا السبق المهم الذي قامت به مأرب بعد أن أصبحت المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد، منحها مكانة وحظوة في المشهد السياسي الكلي لليمن. وبالنظر لحدودها المشتركة مع العاصمة صنعاء من الجهة الغربية، فقد أصبحت أكثر أهمية في الميزان الجيوسياسي.

عقب تحرير مأرب بدأ الضباط والجنود يتوافدون إليها من مختلف مناطق اليمن، وبدأت عملية إنشاء ألوية عسكرية بهدف حماية مأرب والاستعداد لاستعادة العاصمة صنعاء. 

ثم مع نهاية العام 2015، كانت مأرب قد أصبحت القبلة الأولى للنازحين القادمين من مختلف مناطق اليمن. ففيما الحرب أخذت تنتشر وتتوسع في مختلف أرجاء اليمن، كانت مأرب محررة، ويتوفر فيها مستوى معقول من الأمن. في البداية كان النازحون ممن يواجهون انتهاكات جماعة الحوثي بسبب خلفيتهم السياسية أو المذهبية، أو حتى لمجرد أنهم لا يتفقون معها ولا يؤيدون حربها. ثم مع مرور الوقت توسع النزوح ليشمل كل من يرغب في الحصول على فرصة عمل بفعل التوسع الهائل الذي باتت تشهده مدينة مأرب عاصمة المحافظة التي تحمل ذات الاسم. يبلغ عدد النازحين في اليمن، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، 4 ملايين و200 ألف نازح. وقد استقبلت محافظة مأرب وحدها ما نسبته 62% من إجمالي عدد النازحين في البلد.

نجحت مأرب في استقطاب رؤوس الأموال أيضًا، واستفادت من إيرادات النفط والغاز، ومن توقف التوريد إلى البنك المركزي في صنعاء، لتخصص هذه الأموال لصالح البنية التحتية التي أخذت تواكب التوسع الجديد. سلطة مأرب أبدت مرونة كبيرة، وأيضًا انتزعت صلاحيات واسعة بالاستفادة من اغتراب قيادة السلطة الشرعية في العاصمة السعودية الرياض، لكن أيضًا بالاستفادة من رصيدها النضالي، ووضوح معركتها في مواجهة الحوثي.

تعززت مكانة مأرب أكثر، بعد فشل الحكومة الشرعية في الاستقرار في عدن، وفشل الأخيرة في كونها عاصمة مؤقتة، حسب الإعلان الرسمي، وذلك بفعل تصاعد الصراع السياسي والعسكري فيها، وسيادة النزعات المناطقية ضد كل ما هو شمالي.

بأفقها الوطني أصبحت مأرب بمثابة عاصمة غير معلنة للسلطة الشرعية. فهي المعقل الأخير لها في الشمال. ويتواجد فيها مقر وزارة الدفاع ومقرات ثلاث مناطق عسكرية.

منحنى التراجع

منذ بداية الحرب في اليمن كان هناك عملية استقطاب للفاعلين المحليين من قبل القوى الإقليمية، لكنها لم تظهر على نحو واضح إلا بعد الأزمة الخليجية في 2017. وكان يحسب للعرادة محافظ مأرب أنه أستطاع أن يدير علاقاته بمختلف الأطراف، سواء المحلية أو الإقليمية، بتوازن. لم ينحز لطرف على حساب آخر. لكنه أيضًا لم ينجح في الخروج من دائرة الاستقطاب لصالح مزيد من التنظيم والترابط للقاعدة الشعبية، وأيضًا الاستفادة من طاقة النزوح وتوظيفها لصالح نهضة مأرب وحماية تحولاتها.

عدم انجرار العرادة للاصطفاف مع أحد المحاور: الإمارات أو قطر، وحفاظه على علاقة جيدة مع السعودية ذات الرتم البطيء في فهم الأحداث، وفي التعامل معها، ترتب عليه كثير من الأضرار. كانت البداية من قيام دولة الإمارات بسحب بطاريات وصواريخ باتريوت من مأرب، منتصف العام 2019، الأمر الذي أفقدها الحماية أمام صواريخ الحوثي الباليستية، والتي أصبح بإمكانها الوصول إلى أي مكان في مأرب، بما في ذلك منزل المحافظ نفسه.

إقرأ أيضاً  مسكنات الألم.. مخاطر صحية قاتلة

هذا التحول كان بداية لسلسلة من الأحداث التي جعلت التهديدات تحيط بمأرب من ثلاث جهات. ففي أواخر يناير 2020 تمكنت جماعة الحوثي من السيطرة على مديرية نهم التابعة لمحافظة صنعاء، والواقعة على بعد 40 كم من العاصمة. كانت نهم الواقعة غرب محافظة مأرب، تمثل منطلقًا لاستعادة العاصمة صنعاء، منذ أن تمكنت قوات الحكومة الشرعية من السيطرة عليها مطلع العام 2016، بعد عام كامل من المعارك. لكن سقوطها بيد جماعة الحوثي جعلها منطلقًا لتوسيع نطاق معاركها داخل مأرب واستثارة أحلام السيطرة عليها كليًا.

مثل ذلك تهديدًا حقيقيًا لآلاف النازحين، وبدء فقدهم الشعور بالأمان الذي لطالما منحتهم إياه مأرب. لكن حتى قبل استيعاب الصدمة التي أحدثها السقوط الدراماتيكي لمديرية نهم، تمكنت جماعة الحوثي، بعد أقل من شهرين، من السيطرة على أجزاء واسعة من محافظة الجوف التي تشترك في حدودها مع مأرب من الجهة الشمالية. ولم يخلُ الأمر من دراماتيكية وغياب المنطق المفسر لما حدث. وحده منطق الأزمة الخليجية والصراع الإقليمي هو ما سيفسر على نحو غامض ما حدث وسيحدث لاحقًا.

واصل الحوثي هجماته داخل محافظة مأرب وفي محيطها، وتصاعدت الهجمات على نحو غير مسبوق منذ فبراير 2021، وكان الهدف هو السيطرة على المحافظة الغنية بالنفط، وإسقاط رمزية الحكومة المعترف بها دوليًا، والتي تعد مأرب آخر معقل حقيقي لها في الشمال.

تعددت الجبهات المشتعلة، واستخدمت كافة أنواع الأسلحة، وتنوعت الخطط حتى تمكن الحوثي من السيطرة على مديريات في محافظتي شبوة والبيضاء، جنوب مأرب، ثم السيطرة على مناطق واسعة في الجهة الجنوبية للمحافظة مع نهاية العام.

معركة المصير المجهول

مع مطلع العام 2022، بدأت مأرب تشهد موجة جديدة من التحولات، لها سمات منحى الصعود، وفي نفس الوقت سمات منحى التراجع، الأمر الذي يجعل من حصيلة التأمل في وضع مأرب الجديد، الكثير من الغموض.

مع نهاية العام 2021 تمكنت قوات جنوبية سلفية يديرها المجلس الانتقالي الجنوبي مدعومة من الإمارات، من تحرير ثلاث مديريات في محافظة شبوة، بعد أن كان قد تحقق هدف تغيير المحافظ بن عديو المنتمي لحزب الإصلاح، أبرز خصوم الإمارات، وتعيين محافظ بديل ينتمي لحزب المؤتمر الذي ستجري عملية إنعاشه على نحو مكثف بعد ذلك.

على غير المتوقع امتدت المعارك إلى مأرب، وتمكنت القوات الجنوبية أواخر يناير 2022 من تحرير أجزاء واسعة من مناطق مأرب الجنوبية، وفك الخناق على مأرب العاصمة. لكن المعارك توقفت بعد قيام جماعة الحوثي بتوجيه عدد من الهجمات الصاروخية وعبر الطيران المسير باتجاه الإمارات، وتهديد مركزها الاقتصادي وملاحتها الجوية. وفي الأثناء بروز خلافات حول التعيينات في المديريات التي جرى تحريرها من قبل القوات الجنوبية. 

غير أن الإمارات كانت قد عثرت لنفسها بعد طول عناء على موطئ قدم في مأرب. ثم شرعت في توطيدها من خلال بناء تشكيلات مسلحة من أبناء مأرب، على غرار القوات الجنوبية، مدعومة بسخاء وموالية لها. لكن الاستحقاق الأكبر الذي ستحصل عليه الإمارات سيأتي لاحقًا بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. 

فمن أصل 8 أشخاص يشكلون رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، أصبح للإمارات اليوم 3 أعضاء في المجلس، وهؤلاء هم طارق صالح، قائد المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، وأبو زرعة المحرمي، قائد قوات العمالقة السلفية الجنوبية التي أسهمت في تحرير أجزاء شبوة وأجزاء مأرب الجنوبية، وعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي. بينما في السابق لم يكن للإمارات أي نفوذ حقيقي في أعلى هرم السلطة.

نفوذ الإمارات الواسع سوف ينعكس على مأرب من زاوية حربها مع حزب الإصلاح الذي تعتبره أبوظبي جناح الإخوان المسلمين في اليمن، والذين يتمتعون بوجود عسكري وشعبي كبير، وكانوا محميين في السابق بتوازنات المحافظ سلطان العرادة، وأيضًا بمكانة مأرب، ووجود القيادة العسكرية العليا فيها.

كان من الواضح حجم الهزة التي تعرض لها الإصلاح في مأرب، بالنظر لصدور بيان باسم المقاومة وقبائل مأرب، ترفض القفز على التضحيات عقب إعلان تشكيل مجلس القيادة الرئاسي.

تعيين العرادة ضمن مجلس القيادة الرئاسي حتى مع احتفاظه بموقعه كمحافظ لمأرب، سوف يبعده عن سياسة التوازن التي اتبعها طوال السنوات الماضية، وسيبعده عن القاعدة الشعبية، وهنا سوف تتعزز احتمالية اندفاع الإمارات لاستثمار هذا الوضع، وخوض معركتها المؤجلة مع الإصلاح في مأرب. وهي المعركة التي قد يكون مصيرها المجهول. 

تحول عدن إلى عاصمة مؤقتة بشكل فعلي، واستقرار مجلس القيادة الرئاسي والبرلمان والحكومة، وظهور قيادة وزارة الدفاع فيها، كل هذا يأتي على حساب المكانة المكتسبة لمأرب. ثم يأتي المتغير الأكثر حساسية، والذي قد يترك تأثيرًا أكبر على مأرب، وهو سيادة خطاب السلام لدى مجلس القيادة الرئاسي، كترجمة لرغبة السعودية في الانسحاب من اليمن. وفي ذات الوقت عدم الاحتراز لوضع مأرب أمام تحفز الحوثي للسيطرة عليها.

فبالرغم من إعلان هدنة لمدة شهرين مطلع أبريل الماضي، برعاية أممية، كأحد لوازم تمرير العاصفة، وبالرغم من موافقة جماعة الحوثي التي كان نصيبها من هذا التحول حصد عدد من المكاسب، إلا أن المعارك في مأرب لم تتوقف، استمرت هجمات الحوثي، واستمر تساقط الصواريخ على المدينة. بحسب إفادات مصادر عسكرية، فقد تم رصد 1230 خرقًا للهدنة من قبل جماعة الحوثي، خلال شهر ونصف فقط.

مقالات مشابهة