fbpx

جرف صخري يلتهم هواة تنقيب كنز أثري في تعز

جبل حبر-مديرية ماوية-شرق تعز

تعز – لطف الصراري

لو كان حسن يعلم أن نهايته ستكون في جرف صخري، ما كان ليخوض مغامرته الأخيرة بحثًا عن الكنوز الدفينة.

هو ليس سوى نموذج لآلاف اليمنيين الذين عززت الحرب وويلاتها دوافعهم للبحث عن الكنوز المفترضة في البراري والجبال. بلا حسبة دقيقة للمخاطر ولا خبرة في التنقيب، قرر حسن وأحد أصدقائه استكشاف جبل في الريف الشرقي لمحافظة تعز، فكانت نهايتهما تحت ركام هائل من الصخور.

القصة المؤلمة التي حدثت في قرية “حُبُر” التابعة لعزلة “قماعرة” غرب مديرية ماوية، شرق تعز، بدأت بانتقال حسن من قريته مع أسرته ومواشيه إلى قرية أخرى في مارس 2022. كان ذلك قبيل حلول شهر رمضان المنصرم، وبحسب إفادات بعض أهالي قرية “حُبُر”، كان حسن يرعى أغنامه في الجبل الذي يحمل اسم القرية أيضًا، بينما يبحث عن علامات وجود الكنز المفترض. كان دليله في تلك المهمة القاتلة روايات شعبية تفيد بوجود كنز في المكان، لكن مع الكثير من التحذيرات من أن يكون الجن قد استولوا عليه.

هذا الاعتقاد شائع في عموم اليمن، ويرتبط باعتقادات متفرعة عنه، منها أن من يعثر على كنز ويستحوذ عليه بدون إشارات تأتي عادةً في المنام، فإن ثمن ذلك يكون حياة الشخص الذي عثر عليه أو أحد أقاربه. ومع ضآلة الاستكشافات الأثرية في البلاد، لم تخضع مثل هذه الأساطير عن الكنوز، للدراسة العلمية، وهو مجال مشترك بين علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والآثار.

شهود عيان من أهالي المنطقة وصفوا لـ”المشاهد” تضاريس المكان، حيث يطل الجبل على وادٍ خصب، وتوجد في بطنه عين طبيعية توفر مياه الشرب لسكان القرية، وما يفيض منها يذهب إلى الوادي. في سفح الجبل توجد “بقايا أساسات لمبانٍ ممتدة على طول 100 متر تقريبًا” باتجاه القمة الصخرية للجبل. هذه القمة الصخرية اسمها “ضاحة الحصان”، وهي ليست القمة الأخيرة للجبل، إذ يستمر امتداد أساسات المباني المندثرة بعد الجرف الصخري نحو قمة الجبل الواسعة، في ما يشبه بقايا حصن حربي قديم. في الجرف الصخري يوجد أخدود طبيعي بعرض يزيد عن مترين من أسفلها إلى أعلاها. هناك حفر حسن وصديقه عبدالله الذي أحضر آلة تكسير الصخور خاصته (الكمبريشن) ضمن أدوات الحفر.

صعوبة تضاريس المنطقة منعت وصول معدات الحفر لإنقاذ هواة تنقيب الكنوز-ماوية-تعز

يقول الأهالي إن هناك حلقة حديدية مغروسة في صخور قمة الجبل، وفي وسط الحلقة سهم يشير رأسه إلى “موضع معين” في الأخدود، وهو الموضع الذي اعتقد حسن أن الكنز المفترض مخبّأ فيه.

على مدى أكثر من شهرين، حفر الصديقان بدأب دون جدوى، وفي مساء الخميس 23 يونيو الجاري، تناول حسن عشاءه الأخير في المنزل المتواضع الذي حصل عليه من أحد الأهالي للإقامة فيه، ثم صعد إلى الجبل. عندما حان وقت صلاة الجمعة دون أن يعود إلى البيت، صعد ابنه إلى الجبل ليطمئن عليه. رأى الولد الصخور المنهارة وعلى مقربة منها بعض الملابس الخارجية لوالده وصديقه، إضافة لهاتفيهما المحمولين. عاد على الفور لإبلاغ الأهالي بالحادث الأليم، وهرع العشرات منهم إلى المكان.

إقرأ أيضاً  مشروع نوعي تقوده امرأة ملهمة في تعز

عملية إنقاذ متعسّرة

أعاقت الصخور المتشققة المطلة على الجرف عملية الإنقاذ المعتمدة على الأدوات البسيطة

من بعد ظهر الجمعة بدأ المنقذون من الأهالي بإزاحة الصخور المتفاوتة في أحجامها وشدة صلابتها، وبسبب تضاريس الجبل لم تستطع أية آلة حفر الوصول إلى المكان. لذلك عمل المنقذون بأيديهم، وفي أفضل الأحوال استخدموا أدوات حفر يدوية. بعد منتصف ليل الجمعة كانوا على وشك الوصول إلى إحدى الجثتين، لكنهم لاحظوا تشققات في الصخور المطلة فوق رؤوسهم، فاضطروا لمغادرة الأخدود وهدم الصخور المتشققة، ثم العودة للحفر من جديد.

عمل المنقذون بالتناوب على مدار الساعة مع كل ما يرافق عمليات الإنقاذ من آمال بالعثور على ناجين. وفي منتصف نهار الأحد، كانوا بالكاد تمكنوا من الوصول إلى جثة عبدالله. ذهب فريق لدفن الجثة المنتشلة، بينما استمر الآخرون في البحث عن جثة حسن، إلى أن تمكنوا من انتشالها صباح الاثنين.

قرابين لتاريخ مبعثر

فقد الرجلين حياتهما بسبب رواية شعبية محلية تفيد بوجود كنز في بيت قديم ينسب لأسرة الزريع الملكية التي حكمت عدن وكانت حليفا للدولة الصليحية

لا يرد اسم قرية “حُبُر” ضمن أسماء القرى اليمنية الشهيرة، ومثل غيرها من القرى المغمورة المتناثرة على امتداد البلاد، مازال تاريخها مبعثرًا في خرائب المباني المندثرة، وفي الذاكرة الشفاهية لسكانها.

تقع “حُبُر” في أقصى الحدود الإدارية الغربية لمديرية ماوية، وهي قريبة من مدينة الجَنَد التي نالت منها صروف الدهر وتقلّباته حتى صارت قرية. يقول الأهالي إن  دارًا كبيرة كانت إلى وقت قريب تنتصب على أحد أطراف قمة الجبل الواسع ذات التضاريس المتعرجة. كان بعض أجزاء الدار مهدّمًا، ويتذكر الأهالي أن شاحنات نقل كبيرة كانت تأتي من معسكر الجند أو ما كان يسمى حينها “معسكر معاذ بن جبل”، لنقل أحجار تلك الدار وغيرها من البناءات المهدمة، إلى المعسكر. واستنادًا إلى ما سمعوه من آبائهم وأجدادهم، فهم يعتقدون بأن سكان القرية المندثرة كانوا ينتمون إلى آل زريع الذين حكموا خلال الفترة 1083-1174 ميلادية، أجزاء واسعة من اليمن (من عدن جنوبًا إلى ظفار شمالًا حسب المعلومات المتداولة).

وفي كتاب تاريخ اليمن لعمارة اليمني فإن الزريعين ولاهم مؤسس الدولة الصليحية، علي محمد حين استولى على عدن وعزل بنو معن عن حكم المدينة في القرن الخامس الهجري.

يستند أهالي “حُبُر” أيضًا في تأريخهم الشفاهي هذا لقريتهم، بتسميتين شائعتين في المنطقة؛ الأولى لمكان اسمه “شِعب زُريع”، والثانية هي الاسم الآخر لـ”ضاحة الحصان” إذ تسمى كذلك “ضاحة زريع”، وهي التي التهمت حسن وعبدالله كما لو أنهما قربان لتاريخ بلد مبعثر بين الخرائب.

مقالات مشابهة