fbpx

إلى أين يتجه صراع الفصائل الأمنية في شبوة؟

يدفع المدنيون الثمن في كل مرة يتجدد صراع الفصائل الأمنية

شبوة –عدنان محمد

ألقت حالة التوتر داخل التشكيلة الأمنية والعسكرية في محافظة شبوة، جنوب شرقي اليمن، بعامل يعمل طباعًا في مكتبة قرطاسية في مدينة عتق مركز المحافظة، خلف القضبان.

وقال مدير مكتبة الأمل، سالم المعلم بارضوان (40 عامًا)، في بيان نشره أحد أقربائه مذيلًا باسمه، على حسابه الشخصي على منصة “فيسبوك”، إن شرطة المدينة قد أوقفته مساء الاثنين الماضي، بسبب طباعته تسع نسخ لأحد زبائن المكتبة لصورة العميد عبد ربه لعكب، قائد القوات الخاصة في المحافظة، الموقوف على ذمة التحقيق في الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة مؤخرًا.

الشرطة اتهمت المعلم بالإسهام في التحريض على العنف الذي يضر بأمن واستقرار المحافظة، أما هو فقد دافع قائلًا: “لم نتلقَّ تعميمًا مسبقًا من قبل الأمن يمنع ذلك، ومكتبتنا تقوم بأعمال الطباعة لعموم الزبائن دون أن ننظر في خلفياتهم السياسية”، بحسب البيان.

وأضاف أنه وقع على تعهد مكتوب في قسم الشرطة بعدم طباعة أية صورة تحتوي على تحريض على العنف، قبل أن يطلق سراحه بعد 24 ساعة من توقيفه.

تضم شبوة مشروع اليمن العملاق لتصدير الغاز المسال في بلحاف كما أن المحافظة فيها عدد من القطاعات النفطية المنتجة واستطاعت قوات موالية للحكومة بدعم من السعودية والإمارات أوائل يناير الماضي طرد قوات الحوثيين من غرب المحافظة. لكن شبوة تعاني صراعا إقليميا بالوكالة بين إيران والسعودية من جهة وبين السعودية والإمارت من جهة ثانية. حسب ورقة بحث لمركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية نشرت في يوليو العام الماضي.

وكان العميد عبد ربه لعكب، قائد القوات الخاصة في محافظة شبوة، والعقيد وجدي باعوم، قائد اللواء الثاني من قوات دفاع شبوة، صدر بحقهما قرار إيقاف من قبل لجنة تقصي الحقائق العسكرية المشكلة بقرار من محافظ المحافظة الشيخ عوض بن الوزير، بعد الاشتباكات التي حصلت بين القوات التابعة لهما، وأسفرت عن مقتل عنصرين من القوات الخاصة، وجرح عنصر آخر، بينما جرح عنصران من قوات دفاع شبوة.

التطورات الأخيرة في شبوة أعادت الى الأذهان صراعا مماثلا شهدته المحافظة في 2019 بين القوات الحكومية وقوات النخبة الشبوانية الموالية للمجلس الإنتقالي المنادي بانفصال جنوب اليمن انتهت بطرد الأخيرة من عتق، عاصمة المحافظة.

شرارة العودة للصراع

يوم الثلاثاء 19 يوليو 2022، اتهمت القوات الخاصة، قوات دفاع شبوة، وهي قوة حديثة أنشأتها دولة الإمارات، بمحاولة اغتيال لقائد القوات الخاصة في المحافظة العميد عبد ربه لعكب، وهو في طريقه إلى عمله، ما أدى إلى سقوط جرحى وقتلى.

وقالت القوات الخاصة في بيان نشره حسابها على منصة “فيسبوك”: “إن أطقمًا وعربات مدرعة تابعة لقوات دفاع شبوة اعترضت موكب العميد عبد ربه لعكب، وهو في طريقه إلى عمله، وأطلقت النار عليه، مما أدى إلى قتل اثنين وجرح اثنين آخرين من أفراد موكبه الخاص، بينما نجا هو من القتل”.

وعزت القوات هذا الهجوم على موكب قائدها لمحاولة قوات دفاع شبوة زعزعة استقرار المحافظة خدمة لأجندة خارجية.

وأشارت إلى أن هذا الهجوم هو الأحدث في سلسلة من الهجمات نفذتها قوات دفاع شبوة ضد قيادات ومواقع عسكرية للقوات الخاصة، رغم حرص قيادة القوات الخاصة على التحلي بأقصى درجة من ضبط النفس.

وأعلنت القوات الخاصة في بيانها أنها “تملك الأدلة التي تثبت تورط قوات دفاع شبوة في استهداف موكب قائدها وشن هجمات على النقاط والمواقع العسكرية التابعة لها”.

وكان محافظ شبوة ومعه عدد من أعضاء اللجنة الأمنية في المحافظة، دشن في وقت سابق من الشهر الجاري، حملة انتشار أمني لقوات دفاع شبوة وقوات العمالقة، وكلف هذه القوات بالقيام بحملة لمنع حمل السلاح في مدينة عتق.

وتعد قوات دفاع شبوة حديثة النشأة، إذ دخلت لأول مرة مسرح العمليات في محافظة شبوة، في شهر يناير الماضي من العام الجاري، إبان العملية التي أعلنها التحالف العربي وقوات العمالقة بهدف إعادة مديريات بيحان الثلاث الواقعة غربي المحافظة، من يد قوات جماعة الحوثي، بعد أن تلقت التدريب والتسليح من قبل قيادة التحالف في محافظة حضرموت، وهي قوة تضم في صفوفها بعضًا من قيادات وعناصر قوات النخبة الشبوانية سابقًا، وهي تنتشر بكثافة في مدينة عتق ومديريات بيحان ومرخة غربي محافظة شبوة.

أما قوات الأمن الخاصة فهي أحد فروع شرطة محافظة شبوة، أعيد تفعيلها بعد تعيين محمد صالح بن عديو محافظًا للمحافظة، وصدر قرار جمهوري بتعيين العميد عبد ربه لعكب قائدًا لها، عام 2019، وتمتعت هذه القوات بصلاحيات واسعة خلال سلطة المحافظ السابق، وكانت قد شاركت في أحداث أغسطس من العام نفسه، التي انتهت بطرد قوات النخبة الشبوانية من المحافظة.

احتواء كرة الثلج

بعد حادثة الاشتباك بين القوتين أعلن محافظ شبوة الشيخ عوض بن الوزير، تشكيل “لجنة عسكرية لتقصي الحقائق”، للتحقيق في ما حصل بين القوتين، وتحديد الطرف المتسبب، والرفع به إلى المحافظ في تقرير نهائي.

وفي أعقاب ذلك تداول رواد التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا قيل إنه يظهر استهداف موكب قوات الأمن الخاصة من قبل قوات دفاع شبوة، شرقي مدينة عتق.

إقرأ أيضاً  لحج: نساء يعملن في الخياطة لتحسين دخل أسرهن 

وفي ما بدا أنه رد على ذلك، تداول ناشطون معارضون مقطعًا مصورًا قيل إنه يظهر مهاجمة عدد من الأطقم العسكرية التابعة للقوات الخاصة، على نقطة أمنية تابعة لقوات دفاع شبوة في مدينة عتق، ما أسفر عن إصابة اثنين من عناصرها في وقت سبق وقت الهجوم على موكب قائد القوات الخاصة.

وخلال اليومين اللذين أعقبا الاشتباكات المتبادلة بين قوات دفاع شبوة والقوات الخاصة، احتدم النقاش في وسائل التواصل الاجتماعي حيال الأحداث، وزاد منسوب لغة الكراهية والتحريض على العنف بين رواد تلك المنصات، وحبس سكان مدينة عتق أنفاسهم تخوفًا من تجدد الاشتباكات.

ونتيجة لذلك أصدرت “اللجنة العسكرية لتقصي الحقائق” أول تعليق لها عن الحادثتين، وشجبت اللجنة في بيان لها ظهور بعض مقاطع الڤيديو المُصورة بِواسطة كاميرات المراقبة في وسائل التواصل الاجتماعي، داعيةً مُلاك المراكز التجارية لِعدم التعامل إلّا معَ الجهات الحكومية -ذات الصلة- بِكشف ومنح نسخة من المواد المصورة لهم.

واستنكرت اللجنة ما وصفتها بـ”التصريحات الإعلامية والبيانات الصحفية”، وقالت إنها لا تخدم عمل لجنة التحقيق بِكشف مُسببات الأحداث الأخيرة، ولا تخدم أيضًا المصلحة العامة لِمحافظة شبوة؛ باعتبارها تؤجج سلبًا بإثارتها لِلفتن نتيجةً لِلتعبئة الخاطئة.

إجراءات وقائية

العميد أحمد الأحول (يمين الصورة) نائب شرطة شبوة مباشرا مهام قائد القوات الخاصة، عقب اشتباكات مع قوات مدعومة من السعودية والإمارت

في 24 يوليو 2022، أعلنت اللجنة العسكرية لتقصي الحقائق بحضور المحافظ، اتخاذها ما سمتها “إجراءات وقائية” متعلقة بحادثتي تبادل إطلاق النار بين القوات الخاصة وقوات دفاع شبوة، حتى لا تتجه الأمور نحو مزيد من التدهور.

وفي بيان جديد مشترك ذكرت اللجنة أن محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي قد أوقف العميد عبد ربه لعكب، قائد قوات الأمن الخاصة في المحافظة، والعقيد وجدي باعوم، قائد اللواء الثاني دفاع شبوة، عن العمل.

وأوضحت أنه يُلزم الموقوفان عن العمل بِعدم دخول المعسكرات، والبقاء في منزليهما، وعدم مُمارسة أي أعمال عسكرية بِشكل مُباشر أو غير مُباشر، والامتثال تحت إمرة اللجنة المُكلفة بِالتحقيق، حتى ترفع -اللجنة نفسها- تقريرها النهائي أو تصدر قرارات عُليا بهذا الشأن.

كما يُكلف العميد أحمد ناصر الأحول، نائب مدير عام شرطة محافظة شبوة؛ بِالقيام بِمهام قائد القوات الخاصة محافظة شبوة، بِكامل الصلاحيات. وبحس البيان فقد ُكلف أيضًا أركان اللواء الثاني -دفاع شبوة؛ بِالقيام بِمهام قائد اللواء الثاني -دفاع شبوة، بِكامل الصلاحيات القانونية دون  تسمية الشخص. مصادر قالت لمراسل المشاهد أن العقيد صالح الذيب هو المقصود في البيان.

وتعهد المحافظ باعتباره ممثلًا للسلطة المحلية ورئيس اللجنة الأمنية، بِالقيام بِما يقع عليها من مسؤوليات تجاه المُتضررين؛ وهم أسر الضحايا والجرحى من المدنيين والعسكريين، ودفع الديات الشرعية والتعويضات اللازمة؛ وفقًا لِلشريعة الإسلامية الغراء والقوانين النافذة، بحسب البيان.

عودة الجدل

وفي مساء 25 يوليو 2022، بث المكتب الإعلامي للمحافظة من خلال قناته على منصة “يوتيوب”، كلمة للمحافظ عوض بن الوزير، تحدث فيها عن علاقاته بالأجهزة الأمنية في المحافظة، انتقد خلالها قوات الأمن الخاصة لعدم تعاونها معه في مساعيه لتثبيت الأمن والاستقرار في المحافظة، وتنفيذ توجيهاته. وقال ابن الوزير أن مهمة استتباب الأمن في المحافظة تقع على عاتقه، وأنه لن يسمح بأي أعمال مخلة من قبل من يرفعون شعار “أنا أو الطوفان”، في إشارة إلى مسؤولين في السلطة المحلية السابقة.

واتهم خلال كلمته أطرافًا خارجية بزعزعة الأمن في المحافظة عبر أطراف محلية لم يرق لهم حالة الاستقرار فيها، بحسب وصفه.

ولوح المحافظ بأن البديل جاهز إذا لم تقم الأجهزة الأمنية بمهامها في حفظ الأمن، وحذر من أن التغييرات قادمة، ولن يسلم منها أي مقصر في قيادة السلطة المحلية للمحافظة.

وأثارت هذه الكلمة موجة واسعة من ردود الفعل؛ بعضها مؤيد، وبعضها الآخر متحفظ أو منتقد للمحافظ الذي كرر انحيازه لصالح قوات دفاع شبوة دون قوات الأمن الخاصة، كما يقولون.

حالة المراوحة

وفي ما يعد مؤشرًا إلى أن الأزمة تتجه نحو الحل، أكد مصدر في السلطة المحلية أن القياديين الموقوفين (لعكب وباعوم) قد التزما بقرار اللجنة.

وفي معسكر قيادة قوات الأمن الخاصة باشر العميد أحمد ناصر الأحول، نائب مدير عام شرطة شبوة، مهامه الرسمية المكلف بها بِموجب قرار رئيس اللجنة الأمنية محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي، باعتباره قائمًا بمهام قائد للقوات الخاصة في المحافظة.

والتقى الأحول، برفقة اللجنة العسكرية لتقصي الحقائق، ضباط وصف ضباط القوات الخاصة، وأعرب خلال اللقاء بتشرفه بتنفيذ قرار اللجنة وتولي قيادة هذه القوات، في ظل غياب قائدها الموقوف.

بينما لم يعلن حتى الآن مباشرة القائد الجديد المكلف بقيادة اللواء الثاني دفاع شبوة بموجب قرار اللجنة.

وفي سياق متصل، انفجرت الثلاثاء 26 يوليو 2022 قنبلة بجوار مقر حزب التجمع اليمني للإصلاح في مدينة عتق، دون أن تسفر عن أضرار، ولم يعلن حتى الآن عن الجهة المسؤولة عن الحادث، فيما يتهم حزب الإصلاح بأنه يقف وراء قيادة قوات الأمن الخاصة في محافظة شبوة.

وتظل الأوضاع على هذا الحال إلى أن يصدر التقرير النهائي للجنة العسكرية لتقصي الحقائق خلال الأيام القادمة، ويحدد الطرف المسؤول عن تفجير الأزمة، وما سيترتب على ذلك من إجراءات لاحقة.

مقالات مشابهة