fbpx

المشاهد نت

مخاطر تسوية الملعب جزئيًا في اليمن

مصطفى ناجي

مصطفى ناجي

كاتب وباحث في الشؤون السياسية

ما يحدث في اليمن منذ بداية العام 2022، هو إعادة تسوية للملعب السياسي وفقًا لهذا الاصطلاح المتداول في الأدبيات السياسية ولغة الصحافة، لكنه بالمعنى العملي يشير إلى استبدال قوى بقوى أخرى، وإزاحة وتبديل، وانتزاع سلطة من طرف وتمكين طرف آخر.
عمليًا، لدينا فضاءان جيوسياسيان في اليمن. فضاء الحوثي، وهذا سنؤجل الحديث عنه، مع أنه يستحق الاهتمام والتركيز والعناية إذا رغبنا في استشراف مستقبل اليمن والمسار الذي تتجه إليه الأمور، وقد يختزل الأمر بأنه مسار طائفي وانغلاق حضاري وعداء تجاه الجوار والتاريخ والعروبة. لكننا سنهتم أكثر بالفضاء الآخر الذي يتمسك بورقة الشرعية، وهو الفضاء المناهض للحوثي من حيث المبدأ، وتندرج داخله قوى عديدة متناقضة في ما بينها إلى حد كبير، في خطابها العام تجاه بعضها، وفي خطابها تجاه الحرب في اليمن، ورؤيته للحل وما بعد الحرب.
من الزاوية البعيدة ومن الخارج، فإن كل الوجوه متشابهة، وما يفرّق بينها هو مستوى الامتنان أو الامتعاض من الأطراف الخارجية، خصوصًا المنخرطة بشكل فاعل في التحالف العربي وعمله العسكري الذي سخره مؤخرًا لتسوية الملعب كما أسلفنا. بمعنى آخر، المسافة التي يتخذها هذا آو ذاك الطرف المحلي من طرف إقليمي، هي معيار التقييم، أما ما تبقى، فإن الجميع سواء في عيون الأشقاء والأصدقاء.
بالطبع، محليًا هناك فرق كبير، وكل يحاول صبغ توجهه ومسافته التي اتخذها بكل أوصاف النبل والشطارة والوطنية والإخلاص. وفي عيون المواطن، فإن الجميع فاشل في القيام بمهامه تجاه الخدمات وصيانة البلاد والوظيفة العامة وحفظ السكينة وإعلاء حرمة المال العام.

كانت إزاحة هادي مطلبًا حوثيًا صرفًا للقبول في خوض عملية سياسية. لكن الشرعية التي كانت بحوزة الرئيس هادي، كانت عصاه الغليظة أمام القوى المحلية والإقليمية والدولية، وكانت محصنة بغيابه الطويل عن البلاد، واحتجابه عن زواره، واعتكافه في المملكة


كانت ممهدات تسوية الملعب هي الانخراط في هدنة مع الحوثي تقلل من مخاطر إجراء التسوية، وتجعلها استحقاقًا مرحليًا لا تعوقه المواجهة. أزيح الرئيس هادي من السلطة في اتفاق نقل سلطة، ومُكِّن ثمانية أشخاص من شرعيته التي تنازل عنها تنازلًا لا رجعة عنه.
في الحقيقة، كانت إزاحة هادي مطلبًا حوثيًا صرفًا للقبول في خوض عملية سياسية. لكن الشرعية التي كانت بحوزة الرئيس هادي، كانت عصاه الغليظة أمام القوى المحلية والإقليمية والدولية، وكانت محصنة بغيابه الطويل عن البلاد، واحتجابه عن زواره، واعتكافه في المملكة. وكانت شرعيته تتيح له اتخاذ قرارات بعيدة عن قدرته على إنفاذها، ومنها على سبيل المثال إعفاء شخص من مهامه وإحالته للتحقيق.
لكن هذه الشرعية لم تؤل إلى الحوثي إلى حد الآن. إنما جرى تقسيمها على أشخاص فرضوا أنفسهم بحكم امتلاكهم قوة سلاح ودعمًا ماليًا ولوجستيًا خارجيًا، ولديهم القدرة على حشد أتباع ومقاتلين، ويحوزون على مربع جغرافي. أقلهم من هذه الامتيازات هو الرئيس رشاد العليمي، وهو الذي يرأسهم مجردًا من أية قوة فيزيائية على الأرض، سوى قوة صلاحياته الإدارية والسياسية. وهو يجد في هذه القوة هامشًا للمناورة يتعاظم مشروطًا بدعم الحلفاء الخارجيين وقدرته هو شخصيًا على تعضيد قراراته وآليات اتخاذ القرار داخل المجلس القيادي عبر سجالات ومشاورات معقدة، وربما تقوم أساسًا على تحشيد أكثر من طرف داخل المجلس لصالح رؤيته والاتكاء في كل مرة على طرف من الأطراف.
يمضي اتفاق نقل السلطة على غرار ما مضى فيه اتفاق الرياض بين الانتقالي والشرعية من غموض وعدم استيفاء لشروط نجاحه وبلبلة وتفسير أحادي للنصوص، وجعل عدن أرضية رخوة لا تستقيم عليها سلطة أو حكومة. وأخطر من هذا هو انسحاب كبير للقوى الإقليمية التي أخرجت هذا الاتفاق. يترجم هذا الانسحاب من خلال التباطؤ في تقديم الدعم الاقتصادي اللازم والإسعافي، وعدم تفعيل أوراق الضغط على شركاء الاتفاق للوفاء به.
ويلحظ تباين الرؤي بين دولتي الإمارات والسعودية تجاه عملية تسوية الملعب هذه ليخرج الأمر من كونه تسوية ملعب سياسي داخليًا في إطار كيان واحد إلى عملية مخرجاته المرتقبة هي تجزئة هذا البلد. فإعادة رسم الخارطة السياسية وليس خارطة القوى فحسب في اليمن، يعني استدامة الفقر وتمديد الاضطراب وتخليد الأحقاد. وهي عملية جزئية لا تأخذ بعين الاعتبار الخطر الكامن حوثيًا، والذي هدأ بفضل احتياجه للهدنة دون تغيير استراتيجيته أو أهدافه, كما أنه لا توجد ضمانة حقيقية لمواجهة المشروع الحوثي في حال فشل العملية السياسية في إطار تشطيري لا تشترك فيه قوى متعددة جنوبية وشمالية لقيت ضمانات في عدم إزاحتها من المشهد.
لقد ورث اليمنيون حدودهم الشطرية من اتفاق بريطاني تركي، أي بإرادة خارجية رفضتها القوى الاجتماعية في بداية القرن العشرين، ولم يزكِّ ذلك التشطير سوى الإمام باتفاقه مع بريطانيا. عمليًا، بذل اليمنيون عقودًا طويلة تقارب القرن لتجاوز هذا التشطير، اتسمت بالفقر والصراعات والاقتتال الأهلي وتأخير عجلة التنمية والارتهان الأيديولوجي للخارج وتشكيل مهددات أمن إقليمية. والدرس الذي ينبغي أن يستفاد هو أن أية إرادة خارجية لترسيم هذه الخارطة، هي محاولة عابثة مهما أغرتها القوة، ودفعت طرفًا أو أطرافًا محلية إلى استخدام القوة.
يتضح الإرباك في قوى الفضاء الشرعي. لكن لا ينبغي الآن التراشق بالتهم بقدر ما ينبغي أن يتحمل كل طرف مسؤوليته في تجاوز عثرات الماضي، وعدم العودة إلى المربع صفر. مخاطر هذه المواجهات وعملية تسوية الملعب هي أولًا أن المجلس القيادي يتعرى من شرعيته إذا لم يلتزم بروح ونص اتفاق نقل السلطة. إذ لا معنى لتجريد الرئيس من صلاحيته أو عزله عن الداخل أو شيطنته. وتستدعي الأطراف المتخاصمة أساليب عهد صالح في النشاط الإعلامي الدعائي القام أحايين على الكذب والتزييف. أساليب عهد صالح غير صالحة الآن.
‏ثانيًا، إن معادلة النفوذ والسيطرة التي رست في محافظات الجنوب والشرق في عهد الرئيس هادي، منذ 2015 وحتى منتصف هذا العام، تمضي نحو التغيير. وإن كانت إزاحة الإصلاح هي رافعة هذا التبديل، إلا أنها تغييرات في رقعة نفوذ جنوبية-جنوبية في المقام الأول. لكن تنتهي معادلة توازن القوى واقتسام الأرض لصالح هيمنة عسكرية. خطورة الهيمنة الحالية تكمن في أنها مقتصرة على الهيمنة العسكرية فقط، مع رتوش توافقات عاجلة برسم خارجي. تفتقر هذه الهيمنة للقبول الاجتماعي، وهذا يجعلها شديدة الهشاشة، ومفتاحًا لاختراقات وتحلل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.